من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من أخبار أبى العتاهية
قال يزيد [بن] حوراء المغنى: كلّمنى أبو العتاهية أن أكلّم المهدى في عتبة؛ فقلت: إنّ الكلام لا يمكننى، ولكن قل شعرا أغنيه إياه، فقال:
نفسى بشىء من الدنيا معلّقةالله والقائم المهدىّ يكفيها
إنّى لأيأس منها ثم يطمعنىفيها احتقارك للدنيا وما فيها
فعملت فيه لحنا وغنّيته المهدى؛ فقال: لمن هذا؟ فأخبرته خبر أبى العتاهية، فقال: ننظر في أمره، فأخبرت بذلك أبا العتاهية؛ فمكث أشهرا، ثم أتانى فقال:
هل حدث خبر؟ فقلت: لا، فقال: غنّه بهذا الشعر:
ليت شعرى ما عندكم ليت شعرىإنّما أخّر الجواب لأمر
ما جواب أولى بكلّ جميلمن جواب يردّ من بعد شهر
قال يزيد: فغنّيت به المهدى، فقال: علىّ بعتبة، فأحضرت، فقال: إنّ أبا العتاهية كلّمنى فيك، وعندى لك وله ما تحبّان؛ فقالت له: قد علم مولاى أمير المؤمنين ما أوجبه من حق مولاتى، فأريد أن أذكر لها ذلك؛ قال:
فافعلى؛ فأعلمت أبا العتاهية بما جرى، ومضت الأيام؛ فسألنى معاودة المهدى، فقلت له: قد عرفت الطريق فقل ما شئت حتى أغنيه، فقال:
أشربت قلبى من رجائك مالهعنق إليك يخبّ بى ورسيم
وأملت نحو سماء صوبك ناظرىأرعى مخايل برقها وأشيم
ولقد تنسّمت الرياح لحاجتىوإذا لها من راحتيك نسيم
ولربما استيأست ثم أقول: لاإنّ الذى ضمن النجاح كريم
فغنيته بالشعر، فقال: علىّ بعتبة، فأتت؛ فقال: ما صنعت؟ قالت: ذكرت ذلك لمولاتى فأبته وكرهته، فليفعل أمير المؤمنين ما يريد، فقال: ما كنت لأفعل شيئا تكرهه، فأعلمت أبا العتاهية بذلك، فقال:
قطّعت منك حبائل الآمالوأرحت من حلّ ومن ترحال
ما كان اشأم إذ رجاؤك قادنىوبنات وعدك يعتلجن ببالى
ولئن طمعت لربّ برق خلّبمالت بذى طمع ولمعة آل
وقد نقلت هذه الحكاية على غير هذا الوجه، والله أعلم بالحقّ في ذلك.
وضرب المهدى أبا العتاهية مائة سوط لقوله:
ألا إنّ ظبيا للخليفة صادنىومالى على ظبى الخليفة من عدوى
وقال: أبى يتمرّس، ولحرمى يتعرّض، وبنسائى يعبث؟ ونفاه إلى الكوفة.
وفي ضربه يقول أبو دهمان:
لولا الّذى أحدث الخليفةللعشاق من ضربهم إذا عشقوا
لبحت باسم الذى أحبّ، ولكنّى امرؤ قد ثنانى الفرق
وكان أبو العتاهية بالكوفة لما نفى يذكر عتبة، ويكنّى باسمها، فمن ذلك قوله:
قل لمن لست أسمّىبأبى أنت وأمّى
بأبى أنت لقد أصبحت من أكبر همّى
ولقد قلت لأهلىإذ أذاب الحبّ لحمى
وأرادوا لى طبيبافاكتفوا منّى بعلمى:
من يكن يجهل ما ألقىفإنّ الحبّ سقمى
إنّ روحى لببغداد، وفي الكوفة جسمى
وقوله:
أمسى ببغداد ظبى لست أذكرهإلّا بكيت إذا ما ذكره خطرا
إنّ المحبّ إذا شطّت منازلهعن الحبيب بكى أو حنّ أو ذكرا
يا رب ليل طويل بتّ أرقبهحتى أضاء عمود الصّبح فانفجرا
ما كنت أحسب إلّا مذ عرفتكمأنّ المضاجع ممّا تنبت الإبرا
واللّيل أطول من يوم الحساب علىعين الشّجىّ إذا ما نومه نفرا
ولما قدمت عتبة ببغداد قدم معها أبو العتاهية، وتلطّف حتى اتّصل بالرشيد في خلافة أبيه المهدى؛ وتمكّن منه، وبلغ المهدىّ خبره، فأحضره؛ فقال: يا بائس؛ أنت مستقتل، وسأله عن حاله؛ فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
أنت المقابل والمدابر في المناسب والعديد
بين العمومة والخئولة والأبوّة والجدود
فإذا انتميت إلى أبيك فأنت في المجد المشيد
وإذا انتمى خال فماخال بأكرم من يزيد
يريد يزيد بن منصور؛ وكانت أم المهدىّ أم موسى بنت منصور الحميرى وأنشده:
علم العالم أنّ المناياسامعات لك فيمن عصاكا
فإذا وجّهتها نحو طاغرجعت ترعف منه قناكا
ولو أنّ الريح بارتك يومافى سماح قصّرت عن نداكا
وأنشده:
أتته الخلافة منقادةإليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلّا لهولم يك يصلح إلّا لها
ولو رامها أحد غيرهلزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات القلوبلما قبل الله أعمالها
فقال له المهدى: إن شئت أدّبناك بضرب وجيع؛ لإقدامك على ما نهيت عنه، وأعطيناك ثلاثين ألف درهم جائزة على مدحك لنا. وإن شئت عفونا عنك فقط.
فقال: بل يضيف أمير المؤمنين إلى كريم عفوه جميل معروفه؛ ومكرمتان أكثر من واحدة، وأمير المؤمنين أولى من شفع نعمته وأتمّ كرمه. فأمر له بثلاثين ألف درهم وعفا عنه.
ولما قدم الرشيد الرّقّة أظهر أبو العتاهية الزّهد والتصوف وترك الغزل، فأمره الرشيد أن يتغزّل، فأبى، فحبسه، فغنّى بقوله:
خليلىّ مالى لا تزال مضرّتىتكون على الأقدار حتما من الحتم
كفاك بحقّ الله ما قد ظلمتنىفهذا مقام المستجير من الظلم
ألا في سبيل الله جسمى وقوّتىألا مسعد حتى أنوح على جسمى
فأمر بإحضاره وقال: بالأمس ينهاك أمير المؤمنين المهدى عن الغزل، فتأبى إلّا لجاجا ومحكا؛ واليوم آمرك بالقول فتأبى جرأة علىّ وإقداما، فقال:
يا أمير المؤمنين؛ إنّ الحسنات يذهين السيئات، كنت أقول الغزل ولى شباب وجدة، وبى حراك وقوّة، وأنا اليوم شيخ ضعيف لا يحسن بمثلى تصاب؛ فردّه إلى حبسه؛ فكتب إليه:
أنا اليوم لى، والحمد لله، أشهريروح علىّ الغمّ منك ويبكر
تذكّر، أمين الله، حقّى وحرمتىوما كنت تولينى، لعلّك تذكر
ليالى تدنى منك بالقرب مجلسىووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لى بالعين التي كنت مرةإلىّ بها من سالف الدّهر تنظر
فبعث إليه: لا بأس عليك؛ فقال:
كأنّ الخلق ركب فيه روحله جسد وأنت عليه راس
أمين الله إنّ الحبس بأسوقد وقّعت: ليس عليك باس
فأخرجه.
أخذ البيت الأول من هذين علىّ بن جبلة وزاد فيه، فقال لأبى غانم الطوسى:
دجلة تسقى وأبو غانميطعم من تسقى من النّاس
والخلق جسم، وإمام الهدىرأس، وأنت العين في الرّاس
وكان عمر بن العلاء ممدّحا، وفيه يقول بشار بن برد:
إذا أيقظتك حروب العدىفنبّه لها عمرا ثمّ نم
دعانى إلى عمر جودهوقول العشيرة بحر خضم
ولولا الذى ذكروا لم أكنلأمدح ريحانة قبل شم
فتى لا يبيت على دمنةولا يسرب الماء إلّا بدم
أخذ هذا البيت أبو سعيد المخزومى، فقال:
وما يريدون، لولا الجبن، من رجلبالليل مشتمل بالجمر مكتحل
لا يضرب الماء إلا من قليب دمولا يبيت له جار على وجل
وقال أبو الطيب:
تعوّد ألّا تقضم الحبّ خيلهإذا الهام لم ترفع جنوب العلائق
ولا ترد الغدران إلّا وماؤهامن الدّم كالرّيحان تحت الشّقائق
وقال أبو القاسم بن هانىء:
من لم ير الميدان لم ير معركاأشبا، ويوما بالأسنة أكهبا
وكتائبا تردى غواربها العدىوفوارسا تعدو صوالجها الظّبا
لا يوردون الماء سنبك سابحأو يكتسى بدم الفوارس طحلبا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع