من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
رجع إلى عمر بن العلاء
قال: وبلغ عمر بن العلاء أن أبا العتاهية عاتب عليه في هنات نالها منه فى مجلس، وكان كثير الانقطاع إليه، فتخلّف عنه، فساء ذلك عمر، فكتب إليه:
قد بلغنى الذى كان من تجنّبك فيما استخفّك به سوء الأدب عن علم حقيقة منى، فصرت متردّدا من العمى في يلاميع الشبهة؛ ولو كان معك من علمك داع إلى لقائى لكشفت لك مورد الأمر ومصدره، لترجع إلى الصّلة، فتقال أو تأبى إلا الصّريمة فتصرم؛ وقد قال الأول:
ومستعتب أبدى على الظنّ عتبهوأخرج منه المحفظات غليل
كشفت له عذرا فأبصر وجههفعاد إلى الإنصاف وهو ذليل
فأجابه أبو العتاهية: لم أجز بعتبى الحقيقة إلى الشبهة، ولم أجد سعة مع عظيم قدرتك إلى حمل اللائمة، فقصّر بى الخوف من سخطك، على ترك معاتبتك؛ لأنّ المعاتبة لا تجتنى إلّا من المساوى، ولو رغبت عن الصلة إلى القطيعة لتقاضيتك ذلك عن طول الصّحبة، وسالف المدّة، وأنا أقول:
رضيت ببعض الذّلّ خوف جميعهوليس لمثلى بالملوك يدان
وكنت امرأ أخشى العقاب وأتّقىمغبّة ما تجنى يدى ولسانى
فهل من شفيع منك يضمن توبتىفإنى امرؤ أوفى بكلّ ضمان
فتراجعا إلى أحسن ما كانا عليه
وإنما ألم أبو العتاهية في قوله «إنّ المطايا تشتكيكوما يليه» بقول أبى الحجناء نصيب الأكبر:
فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقال أبو الطيب في أبى العشائر الحمدانى:
تنشد أثوابنا مدائحهبألسن مالهنّ أفواه
إذا مررنا على الأصمّ بهاأغنته عن مسمعيه عيناه
وهذا المعنى من النّصبة الدالة بذاتها التي ذكرتها عن الجاحظ في أقسام البيان.
وقال بعض الخطباء: أشهد أن في السموات والأرض آيات ودلالات، وشواهد قائمات؛ كلّ يؤدى عنك الحجّة، ويشهد لك بالربوبية.
ونظير هذا قول أبى العتاهية، وروى أنه جلس في دكان ورّاق، وأخذ كتابا فكتب على ظهره:
فواعجبا كيف يعصى المليك أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كلّ تحريكةوتسكينة في الورى شاهد
وفي كلّ شىء له آيةتدلّ على أنّه واحد
وانصرف، فاجتاز أبو نواس بالموضع فرأى الأبيات، فقال: لمن هذا؟
فلوددتها لى بجميع شعرى، فقيل: لإسماعيل بن القاسم، فوقع تحتها:
سبحان من خلق الخلق من ضعيف مهين
فصاغه من قرارإلى قرار مكين
يحول شيئا فشيئافى الحجب دون العيون
حتى بدت حركاتمخلوقة من سكون
وقال الفضل بن عيسى الرّقاشى: سل الأرض من غرس أشجارك، وشقّ أنهارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا.
وهذا شبيه بقول عدىّ بن زيد، وقد نزل النعمان بن المنذر تحت سرحة؛ فقال: أتدرى ما تقول هذه السّرحة أيها الملك؟ قال: وما تقول؟ قال: تقول:
ربّ ركب قد أناخوا حولنايشربون الخمر بالماء الزّلال
ثم أضحوا لعب الدّهر بهموكذاك الدّهر حالا بعد حال
ويروى «عكف الدّهر بهم فثووا ». فتكدّر حال النّممان وما كان فيه من لذّة.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع