من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
سعيد بن هريم، وصلته بالفضل بن سهل
كان سبب اتصال سعيد بن هريم بذى الرياستين الفضل - وسمى ذا الرياستين لأنه جمع بين رياسة القلم ورياسة التدبير للمأمون- أنه دخل عليه يوما، فقال: «الأجل آفة الأمل، والمعروف ذخر الأبد، والبرّ غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة أخى القدرة، وإنّا لم نصن وجوهنا عن سؤالك، فصن وجهك عن ردّنا، وضعنا من إحسانك بحيث وضعنا أنفسنا من تأميلك».
فأمر أن يكتب كلامه، وسماه سعيدا الناطق، ووصله المأمون فخصّ به.
فلحقته في بعض الأوقات جفوة من الفضل، فكتب إليه: «يا حافظ من يضع نفسه عنده، ويا ذاكر من نسى نصيبه منه، ليس كتابى إذا كتبت استبطاء، وما إمساكى إذا أمسكت استغناء؛ فكتبت مذكّرا لا مستقصرا فعلك» فوصله وأحسن إليه وقد روى بعض هذا الكلام المنسوب إلى سعيد بن هريم لأبى حفص الكرمانى مع ذى الرّياستين.
ويقول أبو محمد عبد الله بن أيوب التميمى:
لعمرك ما الأشراف في كل بلدةوإن عظموا للفضل إلّا صنائع
ترى عظماء الناس للفضل خشّعاإذا ما بدا، والفضل لله خاشع
تواضع لمّا زاده الله رفعةوكلّ جليل عنده متواضع
وقال إبراهيم بن العباس:
لفضل بن سهل يدتقاصر عنها المثل
فباطنها للنّدىوظاهرها للقبل
وبسطتها للغنىوسطوتها للأجل
أخذه ابن الرومى فقال لإبراهيم بن المدبر:
اصبحت بين ضراعة وتجمّلوالمرء بينهما يموت هزيلا
فامدد إلى يدا تعوّد بطنهابذل النوال وظهرها التقبيلا
وقال يمدح عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وزاد في هذا المعنى تشبيها ظريفا:
مقبّل ظهر الكفّ وهّاب بطنهالها راحة فيها الحطيم وزمزم
فظاهرها للناس ركن مقبّلوباطنها عين من العرف عيلم»
وكان ذو الرياستين يقبل صواب القائلين بما في قوّته من صفاء الغريزة، وجودة النّحيزة فهو كما قال أبو الطيب:
ملك منشد القريض نديهيضع الثّوب في يدى بزّاز
وكانت مخايل فضله، ودلائل عقله، ظهرت ليحيى بن خالد وهو على دين المجوسية، فقال له: أسلم أجد السبيل إلى اصطناعك، قال: فأسلم على يد المأمون، ولم يزل في جنبته، إلى أن رقى إلى رتبته.
وذكره يحيى عند الرشيد فأجمل الثناء، فأمر بإحضاره، فلما رآه أفحم؛ فنظر الرشيد إلى يحيى كالمستفهم؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ من أدلّ دليل على فراهة المملوك أن تملك هيبة مولاه لسانه وقلبه، فقال الرشيد: لئن كنت سكتّ لكى تقول هذا فقد أحسنت، ولئن كان هذا شيئا اعتراك عند الحصر لقد أجدت؛ وزاد في إكرامه وتقريبه، وجعل لا يسأله بعد ذلك عن شىء إلا أجابه بأفصح لسان، وأجود بيان.
قال سهل بن هارون: ومما حفظ من كلام ذى الرياستين مما رأينا تخليده فى الكتب؛ ليؤتمّ به، وينتفع بمقول حكمته، قوله: من ترك حقّا فقد غبن حظّا: ومن قضى حقّا فقد أحرز غنما، ومن أتى فضلا فقد أوجب شكرا، ومن أحسن توكّلا لم يعدم من الله صنعا، ومن ترك لله شيئا لم يجد لما ترك فقدا، ومن التمس بمعصية الله حمدا عاد ذلك على ملتمسه ذمّا، ومن طلب بخلاف الحقّ له دركا عاد ما أدرك من ذلك له موبقا؛ وذلك أوجب الفلاح- للمحسنين، وجعل سوء العاقبة للمسيئين المقصّرين.
ووقّع في رقعة ساع: نحن نرى قبول السعاية شرّا منها؛ لأنّ السّعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دلّ على شىء وأخبر به كمن قبله وأجازه؛ فاتّقوا السّاعى؛ فإنّه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه آثما؛ إذ لم يحفظ الحرمة، ولم يستر العورة.
والشىء يقرن مع جنسه: كتب محمد بن على إلى محمد بن يحيى بن خالد، وكان واليا على أرمبنية للرشيد: إنّ قوما صاروا إلى سبيل النّصح فذكروا ضياعا بأرمينية قد عفت ودرست، يرجع منها إلى السلطان مال عظيم، وإنى وقفت عن المطالبة حتى أعرف رأيك.
فكتب إليه: قرأت هذه الرقعة المذمومة، وفهمتها، وسوق السعاية بحمد الله في أيامنا كاسدة، وألسنة السّعاة في أيامنا كليلة خاسئة؛ فإذا قرأت كتابى هذا فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما في ديوانك؛ فإنّا لم نولّك الناحية، لتتّبع الرسوم العافية، ولا لإحياء الأعلام الداثرة، وجنبنى وتجنّب بيت جرير يخاطب الفرزدق:
وكنت إذا حللت بدار قومرحلت بخزية وتركت عارا
وأجر أمورك على ما يكسب الدّعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدّة تنتهى، وأيام تنقضى، فإمّا ذكر جميل، وإما خزى طويل.
وقال رجل للمهدى: عندى نصيحة يا أمير المؤمنين، فقال: لمن نصيحتك هذه؟ لنا، أم لعامّة المسلمين، أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين، قال:
ليس الاعى بأعظم عورة ولا أقبح حالا ممن قبل سعايته، ولا تخلو من أن تكون حاسد نعمة، فلا نشفى غيظك، أو عدوّا فلا نعاقب لك عدوّك! ثم أقبل على الناس فقال: لا ينصح لنا ناصح إلا بما فيه لله رضا، وللمسلمين صلاح؛ فإنما لنا الأبدان وليس لنا القلوب؛ ومن استتر عنّا لم نكشفه، ومن بادانا طلبنا توبته، ومن أخطأ أقلنا عثرته؛ فإنى أرى التأديب بالصّفح أبلغ منه بالعقوبة، والسلامة مع العفو أكثر منها مع المعاجلة، والقلوب لا تبقى لوال لا ينعطف إذا استعطف، ولا يعفو إذا قدر، ولا يغفر إذا ظفر، ولا يرحم إذا استرحم.
ووقّع ذو الرياستين إلى تميم بن خزيمة: الأمور بتمامها، والأعمال بخواتمها، والصنائع باستدامتها، وإلى الغاية يجرى الجواد؛ فهناك كشفت الخبرة قناع الشّكّ؛ فحمد السابق، وذمّ الساقط وذو الرياستين هو القائل:
أنضيت أحرف «لا» مما لفظت بهافحوّلى رحلها عنّا إلى نعم
أو صيّريها إليها منك منعمةإن كنت حاولت فيها خفة الكلم
قستم علينا فعارضنا قياسكميا أحسن الناس من قرن إلى قدم
ولما قتل ذو الرياستين دخل المأمون على أمّه فقال: لا تجزعى فإنّى ابنك بعد ابنك. فقالت: أفلا أبكى على ابن أكسبنى ابنا مثلك؟
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع