من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
بعض ما جاء في وصف الليل
قال بعض الرواة: أنشدت أعرابيا قول جرير بن عطية بن الخطفى:
أبدّل الليل لا تسرى كواكبهأم طال حتى حسبت النجم حيرانا
فقال: هذا حسن في معناه، وأعوذ بالله من مثله؛ ولكنى أنشدك في ضدّه من قولى، وأنشدنى:
وليل لم يقصّره رقادوقصّر طوله وصل الحبيب
نعيم الحبّ أورق فيه حتّىتناولنا جناه من قريب
بمجلس لذّة لم نقو فيهعلى شكوى ولا عدّ الذّنوب
بخلنا أن نقطّعه بلفظفترجمت العيون عن القلوب
فقلت له: زدنى، فما رأيت أظرف منك شعرا؛ فقال: أمّا هذا الباب فحسبك، ولكن أنشدك من غيره:
وكنت إذا علقت حبال قومصحبتهم وشيمتى الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهموأجتنب الإساءة إن أساءوا
أشاء سوى مشيئتهم فآتىمشيئتهم وأترك ما أشاء
قال الأصمعى: قرأت على أبى محذر خلف بن حيّان الأحمر شعر جرير، فلما بلغت إلى قوله:
ويوم كإبهام القطاة محبّبإلىّ صباه غالب لى باطله
رزقنا به الصّيد العزيز ولم نكنكمن نبله محرومة وحبائله
فيالك يوم خيره قبل شرّهتغيّب واشيه وأقصر عاذله
فقال خلف: ويحه! فما ينفعه خير يؤول إلى شرّ؟ فقلت له: كذا قرأته على أبى عمرو بن العلاء، فقال لى: وكذا قال جرير، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلّا ما سمع، قلت: فكيف كان يجب أن يكون؟ قال: الأجود أن
يقول: خيره دون شرّه، فاروه كذلك، فقد كانت الرواة قديما تصلح أشعار الأوائل، فقلت: والله لا أرويه بعدها إلّا كذا.
ومن أجود ما قيل في قصر الليل قول إبراهيم بن العباس:
وليلة من الليالى الغرّقابلت فيها بدرها ببدرى
لم تك غير شفق وفجرحتى تقضّت وهي بكر الدّهر
وقال محمد بن أحمد الأصبهانى فيما يتعلق بهذا المعنى وإن كان في ذكر النهار:
كيف يرجى لمقلتىّ هدوّورقادى لطرف عينى عدوّ
بأبى من نعمت منه بيوملم يزل للسرور فيه نموّ
يوم لهو قد التقى طرفاهفكأنّ العشىّ فيه غدوّ
إذ لشخص الرقيب فيه ثناءولبدر السّماء منّى دنوّ
وقال ابن المعتز:
يا رب ليل سحر كلّهمفتضح البدر عليل النّسيم
تلتقط الأنفاس برد النّدىفيه فنهديه لحرّ الهموم
لا أعرف الإصباح لما بدافى ضوئه إلا بسكر النّديم
لبست فيه بالتذاذ الهوىولذة الرّاح ثياب النعيم
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع