تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من أخبار ابن أبى دواد

وكان ابن أبى دواد غاليا في التعصّب لإياد وإلحاقها بنزار، على مذهب نسّاب العدنانيين. قال: وكلّ من بالعراق من إياد دخلوا في النّخع، وإليهم ينسبون؛ ومن كان بالشام فملمّ على نسبهم في نزار، وابن أبى دواد يرمى بالدعوة؛ والتكثير من أخباره يخرج إلى ما أخافه من تطويل التصرّف، فى مملول التكلّف.

وكان ابن أبى دواد عالما بضروب العلم والأدب، متصرّفا في صناعة الجدال، على مذهب أهل الاعتزال، وكانت العداوة بينه وبين ابن الزيّات بيّنة، والنفاسة فى الرياسة بينهما متمكّنة، وقال له بعض الشعراء:

أكلّ أبى دواد من إيادفكلّ أبى ذؤيب من هذيل

قال مسلم: ما تاه إلّا وضيع، ولا فاخر إلا سقيط، ولا تعصّب إلّا دخيل.

وقال مدنى لرجل: ممن أنت؟ فقال: من قريش، والحمد لله، قال: بأبى أنت! التحميد هاهنا ريبة! واسم أبى دواد دعمىّ، قال أبو اليقظان: وهم من قبيلة يقال لها بنو زهرة إخوة بنى جدّان، وقد ذكره الطائى في قوله:

والغيث من زهر سحابة رأفةوالركن من شيبان طود حديد

ذكر شيبان، لأن خالد بن يزيد الشيبانى شفع له عند ابن أبى دواد فيما ينساق الحديث إليه من موجدته عليه.

قال محمود الوراق: كنت جالسا بطرف الجسر مع أصحاب لى، فمرّ بنا أبو تمام، فجلس إلينا، فقال له رجل منا: يا أبا تمّام، أىّ رجل أنت لو لم تكن من اليمن! قال: ما أحبّ أنّى بغير الموضع الذى اختاره الله لى، فممّن تحبّ أن

أكون؟ قال: من مضر، قال: إنما شرفت مضر بالنبىّ ﷺ، ولولا ذلك ما قيسوا بملوكنا وأذوائنا، وفينا كذا، ومنّا كذا- يفخر؛ وذكر أشياء عاب بها مضر، ونمي الخبر إلى ابن أبى دواد وزيد فيه، فقال: ما أحبّ أن يدخل علىّ، فقال يعتذر إليه بقصيدة أولها:

سعدت غربة النّوى بسعادفى طلوع الإتهام والإنجاد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»

يقول فيها:

بعد أن أصلت الوشاة سيوفاقطعت فىّ وهي غير حداد
فنفى عنك زخرف القول سمعلم يكن فرضه لغير السّداد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»
ضرب الحلم والوقار عليهدون عور الكلام بالأسداد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»
ملأتك الأحساب أىّ حياةوحيا أزمة وحيّة واد
عاتق معتق من الرقّ إلّامن مقاساة مغرم أو نجاد
للحمالات والحمائل فيهكلحوب الموارد الأعداد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»

فما رضى عنه حتى تشفّع إليه بخالد بن يزيد بن مزيد الشيبانى، فقال فى قصيدة:

أسرى طريدا للحياء من التىزعموا، وليس لقوله بطريد
كنت الربيع، أمامه ووراءهقمر القبائل خالد بن يزيد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
وغدا تببّن ما براءة ساحتىلو قد نفضت تهائمى ونجودى
لله درّك أىّ باب ملمّةلم يرم فيه إليك بالإقليد
لما أظلّتنى غمامك أصبحتتلك الشهود علىّ وهي شهودى
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
من بعد ما ظنّوا بأن سيكون لىيوم بزعمهم كيوم عبيد

يريد عبيد بن الأبرص الأسدى، وكان النعمان بن المنذر لقيه يوم بؤسه فقتله.

وكان ابن أبى داود كريما فصيحا جزلا. قال أبو العيناء: كنا عند ابن أبى دواد ومعنا محمود الورّاق وجماعة من أهل الأدب والعلم؛ فجاءه رسول إيتاخ فقال: إن الحاجب أبا منصور يقرأ على القاضى السلام، ويقول: القاضى يتعنّى ويجىء في الأوقات؛ وقد تفاقم الأمر بينه وبين كاتب أمير المؤمنين، يريد ابن الزيات، فصار يضرّنا عند قصده القاضى، وما أحبّ أن يتعنّى إلىّ لهذا السبب؛ إذ كنت لا أصل إلى مكافأته. فقال: أجيبوه عن رسالته، فلم ندر ما نقول، ونظر بعضنا إلى بعض، فقال: أما عندكم جواب! قلنا: القاضى- أعزّه الله، أعلم بجوابه منا، فقال للرسول: اقرأ ﵇، وقل له: ما أتيتك متكثّرا بك من قلّة، ولا معتزّزا بك من ذلّة، ولا طالبا منك رتبة، ولا شاكيا إليك كربة، ولكنك رجل ساعدك زمان، وحرّكك سلطان، ولا علم يؤلف، ولا أصل يعرف؛ فإن جئتك فبسلطانك، وإن تركتك فلنفسك! فعجبنا من جوابه.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.