من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من براعة خالد بن عبد الله القسرى
صعد خالد بن عبد الله القسرى المنبر يوم جمعة، فخطب وهو إذ ذاك أمير على مكة، فذكر الحجّاج فأحمد طاعته، وأثنى عليه خيرا، فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك يأمره فيه بشتم الحجّاج وذكر
عيوبه، وإظهار البراءة منه، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن إبليس كان ملكا من الملائكة، وكان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له بذلك فضلا، وكان الله تعالى قد علم من غشّه ما خفى عن الملائكة، فلما أراد الله فضيحته ابتلاه بالسجود لآدم؛ فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم فلعنوه؛ وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنّا نرى له بذلك فضلا، وكان الله ﷿ أطلع أمير المؤمنين من غلّه وخبثه على ما خفى عنا، فلما أراد الله فضيحته أجرى ذلك على يدى أمير المؤمنين، فالعنوه، لعنه الله.
ثم نزل.
وكان أبو تمام قد مدح الأفشين التركى، واسمه خيذر بن كاوس، وكان من أجلّ قوّاد المعتصم، وأبلى في أمر بابك الخرّمىّ بلاء حمده له؛ فلما سخط المعتصم عليه لما نسب إليه من سوء السيرة، وقبح السريرة، وأنه يخطب درجة بابك، ويريد التحصّن بموضع يخلع فيه يده عن الطاعة، وأظهر القاضى أحمد بن أبى دواد عليه أنه على غير الإسلام، قال أبو تمام معتذرا للمعتصم من تقديمه واجتبائه، ولنفسه من مدحه وإطرائه:
ما كان لولا فحش غدرة خيذرليكون في الإسلام عام فجار
هذا الرسول وكان صفوة ربّهمن خير باد في الأنام وقار
قد خصّ من أهل النفاق عصابةوهم أشدّ أذى من الكفّار
واختار من سعد لعين بنى أبىسرح لعمر الله غير خيار
حتى استضاء بشعلة السّور التىرفعت له سترا من الأستار
ثم ذكر في هذه القصيدة أن قتل الأفشين لبابك لم يكن بصدق بصيرة، ولا لصحة سريرة، فقال:
والهاشمون المستقلة ظعنهمعن كربلاء بأثقل الأوزار
فشفاهم المختار منه ولم يكنفى دينه المختار بالمختار
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع