تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

ويتعلق بهذه المقامة فصل في غرائب التكاتب

كتب حمدون بن نهران إلى عامل عزل عن عمله:

بلغنى أعزّك الله انصرافك عن عملك، ورجوعك إلى منزلك؛ فسررت بذلك، ولم أستفظعه وأجزع له؛ لعلمى بأنّ قدرك أجلّ وأعلى من أن يرفعك عمل تتولّاه، أو يضعك عزل عنه؛ وو الله لو لم تختر الانصراف وترد الاعتزال لكان في لطف تدبيرك، وثقوب رويّتك، وحسن تأتّيك، ما تزيل به السبب الداعى إلى عزلك، والباعث على صرفك؛ ونحن إلى أن نهنئك بهذه الحال أولى بنامن أن تعزّيك؛ إذ أردت الانصراف فأوتيته، وأحببت الاعتزال فأعطيته، فبارك الله لك في منقلبك، وهنّاك النعم بدوامها، ورزقك الشّكر الموجب لها الزائد فيها.

وكتب ابن مكرم إلى نصرانى أسلم:

أمّا بعد فالحمد لله الذى وفّقك لشكره، وعرّفك هدايته، وطهّر من الارتياب قلبك، وما زالت مخايلك ممّثلة لنا حقيقة ما وهب الله فيك، حتى كأنّك لم تزل بالإسلام موسوما، وإن كنت على غيره مقيما، وكنا مؤمّلين لما صرت إليه، مشفقين مما كنت عليه، حتى إذا كاد إشفاقنا أن يستعلى رجاءنا أنت السعادة بما لم تزل الأنفس تعدّ منك؛ فأسأل الله الذى أضاء لك سبيل رشدك أن يوفّقك لصالح العمل، وأن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ويقيك عذاب النار.

قال بعض الكتاب: من الحقّ ما يستحسن تركه، ويستهجن عمله، وقد يقع من ذلك فيما يحلّه الشرع، ويكرهه الأدباء؛ وكثير ممن يغلب على طبعه هذا المعنى يراه سموّ نفس، وعلوّ همة، حتى رأينا من لا يحضر تزويج

كريمته، ويولّى أمرها غير نفسه، ورأينا من يجاوز ذلك إلى ألّا ينكح مستنكحا، وزاد به العلوّ إلى ترك ما ذكره أولى؛ وكنا عرفنا حال إنسان تزوّجت أمه؛ فعظم لذلك همّه، وانفرد عن أودّائه، وتوارى عن أصفيائه؛ حياء من لقائهم، وكرها لتهنئتهم له أو عزائهم، واضطرّته الوحشة إلى قصد من ظنّ به منهم المسكة في تحامى خطابه فيما اجتنب لأجله خلّانه، وفارق بسببه إخوانه، وتخيّل ذلك المقصود أنه إنما لجأ إليه ليسلّيه؛ فأفاض معه فيما قدّر أنه قصد له من المعنى الذى جعله وحيدا خوف المفاوضة.

ثم مضت الأيام واختلف الحال، ورجع إلى العشرة وأبناء المودّة؛ فكان عنده من لم يخاطبه أحظى، وفي نفسه أوفى، وعلى قلبه أخفّ، وفي نفسه أشفّ، ونقم على ذلك الصديق وعتب؛ إذ لكلّ من الناس- إلا من طاب محتده وطال سؤدده- حال من الإلف والرغبة تحسّن المساوى، ثم حال من الملل والزّهادة تقبّح المحاسن؛ واعتذر المتكلّف من التسلية بما لم يلزمه، ولم يرده صفيّه، فإنه فعل ما أوجبته الأخوّة، وحقوق الخلطة، وأسباب العشرة، وانبساط المفاوضة؛ ودبّت عقارب الظنون والوشاية، إلى أن خرجا بالملاحاة إلى المعاداة؛ فلما وقع بعض الناس بينهما من معاودة الحسنى، ومراجعة الأولى؛ جاهر هذا الماقت بقرع سنّ الأسف على تخيّل النهى والوقار من الممقوت، وظاهر الممقوت بتقريع الماقت، بتزويج أمّه الذى تجشّم من كلامه فيه فضلا، وتكلّف من خطابه عليه ما من حسرة خلا؛ فأفضى الأمر بينهما إلى الأوتار، وطلب الثّار.

فإن اضطرّ إلى القول في هذا المعنى أحد بأمر قاهر من السلطان، أو حوادث الأزمان، أو تطارح الإخوان، فليقل وليكتب ما مثّلنا إن لم يجد منه بدّا: أنت- بفضل الله عليك وإحسان تبصيره إياك- من أهل الدّين، وخلوص اليقين، فكما لا تتّبع الشهوة فى محظور تبيحه، فكذا لا تتّبع الأنفة في مباح تحظره؛ وقد اتّصل بنا اختاره الله والقضاء لذات الحقّ عليك، المنسوبة- بعد نسبك إليها- إليك،

مما كرهه إباؤك الدّنيوى لك ولها، [ورضيه الحلال الدينى له ولها]، فنحن نعزّيك عن فائت محبوبك، ونهنّئك في الخيرة في اختيار القدر لك، ونسأل الله أن يجعلها أبدا معك فيما رضيت وكرهت، وأبيت وأتيت.

فهذا ونحوه أصوب وأسلم، إن اضطررت إليه، وتركه أحسن وأحزم، إن ملكت رأيك فيه؛ والتلطف للكتابة عما يستهجن ولا يستحسن التواجه به من أحسن الأشياء وأسدّها.

وكتب أبو الفضل بن العميد في بابه: الحمد لله الذى كشف عنا ستر الحيرة.

وهدانا لستر العورة، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ومنع من عضل الأمهات، كما منع من وأد البنات، استنزالا للنفوس الأبيّة، عن حميّة الجاهلية.

ثم عرّض للجزيل من الأجر من استسلم لمواقع قضائه؛ وعوّض جزيل الثواب لمن صبر على نازل بلائه؛ وهنّاك الله، الذى شرح للتقوى صدرك، ووسّع في البلوى صبرك، ما ألهمك من التسليم بمشيئته، والرضا بقضّيته، ووفّقك له من قضاء الواجب في أحد أبو يك، ومن عظم حقّه عليك؛ وجعل الله تعالى حدّه ما تجرّعته من أنف، وكظمته من أسف، معدودا يعظّم الله عليه أجرك، ويجزل به ذخرك؛ وقرن بالحاضر من امتعاضك لفعلها المنتظر من ارتماضك لدفنها، وعوّضك من أسرّة فرشها أعواد نعشها؛ وجعل ما ينعم به عليك من بعدها من نعمة معرّى من نقمة، وما يوليك بعد قبضها من منحة مبرأ من محنة.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.