من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
قولهم في الطول والقصر
وأنشد أحمد بن عبيد الله لشاعر قديم:
وعاذلة هبّت بليل تلومنىولم يغتمرنى قبل ذاك عذول
تقول: اتئد لا يدعك الناس مملقاوتزرى بمن يابن الكرام تعول
فقلت: أبت نفس علىّ كريمةوطارق ليل عند ذاك يقول
ألم تعلمى يا عمرك الله أننىكريم على حين الكرام قليل
وأنى لا أخزى إذا قيل مملقسخىّ، وأخزى أن يقال بخيل
فلا تتبعى النفس الغويّة وانظرىإلى عنصر الأحساب كيف بئول
ولا تذهبن عيناك في كل شرمحله قصب جوف العظام أسيل
عسى أن تمنّى عرسه أننى لهابه، حين يشتدّ الزمان، بديل
إذا كنت في القوم الطوال فطلتهمبعارفة حتى يقال طويل
ولا خير في حسن الجسوم وطولهاإذا لم تزن حسن الجسوم عقول
فكائن رأينا من فروع طويلةتموت إذا لم تحيهن أصول
فإلّا يكن جسمى طويلا فإننىله بالفعال الصالحات وصول
ولم أر كالمعروف: أمّا مذافهفحلو، وأمّا وجهه فجميل
وقال ابن الرومى:
ونصيف من الرجال نحيفراجح الوزن عند وزن الرجال
فى أناس أوتوا حلوم العصافيرفلم تغنهم جسوم البغال
أخذه من قول حسان بن ثابت، وقال له بنو الديان الحارثيون: قد كنّا ونحن نطول بأحسامنا على العرب حتى قلت:
دعوا التّخاجؤ وامشوا مشية سجحاإنّ الرجال ذوو قدّ وتذكير
لا بأس بالقوم من طول ومن عظمجسم البغال وأحلام العصافير
فتركتنا لا نرى أجسامنا شيئا والعرب تمدح الطول، وتثنى عليه، وقال عنترة بن شداد:
بطل كأنّ ثيابه في سرحةيحذى نعال السّبت ليس بتوأم
قوله «ليس بتوأم» يريد ليس ممن زوحم في الرّحم فضعف، كمال قال الشعبى، وقد دخل على عبد الملك بن مروان، فجعل ينظر إليه، وكان الشعبى قد ولد توأما مع أخيه، فكان نحيفا، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى زوحمت في الرحم، وقال:
ولما التقى الصفّان واختلف القنانهالا، وأسباب المنايا نهالها
تبيّن لى أن القماءة ذلةوأنّ أعزاء الرجال طوالها
وقال أبو نواس:
وكنا إذا ما الحائن الجدّ غرّهسنى برق غاد أو ضجيج رعاد
تردّى له الفضل بن يحيى بن خالدبماضى الظّبى يزهاه طول نجاد
أمام خميس أرجوان كأنهقميص محوك من قناد وجياد
ومن هذا البيت أخذ أبو الطيب المتنبى قوله:
وملمومة زرد ثوبهاولكنّه بالقنا مخمل
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع