من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
بعض أخبار كثير وعزّة
وكان كثيّر بن عبد الرحمن بن أبى جمعة الخزاعى- ويعرف بعزّة، على حدّة خاطره، وجودة شعره- أحمق الناس.
دخل عليه نفر من قريش وهو عليل يهزءون به، قال بعضهم: فقلت له:
كيف تجدك؟ قال: بخير، هل سمعتم الناس يقولون شيئا؟ فقلت: نعم، سمعتهم يقولون: إنك الدجال. فقال: والله لئن قلت ذلك إنى لأجد في عينى اليمنى ضعفا منذ أيام.
وكان رافضيّا يدين بالرّجعة، ويقول بإمامة محمد بن الحنفية، والروافض يزعمون أنه دخل في شعب باليمن في أربعين من أصحابه، ولا بدّ من ظهوره، وفي ذلك يقول:
ألا إنّ الأئمة من قريشولاة الحقّ أربعة سواء
علىّ والثّلاثة من بنيههم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّوسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتّىيقود الخيل يقدمها اللّواء
تغيّب لا يرى عنهم زمانابرضوى عنده عسل وماء
وكان خلفاء بنى أمية يعلمون ذلك منه، ويلبسونه عليه.
دخل يوما على عبد الملك بن مروان فقال: نشدتك بحقّ على بن أبى طالب، هل رأيت أعشق منك؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو سألتنى بحقّك لأخبرتك، نعم، بينا أنا أسير في بعض الفلوات إذا أنا برجل قد نصب حبائله، فقلت له:
ما أجلسك هاهنا؟ قال: أهلكنى وأهلى الجوع، فنصبت حبائلى لأصيب لهم ولنفسى ما يكفينا سحابة يومنا، قلت: أرأيت إن أقمت معك فأصبنا صيدا، أتجعل لى منه جزءا؟ قال: نعم، فبينما نحن كذلك إذ وقعت ظبية، فخرجنا مبتدرين، فأسرع إليها فحلّها وأطلقها؛ فقلت: ما حملك على هذا؟ قال:
دخلتنى لها رقّة لشبهها بليلى، وأنشأ يقول:
أيا شبه ليلى لا تراعى فإنّنىلك اليوم من وحشيّة لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثاقهالأنت- لليلى- ما حييت طليق
وروى الكلبى وابن دأب أنه لمّا حلّها قال:
اذهبى في كلاءة الرّحمنأنت منى في ذمّة وأمان
لا تخافى بأن تهاجى بسوءما تغنّى الحمام في الأغصان
ترهبينى والجيد منك لليلىوالحشا والبغام والعينان؟
وقال قيس بن الملوّح:
راحوا يصيدون الظّباء وإننىلأرى تصيّدها علىّ حراما
أشبهن منك محاجرا وسوالفافأرى علىّ لها بذاك ذماما
أعزز علىّ بأن أروع شبيههاأو أن يذقن على يدىّ حماما
ومن جيد شعر كثيّر:
وكانت لقطع الحبل بينى وبينهاكناذرة نذرا فأوفت وحلّت
فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبةإذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
ولم يلق إنسان من الحبّ ميعهتعمّ ولا غمّاء إلّا تجلّت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلهاوحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت
هنيئا مريئا غير داء مخامرلعزّة من أعراضنا ما استحلّت
أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومةلدينا ولا مقليّة إن تقلّت
وو الله ما قاربت إلا تباعدتبهجر، ولا استكثرت إلّا أقلت
وما مرّ من يوم علىّ كيومهاوإن عظمت أيام أخرى وجلت
فيا عجبا للقلب كيف اعترافهوللنفس لما وطّنت كيف ذلّت
وإنّى وتهيامى بعزّة بعد ماتخلّيت مما بيننا وتخلّت
لكالمرتجى ظلّ الغمامة، كلّماتبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
وكان كثير قصيرا دميما، ولذلك قال:
فإن أك معروق العظام فإننىإذا ما وزنت القوم وازن
ودخل كثير على عبد الملك بن مروان في أول خلافته، فقال: أنت كثيّر؟
فقال: نعم، فاقتحمه، وقال: تسمع بالمعيدىّ لا أن تراه ! فقال:
يا أمير المؤمنين، كلّ إنسان عند محله رحب الفناء، شامخ البناء، عالى السّناء، وأنشد يقول:
ترى الرجل النحيف فتزدريهوفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطّرير إذا تراهفيخلف ظنّك الرجل الطرير
بغاث الطير أطولها رقاباولم تطل البزاة ولا الصقور
خشاش الطير أكثرها فراخاوأمّ الباز مقلاة نزور
ضعاف الأسد أكثرها زئيراوأصرمها اللّواتى لا تزير
وقد عظم البعير بغير لبّفلم يستغن بالعظم البعير
ينوّخ ثم يضرب بالهراوىفلا عرف لديه ولا نكير
يقوّده الصبىّ بكلّ أرضويصرعه على الجنب الصغير
فما عظم الرجال لهم بزينولكن زينهم حسب وخير
فقال: قاتله الله! ما أطول لسانه، وأمد عنانه، وأوسع جنانه؛ إنى لأحسبه كما وصف نفسه.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع