من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
شذور لأهل الصر في معان شتّى
قطعة من كلام الأمير قابوس بن وشمكير شمس المعالى في أثناء رسائله:
بزند الشفيع تورى نار النجاح، ومن كف المفيض ينتظر فوز القداح،
الوسائل أقدام ذوى الحاجات، والشفاعات مفاتيح الطّلبات العفو عن المجرم من موجبات الكرم، وقبول المعذرة من محاسن الشّيم. وبالقوادم والخوافى قوّة النجاح، وبالأسنة والعوالى عمل الرماح. الدنيا دار تغرير وخداع، وملتقى ساعة لوداع، والناس متصرّفون بين كل ورد وصدر، وصائرون خبرا بعد أثر. غاية كل متحرّك إلى سكون، ونهاية كل متكون ألّا يكون، وآخر الأحياء فناء، والجزع على الأموات عناء، وإذا كان ذلك كذلك، فلم التهالك على الهالك؟. حشو الدهر أحزان وهموم، وصفوه من غير كدر معدوم. إذا سمح الدهر بالحباء، فأبشر بوشك الانقضاء، وإذا أعار، فأحسبه قد أغار. الدهر طعمان حلو ومرّ، والأيام ضربان عسر ويسر. لكل شىء غاية ومنتهى، وانقطاع وإن بلغ المدى. ترك الجواب، داعية الارتياب، والحاجة إلى الاقتضاء، كسوف في وجه الرجاء. همّ المنتظر للجواب ثقيل، والمدى فيه وإن كان قصيرا طويل.
النجيب إذا جرى لم يشقّ غباره، وإذا سرى لم تلحق آثاره. ومن أين للضباب صوب السحاب، وللغراب هوىّ العقاب، وهيهات أن تكتسب الأرض لطافة الهواء، ويصير البدر كالشمس في الضياء.
وقد ترجم عن شمس المعالى أبو منصور الثعالبى في كتاب ألّفه له؛ قال في أوله: أمّا على أثر حمد الله الذى هو أوّل كتابه، وآخر دعوى ساكنى دار ثوابه، والصلاة على خيرته من بريّته، وعلى الصّفوة من ذرّيته، فإنّ خير الكلام ما شغل بخدمة من جمع الله له عزّة الملك إلى بسطة العلم، ونور الحكمة إلى نفوذ الحكم، وجعله مميّزا على ملوك العصر، ومدبّرى الأرض وولاة الأمر، بخصائص من العدل، وجلائل من الفضل، ودقائق من الكرم المحض، لا يدخل أيسرها تحت العادات، ولا يدرك أقلّها بالعبارات؛ ومحاسن [سير] الأنام، تحرسها أسنّة الأقلام، وتدرسها ألسنة الليالى والأيام، وهذه صفة تغنى
عن تشبيه الموصوف لاختصاصه بمعناها، واستحقاقه إياها، واستئثاره على جميع الملوك بها، ولعلم سامعها ببديهة السّماع أنها للأمير، شمس المعالى، خالصة، وعليه مقصورة، وبه لائقة، وعن غيره نافرة؛ إذ هو- بمعاينة الآثار، وشهادة الأخيار، وإجماع الأولياء، واتفاق الأعداء- كافل المجد، وكافى الخلق، وواحد الدهر، وغرّة الدنيا، ومفزع الورى، وحسنة العالم، ونكتة الفلك الدائر؛ فبلّغه الله أقصى نهاية العمر، كما بلّغه أقصى غاية الفخر؛ وملكه أزمّة الأمر، كلما ملّكه أعنّة الفضل؛ وأدام حسن النظر للعباد والبلاد، بإدامة أيامه التي هي أعياد الدّهر، ومواسم اليمن والأمن، ومطالع الخير والسّعد، وزاد دولته شبابا
ونموّا، كما زاده في الشرف علوّاحتى تكون السعادات وفد بابه، والبشائر
قرى سمعه، والمسارّ غذاء نفسه، ويترامى به الإقبال إلى حيث لا يبلغه أمل، ولا يقطعه أجل.
نحافى قوله «وهذه صفة تغنى عن الموصوف» إلى قول أبى الطيب يرنى أخت سيف الدولة:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أبكناية بهما عن أشرف النّسب
أجلّ قدرك أن تسمى مؤثّثةومن دعاك فقد سمّاك للعرب
وفي شمس المعالى يقول الأمير أبو الفضل الميكالى:
لا تعصين شمس العلا قابوسافمن عصى قابوس لاقى بوسا
وله يقول بديع الزمان في قصيدة نظمها في تضاعيف رسالة موشحة:
إنّ من كنت من مناه بمرأىوتعدّاك سيّىء الاقتراح
بين بشر يردّ غائض جاهىوقبول يعيد ريش جناحى
وبساط وردت مشرعة الأنس به وادّرعت برد النجاح
فاقض أو طارا التقت والمعالىفى نظام من النّهى وتصاح
ملك دونه تقطّع أبصار الليالى يوما ندى وكفاح
ملك لو يشاء مدّ على النّجم رواقا وردّ وفد الرّياح
تارة في خشونة الدّهر تلقاهـ وطورا في حسن ذات الوشاح
ملك كلّما بدا نقف الأفلاك عجبا به وفرط ارتياح
هكذا هكذا تكون المعالىطرق الجدّ غير طرق المزاح
وهي طويلة، كتبتها على طريق الاختيار.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع