من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من رسائل بديع الزمان
رقعة لبديع الزمان إلى شمس المعالى، وقد ورد حضرته:
لم تزل الآمال- أطال الله بقاء الأمير السيد شمس المعالى، وأدام سلطانه- تعدنى هذا اليوم، والأيام تمطلنى بألسنة صروفها، على اختلاف صنوفها، بين حلو استرقّنى، ومرّ استخفّنى، وشر صار إلىّ، وخير صرت إليه، وأنا في خلال هذه الأحوال أذرع الآفاق فأكون طورا مشرقا للمشرق الأقصى، وطورا مغربا للمغرب، ولا مطمح إلّا حضرته الرفيعة، وسدّته المريعة، ولا وسيلة إلا المنزع الشّاسع، والأمل الواسع؛ وقد صرت- أطال الله بقاء الأمير مولانا- بين أنياب النوائب، وتجشّمت هول الموارد، وركبت أكتاف المكاره، ورضعت أخلاف العوائق، ومسحت أطراف المراحل، حتى حضرت الحضرة البهيّة أو كدت، وبلغت الأمنية أو زدت، وللأمير السيد في الإصغاء إلى المجد، والبسط من عنان الفضل، بتمكين خادمه من المجلس يلقاه بقدمه، والبساط يلثمه بفمه، تفضّله، فله الرأى العالى إن شاء الله.
وله إلى بعض الرؤساء وقد وعد بحضور مجلسه بالغداة وأمره أن يزفّ إليه ما أنشأه، فبعث به وكتب إليه:
مرحبا بسلام الشيخ سيّدى ومولاى أطال الله بقاه، ولا كالمرحب
بطلعته؛ وقد وصلت تحيّته فشكرتها، وعدته الجميلة بالحضور غدا فانتظرتها؛ ودعوت الله أن يطوى ساعات النهار، ويزجّ الشمس في المغار، ويقرّب مسافة الفلك الدّوّار، ويرفع البركة من سيره، ويجهز الحركة إلى دوره؛ ويسرّنى بوفد الظلام وقد نزل، ثم لم يلبث إلّا ريثما رحل؛ وقد بعثت بما طلب سمعا لأمره وطاعة، والنسخة أسقم من أجفان الغضبان، والشيخ سيدى- أدام الله عزّه- يركض قلمه في إصلاحها، وحبّذا هو في غد، وقد طلع كالصبح إذا سطع، والبرق إذا لمع:
يا مرحبا بغد ويا أهلا بهإن كان إلمام الأحبّة في غد
وله إلى أبى الطيب سهل بن محمد يسأله أن يصله بأبى إبراهيم إسماعيل بن أحمد:
لو كان للكرم عن جناب الشيخ منصرف لانصرفت، أو للأمل منحرف إلى سواه لا نحرفت، أو للنّجح باب سواه لولجت، أو للفضل خاطب غيره لزوّجت، ولكن أبى الله أن يعقد إلا عليه الخنصر، أو يتحلّى إلا بفواضله الدهر، ولا يزال كذا يتّسم المجد بسمته، ويجذب العلاء بهمّته، ويسعد الدين بنظره، والدنيا بجماله، وغلامه أنا لو استعار الدّهر لسانا، واتّخذ الريح ترجمانا، ليشيع إنعامه حق الإشاعة، لقصرت به يد الاستطاعة، فليس إلا أن يلبس مكارمه صافية سابغة، ويرد مشارعه صافية سائغة، ويحيل الجزاء على يد قصور، والشكر على لسان قصير؛ ثم إنّ حاجاتى، إذا لم يعر من قلائد المجد نحرها، ولم يعطل من حلى المجد صدرها، كبر مهرها، وعزّ كفؤها، ولم أجد لها إلا واحدا أخضر الجلدة فى بيت العرب، أو ماجدا يملأ الدّلو إلى عقد الكرب. وهذه حاجة أنا أزفّها إلى الشيخ الإمام حرص الله مهجته، وأسوقها منظومة من الصّدر إلى العجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز؛ وأنا من مفتتح اليوم إلى مختتمه، ومن
قرن النهار إلى قدمه، قاعد كالكركىّ، أو الديك الهندى، فى هذا الأدحىّ، يمرّ بى أولو الحلى والحلل، ويجتاز ذوو الخيل والخول، وما أنا والنّظر إلى مالا يلينى، والسؤال عما لا يعنينى، واليوم، لما افتضضنا عذرة الصباح، ملأت جفونى من منظر ما أحوجه إلى عيب يصرف عين كماله، عن جماله، فقلت لمن حضر: من هذا؟ فأخذوا يحرّكون الرءوس استظرافا لحالى، ويتغامزون تعجّبا من سؤالى، وقالوا: هذا الشيخ الفاضل أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد، فقلت:
حرس الله مهجته، وأدام غبطته؛ فكيف الوصول إلى خدمته، وأنّى مأتى معرفته؟ قالوا: إن الشيخ الإمام- أدام الله تأييده- يضرب في مودّته بالقدح المعلّى، ويأخذ في معرفته بالحظّ الاعلى، فإن رأى الشيخ- أطال الله بقاه- أن تجعل عنايته حرف الصلة، وتفضّله لام المعرفة، فعل، إن شاء الله.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع