تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

ولاية طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان، وسببها

وكان سبب ولاية طاهر خراسان بعد أبيه ما حدّث به أبو العيناء قال:

كنا عند أحمد بن دواد، فجاء الخبر أن الكتب وردت على الواثق من خراسان بوفاة عبد الله بن طاهر، وأن الواثق يعزّى عنه، وأنه قد ولّى مكانه خراسان إسحاق ابن إبراهيم، وكان عدوّا له لا نخراطه في سلك ابن الزيات؛ فلبس ثيابه ومضى، وقال: لا تبرحوا حتى أعود إليكم؛ فلبث قليلا، ثم عاد إلينا فحدّثنا أنه دخل على الواثق فعزّاه عن عبد الله وجلس، قال: فقال لى الواثق: قد ولّينا إسحاق خراسان، فما عندك؟ قلت: وفق الله أمير المؤمنين ولا نذمّه. قال: قل ما عندك فى هذا. قلت: أمر قد أمضى، فما عسيت أن أقول فيه. قال: لتفعلنّ. فقلت:

يا أمير المؤمنين، خراسان منذ ثلاثين سنة فى يد طاهر وابنه، وكلّ من بها صنائعهم، وقد خلّف عبد الله عشر بنين أكثرهم رجال، وجميع جيش خراسان

لهم عبيد أو موال أو صنائع، وسيقولون: أما كان فينا مصطنع؟ وكان يجب أن يجرّبنا أمير المؤمنين، فإن وفينا بما كان يفى به أبونا وجدّنا، وإلّا استبدل منا بعد عذر فينا؛ ويقدم خراسان إسحاق وهو رجل غريب فينافسه هؤلاء، ويتعصّب أهلها لهم؛ فينتقض ما أبرم، ويفسد ما أصلح قال: صدقت يا أبا عبد الله، والرأى ما قلت، اكتبوا بعهد طاهر بن عبد الله على خراسان. فكتبت كتب طاهر، وخرقت كتب إسحاق، فخرجت الزنج تطير بها، ثم لقينى إسحاق داخلا، فقلت: يا أبا الحسن، لا عدمت عداوة رجل أزال عنك ولاية خراسان بكلمة.

ومدح ابن الرومى أبا العباس بن ثوابة، فعارضه أخوه أبو الحسن بقصيدة يمدح أخاه بها، فقال ابن الرومى:

أليس القوافى بنات الفتىإذا صورة الحقّ لم تمسخ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا قل لسيدنا قل له»
فلا تقبلنّ أماديحهحرام نكاح بنات الأخ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا قل لسيدنا قل له»

ولما أنشد أبو تمام قصيدته في المعتصم:

السيف أصدق أنباء من الكتب

قال له: لقد جلوت عروسك يا أبا تمام فأحسنت جلاءها. قال: يا أمير المؤمنين، والله لو كانت من الحور العين لكان حسن إصغائك إليها من أوفى مهورها.

وقال الأمير أبو الفضل الميكالى:

أقول لشادن في الحسن أضحىيصيد بلحظه قلب الكمىّ
ملكت الحسن أجمع في قوامفأدّ زكاة منظرك البهىّ
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أقول لشادن في الحسن فرد»
وذلك أن تجود لمستهامبريق من مقبّلك الشّهىّ
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أقول لشادن في الحسن فرد»
فقال: أبو حنيفة لى إمامفعندى لا زكاة على الصّبىّ
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أقول لشادن في الحسن فرد»

وربما أنشد هذه الأبيات على قافية أخرى فقال:

أقول لشادن في الحسن فرديصيد بلحظه قلب الجليد
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أقول لشادن في الحسن فرد»
ملكت الحسن أجمع في قوامفلا تمنع وجوبا عن وجود
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أقول لشادن في الحسن فرد»
وذلك أن تجود لمستهامبرشف رضابك العذب البرود
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أقول لشادن في الحسن فرد»
فقال: أبو حنيفة لى إمامفعندى لا زكاة على الوليد
للشاعر الميكالي، من قصيدة «أقول لشادن في الحسن فرد»

وقال:

بنفسى غزال صار للحسن قبلةيحجّ من البيت العتيق ويقصد
دعانى الهوى فيه فلبّيت طائعاوأحرمت بالإخلاص والسّعى يشهد
للشاعر الميكالي، من قصيدة «بنفسي غزال صار للحسن كعبة»
فطرفى بالتسهيد والدّمع قارنوقلبى عليه بالصبابة مفرد

وقال أبو الفتح كشاجم:

فديت زائرة في العيد واصلةوالهجر في غفلة من ذلك الخبر
للشاعر كشاجم، من قصيدة «فديتِ زائرة ً في العيدِ واصلة ً»
فلم يزل خدّها ركنا أطوف بهوالخل في خدّها يغنى عن الحجر

وينضاف إلى هذا النظم قطعة من رسالة طويلة كتبها بديع الزمان إلى أبى نصر بن المرزبان:

كتابى أطال الله بقاء الشيخ وأنا سالم، والحمد لله رب العالمين، كيف تقلّب الشيخ في درع العافية، وأحواله بتلك الناحية؛ فإنى ببعده منغّص شرعة العيش، مقصوص أجنحة الأنس. ورد كتابه المشتمل من خبر سلامته، على ما أرغب إلى الله في إدامته، وسكنت إليه بعد انزعاجى لتأخّره؛ وقد كان رسم أن أعرّفه سبب خروجى من جرجان، ووقوعى بخراسان، وسبب غضب السلطان؛ وقد كانت القصة أنى لما وردت من ذلك السلطان حضرته، التى هي كعبة المحتاج، لا كعبة الحجّاج، ومستقرّ الكرم، لا مشعر الحرم، وقبلة الصّلات، لا قبلة الصلاة، ومنى الضّيف، لا منى الخيف، وجدت بها ندماء من نبات العام، اجتمعوا

قيضة كلب على تلفيق خطب، أزعجنى عن ذلك الفناء، وأشرف بى على الفناء، لولا ما تدارك الله بجميل صنعه، وحسن دفعه؛ ولا أعلم كيف احتالوا، ولا ما الّذى قالوا؛ وبالجملة غيّروا رأى السلطان، وأشار علىّ إخوانى، بمفارقه مكانى، وبقيت لا أعلم أيمنة أضرب أم شآمة، ونجدا أقصد أم تهامة!

ولو كنت في سلمى أجا وشعابهالكان لحجّاج علىّ دليل

وقد علم الشيخ أن ذلك السلطان سماء إذا تغيّم لم يرج صحوه، وماء إذا تغيّر لم يشرب صفوه، وملك إذا سخط لم ينتظر عفوه، وليس بين رضاه والسخط عوجة، كما ليس بين غضبه والسيف فرجة، وليس من وراء سخطه مجاز، كما ليس بين الحياة والموت معه حجاز؛ فهو سيّد يغضبه الجرم الخفىّ، ولا يرضيه العذر الجلى؛ وتكفيه الجناية وهي إرجاف، ثم لا تشفيه العقوبة وهي إجحاف، حتى إنه ليرى الذنب وهو أضيق من ظل الرمح، ويعمى عن العذر وهو أبين من عمود الصّبح؛ وهو ذو أذنين يسمع بهذه القول وهو بهتان، ويحجب عن هذه العذر وله برهان؛ وذو يدين يبسط إحداهما إلى السفك والسفح، ويقبض الأخرى عن العفو والصفح؛ ودو عينين يفتح إحداهما إلى الجرم، ويغمض الأخرى عن الحلم، فمزحه بين القدّ والقطع، وجده بين السيف والنّطع، ومراده بين الظهور والكمون، وأمره بين الكاف والنون؛ ثم لا يعرف من العقاب، غير ضرب الرقاب، ولا يهتدى من التأنيب إلا لإزالة النعم، ولا يعلم من التأديب غير إراقة الدم، ولا يحتمل الهنة على حجم الذرة، ودقة الشعرة، ولا يحلم عن الهفوة، كوزن الهبوة، ولا يغضى عن السقطة، كجرم النقطة؛ ثم إن النقم بين لفظه وقلمه، والأرض تحت يده وقدمه، لا يلقاه الولى إلا بفمه، ولا العدو إلا بدمه؛ والأرواح بين حبسه وإطلاقه، كما أنّ الأجسام بين حله ووثاقه؛ فنظرت فإذا أنا بين

جودين: إما أن أجود ببأسى، وإمّا أن أجود برأسى؛ وبين ركوبين: إمّا المفازة، وإمّا الجنازة؛ وبين طريقين: إما الغربة، وإمّا التربة؛ وبين فراقين: إمّا أن أفارق أرضى، أو أفارق عرضى؛ وبين راحلتين: إمّا ظهور الجمال، وإمّا أعناق الرجال؛ فاخترت السماح بالوطن، على السماح بالبدن؛ وأنشدت:

إذا لم يكن إلّا المنية مركبفلا رأى للمحمول إلا ركوبها

ولّد ما ذكر من «كعبة [المحتاج، لا كعبة] الحجّاج»، من قول أبى تمام:

بيتان حجّههما الأنام؛ فهذهحجّ الغنىّ، وتلكم للمعدم

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.