تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب حسن الخاتمة

يجب على الشاعر والناثر أن يختما كلامهما بأحسن خاتمة، فإنها آخر ما يبقى في الأسماع، ولأنها ربما حفظت من دون سائر الكلام في غالب الأحوال فيجب أن يجتهد في رشاقتها ونضجها وحلاوتها وجزالتها، وقد رأيت القاضي الفاضل عبد الرحيم رحمه الله تعالى كثيراً ما كان يحترز في ذلك ويتوخاه، فيأتي منه بكل نكتة ترقص لها القلوب، وتغنى عن النسيب في المحبوب، فمن ذلك خاتمة كتاب أجاب به القاضي السعيد بن سناء الملك ﵀ حيث قال: وهذا القاضي مسؤول في أن يتخولنا ببدائعه ويؤمننا دثور الفكر بروائعه، ولا يضن علينا بما هو سهل عليه من منافعه وإلا دخل فيمن منع الماعون، وخرج من الذين هم لأمانات الفضيلة وعهدها راعون.

وقوله في خاتمة رسالة كتبها للملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى في حق أولاد ابن أبي اليسر، وقد قصدوه بعد موت أبيهم، فخلع عليهم، فأعلموا الفاضل بذلك، وسألوه كتاباً إليه على يدهم بالوصية

عليهم، والإذن لهم في تقبيل يده، فقال في آخره، وإن يبسط لهم وجهه الكريم عند مثولهم وسلامهم، لينزع بشره حداد الحزن عن قلوبهم كما نزع بره حداد المآتم عن أجسامهم؟ لا زال مولانا عاقلة الدهران جنى على أوليائه وداهم ولا عدموه منعماً إن سألوه أعطاهم، وإن لم يسألوه بدأهم، والمتقدم في جميع فنون البلاغة، وخصوصاً هذا النوع منها على بلغاء البدو والحضر، بل على جميع فصحاء البشر، حاشا رسول الله ﷺ، ابن عمه علي بن أبي طالب ﵇، فمن خواتم كلامه قوله في آخر جواب أجاب به معاوية: ثم ذكرت أن ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار، متى ألفيت بني عبد المطلب من الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوفين، لبث قليلاً يلحق الهيجا حمل فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وإني مرقل نحوك بجحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، عرفت مواقع نضالها في أخيك وخالك وجدك، " وما هي من الظالمين ببعيد ".

وأما حسن الخاتمة في الشعر فقليل في أشعار المتقدمين، وأكثر ما عني بذلك المحدثون، فمن المجيدين في ذلك أبو نواس، حيث قال في خاتمة قصيدة مدح بها الأمين كامل:

فبقيت للعلم الذي تهدى بهوتقاعست عن يومك الأيام

وكقوله في خاتمة قصيدة مدح بها الخصيب عامل مصر كامل:

أنت الخصيب وهذه مصرفتدفقا فكلاكما بحر
للشاعر ولادة بنت المستكفي، من قصيدة «أنتَ الخصيبُ وهذه مصر»
لا تعقدا بي عن مدى أمليشيئاً فما لكما به عذر
ويحق لي إذ صرت بينكماألا يحل بساحتي فقر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا منة إمتنها السكر»

وكقوله فيه طويل:

وإني جدير إذ بلغتك بالغنىوأنت بما أملت منك جدير
فإن تولني منك الجميل فأهلهوإلا فإني عاذر وشكور
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»

وكقوله للعباس بن الفضل بن الربيع طويل:

إليك غدت بي حاجة لم أبح بهاأخاف عليها شامتاً فأدراي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ديار نوار ما ديار نوار»
فأرخ عليها ستر معروفك الذيسترت به قدماً على عواري
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ديار نوار ما ديار نوار»

وكقول أبي تمام في خاتمة القصيدة التي ذكر فيها فتح عمورية بسيط

إن كان بين ليالي الدهر من رحمموصولة وذمام غير منقضب
فبين أيامك اللاتي نصرت بهاوبين أيام بدر أقرب النسب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهمصفر الوجوه وجلت أوجه العرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وكقوله في خاتمة قصيدة اعتذر بها إلى ابن الهيثم كامل:

أأقنع المعروف وهو كأنهقمر الدجى إني إذا للئيم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»
مثر من المال الذي ملكتنيأعناقه ومن الوفاء عديم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»
فأروح في بردين لم يلبسهماقبلي فتى وهما الغنى واللوم

وكقوله في قصيدة استعطف بها ابن الزيات طويل:

أكابرنا عطفاً علينا فإننابنا ظمأ برح وأنتم مناهل
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

وكقوله في خاتمة قصدية اعتذر فيها إلى موسى بن إبراهيم الرافقي طويل:

فإن يك ذنب عن أوتك هفوةعلى خطاء مني فعذري على عمد

وكقوله في خاتمة قصيدة مخاطباً مالك بن طوق بسيط

لا توقظوا الشر عن قوم فقد غنيتدياركم وهي تدعي زهرة النعم
هذا ابن خالكم يهدي نصيحتهمن يتهم فهو فيكم غير متهم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سلم على الربع من سلمى بذي سلم»

وكقول أبي الطيب المتنبي في خاتمة قصيدة من السيفيات وافر:

فلا حطت لك الهيجاء سرجاًولا ذاقت لك الدنيا فراقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

وكقوله في خاتمة أخرى من السيفيات بسيط

لا زلت تضرب من عاداك عن عرضيعاجل النصر في مستأخر الأجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

وكقوله أيضاً لسيف الدولة وقد ذكر الخيل بسيط

فلا هممت بها إلا على ظفرولا وصلت بها إلا إلى أمل

وكقوله فيه أيضاً طويل:

أخذت على الأرواح كل ثنيةمن العيش تعطي من تشاء وتحرم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
فلا موت إلا من سنانك يتقىولا رزق إلا من يمينك يقسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

وكقوله في خاتمة القصيدة التي هنأ بها أبا وائل بخلاصه من الأسر متقارب:

فذي الدار أغدر من مومسوأخدع من كفة الحابل
تفانى الرجال على حبهاولا يحصلون على طائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

وقوله في خاتمة قصيدة ودع بها ابن العميد طويل:

فجد لي بقلب إن رحلت فإننيأخلف قلبي عند من فضله عندي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
فلو فارقت جسمي إليك حياتهلقلت أصابت غير مذمومة العهد

وجميع خواتم السور الفرقانية في غاية الحسن ونهاية الكمال، لأنها بين أدعية ووصايا وفرائض، وتحميد وتهليل، إلى غير ذلك من الخواتم التي لا يبقى في النفوس بعدها تطلع ولا تشوف إلى ما يقال، كالدعاء الذي ختمت به سورة البقرة، والوصايا التي ختمت بها آل عمران، والفرائض التي ختمت بها النساء، والتبجيل والتعظيم الذي ختمت بهما المائدة، والوعد والوعيد الذي ختمت بهما، الأنعام، والتحريض على العبادة بوصف حال

الملائكة التي ختمت به الأعراف، والحض على الجهاد وصلة الأرحام اللذين ختمت بهما الأنفال، ووصف الرسول ﷺ ومدحه والاعتداد على الأمم به، ووسيلته ووصيته، والتهليل، الذي ختمت به براءة وتسليته ﵇ التي ختمت بها سورة يونس، ومثلها خاتمة هود، ووصف القرآن ومدحه الذي ختمت بها سورة يونس، ومثلها خاتمة هود، ووصف القرآن ومدحه الذي ختمت به يوسف، والرد على من كذب الرسول ﷺ الذي ختمت به الرعد، ومدح القرآن وذكر فائدته والعلة في إنزاله الذي ختمت به إبراهيم، ووصية الرسول التي ختمت بها الحجر، وتسلية الرسول ﵇ وطمأنينته ووعد الله سبحانه الذي ختمت به النحل، والتحميد الذي ختمت به سبحان وتحضيض الرسول ﷺ على الإبلاغ والإقرار بالبشرية والأمر بالتوحيد الذي ختمت به الكهف، وقد أتيت على نصف القرآن ليكون مثالاً لمن نظر في بقيته ولم أطل بالبقية لكثرة سور النصف الأخير والله أعلم.

هذا آخر الأبواب التي استنبطها، وهي ثلاثون باباً، وبها تكملت عدة أبواب الكتاب مائة وواحد وعشرون باباً سليمة من التداخل والتوارد، بعد ما حذفت من أبواب ليس فيها للمتقدمين سوى الأسماء ومسمياتها

متداخلة في غيرها، ومن أأنعم النظر في الكتب التي نظرت فيها ودقق الفكر في كتابي، وقع على صحة ما ذكرت، فرحم الله من نظر فيه، وسد ما يجده من الخلل، واغتفر ما يقع عليه من السهو الزلل، وعمل بقولي سريع:

ما أحسن الإغضاء من منصفيعلم أن الكامل الله
إن أبصرت عيناك عيباً فجدبفضل عفوٍ عند رؤياه

قال صاحب الكتاب: كنت قد سودت من هذا الكتاب نسخة قبل هذا النسخة مختصرة جداً حسبما ما رسم لي من ألفته له، ورسم أن يبيضها الفاضل ضياء الدين موسى بن ملهم الكاتب، وفقه الله تعالى، فلما بيضها تفضل وكتب في آخرها بسيط

هذا كتاب بديع ما رأى أحدمثلاً له في مبانيه ومعناه
حوى تصانيف هذا العلم أجمعهاوزادنا جملاً عما سمعناه
لا تعجبوا من لطيف الحجم قام به؟ذا الفن أجمع أقصاه وأدناه
فقد رأيتم عصا موسى كم التقفتولم يزيد قدرها عما عهدناه

لقد عجبت من غفلة السابقين إلى هذا العلم عما اهتدى إليه هذا المصنف، وكيف مروا معرضين عما استخرج من درر هذا المؤلف، وصفوا صورة جواد وتركوا وصف سبق، وشببوا بظبي وأضربوا عن حسن عينيه وعنقه، واشتغلوا عن حمد الغيث، وشكر ودقه، بالإطناب في تشبيه رعده وبرقه، فذكر ما نسوه، وكمل ما نقصوه لا جرم أنه سبق أولهم، وأصبح أفضلهم وكل هذا بسعادة من صنف لأجله كتابه، وقصد به بابه وجنابه، فإن سعادته ترد الآجن عذباً، واليابس رطباً، وتنشر موتى الإملاق قبل المعاد، وتغير

اسمي شر وظلوم بسعدي وسعاد، وهمته تنظر من أعلى العلو إلى الشمس، وقدرته تكاد ترد الماضي وتصير اليوم أمس، لا زال بابه مقصوداً، وقاصده محسوداً، والقدر من أعوانه معدوداً، وإن كان القدر بهذا القدر مسعوداً.

تم الكتاب بحمد الله تعالى وحسن توفيقه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.