تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)

نبذة في أبيات المعاني والألغاز العربية

وهذه نبذة من أبيات المعاني والألغاز العربية، وأتبعناها للحكم والأجوبة المسكتة للمناسبة الظاهرة، فإن الكل منشؤه الذكاء والفطنة، والألغاز وإن كانت كما قال المحققون " من " صنعة البطالين لا نريد أن نخلي الكتاب من شيء عنها لقصد التفنن والإحماض و " قد " تقدم شيء من أبيات المعاني " في الكتاب " ومن ذلك في الأنواء قول بعض السدوسيين:

إذا القوس وترها أيِّدٌرمى فأصاب الكلى والذُّرا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إذا القوس وترها أيد»

يريد أن القوس أعني قوس قزح إذا وترها أي أقامها ونصبها على ما هي أيّد أي قوي، وهو الموكل بها، أو الفاعل المختار سبحانه رمى بالغيث فأصاب بالشحم كلى الأنعام وذُراها.

وفي صفة السيف قول الآخر:

وكنت إذا الإبريق أقعى على استهوظن نديم الشر أن ليس راويا
كررت عليه الكأس حتى كأنمايرى بالذي أسقيه منه الأفاعيا

الإبريق السيف لأنه يسقي الموت، وإقعاؤه على استه أن يأخذ بقائمه عند إرادة الضرب، ونديم الشر العدوّ، والكأس كأس الشّر.

وفي صفة الظل قول الآخر:

وصاحب غير ذي ظلٍ ولا نفَسٍهيجته بسواء البيد، فاهتاجا

يريد بالصاحب ظله، فإنه لا ظل له، ولا نفس، وقد حركه بمشيئته فتحرك.

ونحوه قول الآخر:

وثنيّةٍ جاوزتها بثنيّةٍحرْف يعارضها ثنيٌّ أدهم

فالثنية الأولى ثنيّة بالجبل، والثانية الناقة التي ذلك سِنُّها، والثني الآخر ظلها، وهو أدهم أي أسود.

وفي اللصوصية قول الآخر:

تعيرني ترك الرماية خُلّتيوما كل من يرمي الوحوش يَنالُها
فإلا أصادف غرة الوحش أقتنصمن الإنسيات العظام جُفالها

أي إن لم أقتنص الوحش أسرق من الغنم العظام الجفال أي الصوف.

وقول الآخر:

توخّى بها مجرى سُهَيْلٍ وخلفهمن الشام أعلام تطول وتقصر
فلما رأى أن النِّطافَ تعذرترأى أن ذا الكلبين لا يتعذر

هذا لص طرد إبلاً فتوخى أي قصد بها مجرى سهيل، وهو اليمن، وترك الشام وأعلامه أي جباله خلفه تطول وتقصر في السراب فلما رأى أن النطاف أي المياه تعذرت في طريقه رأى أن ذا الكلبين أي سيفه، والكلبان مسماران في قائمه، لا يتعذر فينحر ويفتظ الكرش فيشرب ما فيه: وقول الآخر:

إنا وجدنا طرَدَ الهواملخيراً من التأنان والمسائل
وعِدّةِ العام وعام قابلملقوحة في بطن ناب حامل

يقول: إن سرقة الإبل الهوامل " أي " التي لا راعي معها خير لنا من الأنين والتشكي وسؤال الناس، فهذا يردنا، وهذا بالعطاء في العام أو القابل جنيناً في بطن أمه.

وقول الآخر:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذا عوىوصَوَّتَ إنسان فكدت أطير
للشاعر الأُحَيمِر السَعدي، اقرأ القصيدة
درى الله إني للأنيس لمبغضويقليه مني شاهد وضمير
وإني لأستحيي من الله أن أرىأطوف بحبل ليس فيه بعير
وأن أسأل المرء اللئيم بعيرهوبُعرانُ ربي في البلاد كثير
للشاعر الأُحَيمِر السَعدي، اقرأ القصيدة

هذا لص يستوحش من الناس لئلاّ يقبض، ثم زعم أنه يستحيي أن يأتي بحبل يسأل من يعطيه بعيراً فيربطه به، وأن يسأل البخلاء وإبل الله كثيرة يسرقها.

وقول الآخر:

أيا بارح الجوزاء مالك لا ترىعيالك قد أمسوا مراميل جوعاً

البارح الريح الشديدة تهبّ في القيظ، فهو يطلبها فإذا سرق الإبل عفت أثره فلا يدرك، وجعل عياله عيالاً للريح لأنه يعولها به.

ومثله قول الآخر:

جزى الجوزاء عنّا الله خيراًفقد أغنت عن الحبل الجذيم

أي أغنتنا بريحها فنأخذ ما شئنا ولا ندرك ولم نحتج إلى حبل جذيم أي مقطوع نأتي به صاحباً يعطينا فيه بعيراً.

وقول الآخر:

ألا يا جارتا بأُباضَ إنّيرأيت الريح خيراً منك جارا
تغذينا إذا هبّت عليناوتملأ وجه ناظركم غبارا

أُباض كغراب قرية باليمامة ويقال: لم يرَ أطول من نخيلها فيقول هذا اللص لجاريته بها: إن الريح خير منكما، وذلك أنه يسرق التمر فإذا هبت الريح أسقطته له، وأعمت أربابه، فلا يرونه حتى يقضي منه أربه.

وقول الآخر:

خليليّ لا تستعجلا وتبينابوادي حَبَوْني هل لهن زوال
ولا تيأسا من رحمة الله وادعوابوادي حَبَوْنى أن تهب شَمال

أي فتعفي الأثر وتعمي عيون الرعاة فيأخذوا حاجتهم.

وفي " الأيام والليالي " قول الآخر:

مطايا يقربن البعيد وإن نأىوينقلن أشلاء الكريم إلى القبر

" وقبله:

سرينا وأدلجنا وصارت ركابناتمرّ بنا في غير برّ ولا بحر
وما هي إلاّ ليلة ثمَّ يومهاوحول إلى حول وشهر إلى شهر
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
ويُنكحْنَ أزواج الغَيورِ عدوهويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر "

وقول الآخر:

سبع رواحل ما ينخن من الوَجَىشوم تشاف بسبعة زهر
متواصلات لا الدءُوبُ يملهاباقٍ تعاقبها مدى الدهر

سبع أي ليال، شوم أي سود، وسبعة زهر أي أيام.

وفي التعبير على أخذ الدية وترك القيام بالثأر قول الآخر:

غدا ورداؤه لَهِقٌ حُجيرورحت أجر ثَوْبيْ أرجوان
كلانا اختار فانظر كيف تبقىأحاديث الرجال على الزمان

أي غدا حجير يعني أخاه، ورداؤه لهق أي أبيض لم يقتل قاتليه، ورحت أنا بثوب أرجوان أي أحمر لقيامي بالثأر.

وقول الآخر:

إذا صب ما في الوطب فاعلم بأنهدم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أو دعا

أي إذا تركت ثأرك في أبيك وأخذت الإبل فمتى صببت لبناً من الشكوة فهو دم أبيك تشربه.

وقول الآخر:

عقوا بسهم فلم يشعر به أحدثم استفاءوا وقالوا حبّذا الوَضَحُ
للشاعر المتنخل، من قصيدة «لا ينسإ الله منا معشراً شهدوا»

الوضَحُ اللبنَ وعقوا رموا بسهم يقال له العقيقة، وكانوا إذا كان لهم ثأر وجنحوا إلى الصلح يأخذون سهماً فيقولون: بيننا وبين إلهنا علامة، وهي أن نرمي هذا السهم، فإن رجع مضرّجاً بالدم فهو يأمرنا " بالقيام بالثأر، وإن رجع نقياً فهو يأمرنا " بأخذ الدية، ثم يرمون به إلى السماء، ولا يرجع أبداً إلاّ نقيّاً فعيرهم الشاعر بفعل ذلك.

وفي ضد ذلك قول الآخر:

يطأ الطريق بيوتَهم بعيالهوالنار تحجب والوجوه تذال
لا يشربون دماءهم بأكفهمإن الدماء الغاليات تكال

يقول: إنهم كرام مقارٍ فهم ينزلون على الطريق لأبناء السبيل، وهم عيال الطريق، وذلك في حال الشدة، حيث تحجب النار لئلا يراها الطارق، وتذال الوجوه أي امتهان، ثم أخبر أنهم لا يأخذون الدية فيشربون الألبان عِوَضَ دمائهم، فإن الدماء الغالية على أهلها تكال أي تجازى كَيْلَ الصاع بالصاع ولا تذهب هدراً بالديات.

وقول الآخر:

ألا لله ما مِرْدى حروبحواه بين حضنيه الظليم
وقد قامت عليه مها رُماحٍحواسِرَ ما ننام ولا تنيم

الظليم القبر المحفور في غير موضع الحفر، فهو مظلوم أي فهذا الفتى قد حواه القبر وقامت عليه النساء حواسر يندبنه، وشبههن في صفائهن أو في سَعَة عيونهن بمَها رماحٍ، ورُماحٌ كغراب موضع، والعرب ما يندبون القتيل حتى يؤخذ بثأره، فالندب كناية عن ذلك.

ومثله قول قيس بن زهير:

من كان مسروراً بقتل مالكفليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبنهبالليل قبل تبلج الأسحار

أي فيعلم أنا قد ثأرنا به.

وفي الشيب والكبر " قوله ":

ولما رأيت النسر عَزّ ابنَ دَأيَةٍوعشعش في وكريه جاشت له نفسي
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ولما رأيت النسر عز ابن دأية»

النسر الشيب وابن دأية الغراب وهو الشاب وعَزَّه غَلَبَهُ.

وقول الآخر:

أعار أبو زيد يميني سلاحهوحد سلاح الدهر للصخر كالم
وكنت إذا ما الكلب أنكر أهلهأفدى وحين الكلب جذلان نائم

أبو زيد كنية الكبر، ويحتمل الدهر، وسلاحه العصا، وإنكار الكلب أهله عند لبس السلاح فيفدى لإقدامه على الحرب وهو شاب، ووَقْتُ نَوْم الكلب وجذَلُهُ أن تموت الماشية من الهزال فيشبع منها، ولهذا قالوا في المثل السائر: نَعِمَ كلب ببؤس أهله.

وقول الآخر:

أبا مالك إن الغواني هجرننيأبا مالك إني أظنك دائبا

أبو مالك هو الكبر لأنه يملك صاحبه.

وقول الآخر:

بئس قريناً لامرئ سالكأم عبيد وأبو مالك

أم عبيد الصحراء، وأبو مالك الكبر.

وأما الألغاز ففي الدرهم قوله:

ومعشوق يرقص كلّ يومٍترى في وجهه أبداً كلاما
إذا فارقته أجداك خيراًولا يجدي عليك إذا أقاما

وفي القلم قول الآخر:

عجبت لذي سنين في الماء نبتهله أثر في كل مصر ومعمر

وقول الآخر:

وبيت بعلياء الفلاة بنيتهبأسمر مشقوق الخياشم يرعف

يصف بيت شعر عمله في الصحراء وكتبه بالقلم.

" وقال آخر:

وما ميت ذو طعم عند رأسهمتى ذاق من ذاك الطعام تكلما
فلا هو في الأحياء حي فيتقىولا هو في الأموات ميت فيرحما

غيره:

ما رأت عيني عجيباًكيراعي في الدواةِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما رأت عيني عجيبا»
غائصاً يستخرج الدرببحر الظلمات "
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما رأت عيني عجيبا»

وفي الهلال قول الآخر:

ومولود شهر كان فيه شبابهوفي شهره أودى وأدركه الكِبَرْ

غيره:

فما وليد ربا في غير مولدهوعاد فيه قديم السن قد نحلا

وفيه وزيادة:

ألا ربَّ مولود وليس له أبوذي ولد لم يلْدَه أبوان
وذي شامة سوداء في حر وجههمجللة لا تنقضي لأوان
ويكمل في خمس وتسع شبابهويهرم في سبع معاً وثمان "

وفي مصراعي الباب قول الآخر:

عجبت لمحرومين من كل لذةيبيتان طول الليل يعتنقان
إذا أمسيا كانا على الناس مرصداًوعند طلوع الشمس يفترقان

ولقي عَبيدُ الأبرص أمرأَ القيس فقال له: ألا أساجلك؟ فقال: بلى، فقال عبيد:

ما حية ميتة أحيت بموتهادرداء ما أنبتت ناباً وأضراسا

فقال أمرؤ القيس:

تلك الشعيرة تحنى في سنابلهافأضعفت بعد نبت الزرع أكداسا

فقال عَبيدٌ:

ما السود والبيض والأسماء واحدةما يستطيع لهن الناس إمساسا
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «ما حية ميتة أحيت بميتها»

فقال امرؤ القيس:

تلك السحاب إذا الرحمان هيجهابث النطاف بماء المزن أنفاسا

فقال عَبيدٌ:

ما قاطعات بلاداً لا أنيس بهاإذا ابتكرن سرى كنسن أكناسا

فقال امرؤ القيس:

تلك الرياح إذا هبّت عواصفهاكفى بأذيالها للتراب كناسا

وقال عَبيدٌ:

ما ذات حكم بلا سمع ولا بصرولا لسان فصيح يعجب الناسا

فقال امرؤ القيس:

تلك الموازين والرحمان أنزلهارب البرية بين الناس مقياسا

وقال عَبيدٌ:

ما مدلجات على هول ركائبهايقطعن بعد النوى يسراً وامراسا

فقال امرؤ القيس:

تلك النجوم إذا حانت مطالعهاشبهتها في ظلام الليل أقباسا

وقال عَبيدٌ:

ما قاطعات بلاد الله في طلقإذا استبقن ولا يرجعن قرطاسا

فقال امرؤ القيس:

تلك الأماني يتركن الفتى ملكاًدون السماع ولم ترفع له راسا

فعجب عَبيدٌ من بداهة أمرئ القيس وقال له: ما أرى أحداً يخوض تيّارك. قالوا: فكان امرؤ القيس مدلاّ بنفسه لا يرى لشاعر فضلاً حتى لقي التوأم اليشكري، فتنازعا الشعر، فقال له امرؤ القيس: إن كنت شاعراً كما تزعم فملط أنصاف ما أقول، فقال له: قل: فقال امرؤ القيس:

أحارِ ترى بريقاً هبَّ وَهْناً

فقال التوأم:

كنار مجوس تستعر استعارا

فقال امرؤ القيس:

أرِقْتُ ونام أبو شُرَيْحٍ

فقال التوأم:

إذا ما قلت قد هدأ استطارا

فقال امرؤ القيس: كأن هزيزه بوراء غيب فقال التوأم:

عشارٌ وُلَّهٌ لاقت عشارا

فقال امرؤ القيس:

فلما أن دنا لقفا أضاخ

فقال التوأم:

وهت أعجاز ريِّقه فحارا

فقال امرؤ القيس:

فلم يترك بذات السر ظبياً

فقال التوأم:

ولم يترك بجلتها حمارا

فبهت امرؤ القيس مما راى من بداهة اليشكري، وأقسم ألا ينازع الشعر أحداً.

واجتع الطرماح بذي الرمة فقال له: هل نتساجل، فقال: قل، فقال ذو الرمة:

فماذا زينة قد زينوهلغير زيادة ولغير عيد

فقال الطرماح:

هو الميت المكفن في ثيابيلف بها إلى القبر الجديد

وقال ذو الرمة:

وبنيان شديد الأيْدِ عالٍبلا مدر أقل ولا عمود

فقال الطرماح:

فتلك سماؤنا خلقت ظلالاًبناها الله ذو العرش المجيد

وقال ذو الرمة:

وحسناء المناظر كل يوملها وجه يضرب بالحديد

فقال الطرماح:

هو الوَرِقُ التي في الكير تجلىتخلص بالمطارق والوقود

وهذا الباب لا ينحصر، وإنما أشرنا إلى شيء مما وقع للعرب ليعلم أنهم يتنبهون لمثل ذلك، وما وقع بعدهم في كل زمان إلى اليوم أكثر وأكثر.

لله الأمر من قبل ومن بعد

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من نبذة من كلام الأذكياء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.