من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
نبذة من المضحكات والملح
باب - وهذه نبذة في المضحكات وكل ما تنبسط به النفس من الملح، واعلم أن هذا النوع هو للعقل فاكهة، كما أن الحكمة السابقة هي غذاؤه وقوامه، فلا بد من كل منهما في استصلاح العقول وإزالة جساوتها وتنمية ذكائها، غير أن الملح تكون بقدر الحاجة كالملح للطعام، وإلى ذلك أشار القائل:
أفسد طبعك المكدود بالجد راحةتفره وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكنبمقدار ما يعطى الطعام من الملح
وقال ابن عباس ﵁: إذا مللتم فأحمضوا إي إذا مللتم من الجد فخذوا في شيء من الهزل، وقالوا: الانبساط بين أهل المروءة يسقط الحشمة، ويؤكد الحرمة، ويفتق البديهة، ويشحذ الطبيعة، وقال آخر: من كمال المرء مفاكهة إخوانه، إذ ممازحة الكريم تزيد في وده وتديم إخاءه، وقال الشاعر " في ذلك ":
ممازحة الكريم تزيد وداًإذا كانت تضاف إلى الملاحة
فمازح من تحب وتصطفيهفمزحك مع صديقك فيه راحة
ولا بد أن يكون ذلك على قدر، ومع أهله، وإلاّ كان سخفاً ومجلبة لكل سوء، ولذلك قال عمر ﵁: من كثر ضحكه استخف " به " وذهب بهاؤه، وقال سعيد بن العاصي: لا تمازح الشريف " فيحقد " ولا الدنيء فيجترئ، وقال جعفر بن محمد: إياكم والمزاح فإنه يذهب بنور الوجه، وقال الشاعر:
الكبر ذل والتواضع رفعةوالمزح والضحك الكثير سقوط
والحرص فقر والقناعة عزةواليأس من صنع الإله قنوط
غيره:
وإياك إياك المزاح فإنهيجري عليك الطفل والرجل النذلا
ويذهب ماء الوجه بعد بهائهويورثه من بعد عزته ذلا
فهذا كله من الإفراط ومع ممازحة الأنذال أو مفاتحة النذل من فوقه من الأشراف بالمزاح، فإنه إنما يحسن بين الأكفاء والله الموفق.
قال عبد الرحمان بن " أبي " الزناد لأشعب الطامع: أنت شيخ مسن، فهل تروي شيئاً من الحديث قال: نعم، حدثني عكرمة عن ابن عباس أنه ﵊ قال: خصلتان من حافظ عليهما دخل الجنة قال: قلت: فما هما؟ قال: نسي عكرمة إحداهما ونسيت أنا الأخرى.
وكان أشعب هذا يغشى سالم بن عبد الله بن عمر ﵃، فخرج سالم يوماً إلى حائط له بأهله ومعهم طعام، فتبعهم أشعب ودق الباب فلم يفتح له فتسور الحائط فأشرف على سالم فقال له سالم: أما تستحيي؟ تطلع على بناتي؟ فقال أشعب:) لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا في بَنَاتِكَ منْ حَقٍّ وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (فقال له: اخرج وبعث إليه بطعام فأكله وانصرف.
وتداعى قوم من بني راسب وقوم من الطفاوة إلى زياد زياد في غلام وأقام كلّ بينةً، فأشكل الأمر على زياد، فقام سعد الرابية اليربوعي فقال: أيها الأمير، قد تبين لي في هذا الكلام وجه الحكم فوَلِّنِيِه، فقال: ما هو؟ فقال: يطرح في النهر، فإن طفا فوق الماء فهو للطفاوة، وإن رسب في الماء فهو لبني راسب، فنهض زيد وذهب وقد علاه الضحك، ثم أرسل إلى سعد فقال: ألم أنهك أن تمازح في مجلسي قال: أصلحك الله حضرني أمر خفت " أن أنساه ".
ودخل رجل على الشعبي وامرأته معه فقال: أيكما الشعبي؟ فقال الشعبي: هذه، وأشار إلى المرأة، فقال: ما تقول في رجل شتمني في أول " يوم من " رمضان أيؤجر على ذلك أم لا؟ فقال الشعبي: أما إن قال لك: يا أحمق فأرجو أن يكون له في ذلك الأجر العظيم.
وأهدى رجل إلى الحجاج تيناً في غير إبانه فجلس على الباب ينتظر الجائزة، فإذا بقوم جلبوا ليقتلوا، فلما بلغوا الباب هرب واحد منهم، فخاف الموكل بهم على نفسه، فأخذ صاحب التين فيهم، فلما قدموا للقتل قال: أيها الأمير، هؤلاء يذنبون وأنا لا ذنب لي، فقال له الحجاج: ألست منهم؟ فقال: لا، أنا " الذي " جئت بالتين، فبحث الحجاج على ذلك فوجده صادقاً فقال له: أخفناك مع إحسانك إلينا، تمن عليّ، فقال له الرجل: تعطيني ربع دينار، فقال: ما تصنع به؟ قال: أشتري به فأساً فأقطع هذه الشجرة التي كانت سبب معرفتي بك، فضحك الحجاج وأمر له بصلة سنية.
ومات للحجاج بعض من يعز عليه فقال لمن بحضرته: ليت إنساناً يعزيني بما يسليني، فقال رجل من أهل الشام كان أرسله عبد الملك إليه: أنا أسليك قال: قل، فقال: كل خليل سوف يفارق خليله بموت أو يقتل أو يصلب أو يقع من أعلى البيت أو يقع في بئر أو يكون شيء آخر لا نعرفه، فقال الحجاج: قد سليتني والله عن مصيبتي بأعظم منها في توجيه أمير المؤمنين رسولاً مثلك.
ودخل إسماعيل بن يسار يوماً على الغمر بن يزيد بن عبد الملك بعد أن حجبه ساعة ثم أذن له، فجعل إسماعيل يبكي، فقال له الغمر: ما يبكيك؟ فقال: وكيف لا أبكي وأنا على مروانيتي ومروانية أبوي أحجب عنك؟ وجعل الغمر يعتذر له وهو يبكي فما سكت حتى وصله بمال، فلما انصرف تبعه رجل فقال له: أي مروانية كانت لك ولأبويك؟ فقال: بغضنا إياهم، امرأته طالق إن لم تكن أمه تلعن مروان وآله كل يوم مكانَ التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت فقيل له: قل: لا إله إلاّ الله فقال: لعن الله مروان تقرباً بذلك إلى الله تعالى وإقامة له مقام التوحيد.
ودخل أبو دلامة على المهدي فقال له:
إني رأيتك في المنام وأنت تعطيني خياره
مملوءة بدراهموعليك تفسير العبارة
فقال له: هات خيارة تملأ لك، فخرج وأتى بقرعة فقال له: أنت رأيت الخيارة وهذه قرعة فقال: أُم الدلامي طالق إن كنت رأيت إلاّ قرعة، ولكني نسيت فما ذكرتها حتى رأيتها في السوق، فضحك المهدي وأمر له بخمسة آلاف درهم.
وجلس بشار يوماً مع الناس على باب المهدي ينتظرون الإذن، فقال بعض موالي المهدي لمن حضر: ما عندكم في قوله تعالى:) وَأوْحَى رَبُّكَ إلى النَحْلِ (ما المراد بالنحل؟ فقال بشار: النحل التي يعرفها الناس، فقال: هيهات يا أبا معاذ! النحل هنا بنو هاشم، وقوله:) يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ للنّاسِ (هي أنواع العلوم. فقال له بشار: جعل الله طعامك وشرابك وشفاءك ما يخرج من بطون بني هاشم، فغضب وشتم بشاراً. وبلغ الخبر المهدي فدعاهما فسألهما عن القصة، فأخبره بشار بها فضحك حتى أمسك على بطنه.
وسأل أبو العيناء بعض الوزراء أن يكتب له كتاباً إلى عامل له في رجل يطلب تسريحه فكتب إليه، فلما خرج قال: أخشى أن يكون كصحيفة المتلمس، ففتحه فإذا فيه: أما بعد فقد سألنا من لا نوجب حقه في رجل لا نعرفه، فإن فعلت خيراً لم نشكرك، وإن فعلت شراً لم نلمك، فرجع به إلى الوزير وقال له: ما هذا الذي كتبت أيها الوزير؟ فقال: تلك علامة بيني وبين العامل إذا أراد قضاء حاجة إنسان، فإن السؤال كثير، فقال أبو العيناء: لعن الله الوزير، وقطع يديه ورجليه، وأعمى عينيه، وأصم أذنيه، فقال الوزير: ما هذا الدعاء؟ فقال: هذه علامة بيني وبين ربّي إذا أردت أن يستجيب لي في قضاء حاجة إنسان.
وأتى رجل إلى النخاس فقال له: اطلب لي حماراً ليس بالصغير المحتقر، ولا الكبير المسرف، إن خلا لَهُ الطريقُ تدفق، وإن كثر الزحام ترفق، وإن قللت علفه صبر، وإن أكثرته شكر، وإن ركبته هام، وإن ركبه غيري نام، لا يصادم السواري، ولا يدخل تحت البواري فقال له النخاس: يا عبد الله، اصبر، فإن مسخ الله القاضي حماراً أصبت لك حاجتك إن شاء الله.
ومثل هذا ما روي أن رجلاً أراد شراء فرس فقال له النخاس: صف لي بغيتك منه، فقال: أريده حسن القميص، جيد الفصوص وثيق القصب نقي العصب، يشير بأذنيه، ويشرف برأسه ويخطر بيديه، ويدحو برجليه، كأنه مرج في لجة، أو سَيْلٌ في حَدُورٍ أو منحط من جبل، فقال له النخاس: نعم كذلك كان صلوات الله عليه وسلامه فقال: إنما وصفت لك فرساً، " فقال ": والله ما كنت أحسب إلاّ أنك تذكر صفة نبي من الأنبياء.
وأُخِذ بعض الشطار فحُمل إلى الكاتب ليسجّل نعته، فأغلق عينه اليمنى فكتب الكاتب: أعور العين اليمنى، فلما علم الشاطر أنه قد كتب ذلك فتح اليمنى وأغلق اليسرى، فلما نظر إليه الكاتب توهم أنه غلط فمحا اليمنى وكتب اليسرى، فأغلق الشاطر اليمنى وفتح اليسرى، فنظر الكاتب إليه " فقال: لعن الله الشيطان، أفسدت ما كان صحيحاً، فكتب اليمنى فأغلق الشاطر اليسرى، فتحير الكاتب " ولم يدر ما يفعل فكتب: أعور من أي عينيه شاء.
وأُخذ قوم محاربون فقدموا لتضرب أعناقهم فقال واحد منهم: والله ما كنت إلاّ أغني لهم، فقيل له: فغَنِّ إذن فلم يجرِ على لسانه غير قول القائل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينهفكل قرين بالمقارن مقتد
فقيل له: صدقت وضربت عنقه.
وذكرت الشيعة عند بعض شيوخ الإباضية قالوا: مخالفونا من أهل القبلة كفار، ومرتكب الكبيرة موحد غير مؤمن بناء على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وكفروا علياً ﵁ وأكثر الصحابة ".
في ح: " أول كلمة " بالتنكير فأنكرهم وسبهم جداً فقيل له في ذلك فقال: إن الشين أول الكلمة إنما توجد في مسخوط مثل شؤم وشر وشيطان وشح وشغب وشرك وشتم وشَيْن وشوك وشوصة وشكوى وشنآن قلت: وليس كما قال، بل هذا كثير، وضده وهو المحبوب أيضاً كثير، مثل شهد وشبع وشرب وشكر وشرف وشاب وشرع وشكد وشحم وشورى وشفاعة وشفقة وشغفر وشفاء، وفي أسمائه تعالى: الشكور الشهيد.
وخطب عتاب بن ورقاء الرياحي يوماً فقال وهو على المنبر: أقول لكم كما قال الله في كتابه:
ليس شيء على المنون بباقغير وجه المسبّح الخلاّق
فقيل له: أيها الأمير هذا قول عدي بن زيد فقال: ليقله من شاء فنعم القول هو.
وأتي يوماً بامرأة من الخوارج فقال لها: يا عدوة الله ما حملك على الخروج أما سمعت الله يقول:
كتب القتل والقتال عليناوعلى الغانيات جر الذيول
فقالت: جهلك بكتاب الله يا عدو الله حملني على الخروج عليك وعلى أئمتك.
ومثل هذا ما خطب علي بن زياد الأيادي فقال: أقول لكم مثل قول الرجل الصالح:) مَا أُرِيكُمْ إلاّ مَا أرَى وَمَا أُهْدِيكُمْ إلاّ سَبيلَ الرَّشَادِ (فقيل له: إنما قاله فرعون، فقال: يقوله من فاله فقد أحسن فيه.
وكان رجل يكثر مجالسة أبي يوسف ويطيل الصمت، فقال له يوماً ألا تسأل؟ قال: بلى، متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس، قال فإن لم تغرب إلى نصف الليل؟ فضحك أبو يوسف وتمثل بقول الشاعر:
عجبت إزراء الغبيّ بنفسهوصمت الذي قد كان بالعلم أعلما
وفي الصمت ستر للغبي وإنماصحيفة لب المرء أن يتكلما
ومثل هذا ما روي أن شاباً كان يكثر مجالسة الأحنف ولا يتكلم، فأعجب الأحنف ذلك منه، ثم خلت الحلقة يوماً فقال له الأحنف: يا ابن أخي مالك لا تتكلم؟ فقال: يا عم أرأيت لو أن رجلاً سقط من شرفة هذا المسجد أيضره شيء؟ فقال الأحنف: ليتنا تركناك يا ابن أخي مستوراً ثم أنشد متمثلاً:
وكائن ترى من صامت لك معجبزيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادهولم يبق إلاّ صورة اللحم والدم
وروي عن الجاحظ قال: عبرت على معلم كتّاب فدخلت إليه فرحب بي وأجلسني معه فذاكرته في القرآن فإذا هو ماهرٌ فيه، وكذا في العربية واللغة والشعر كما هو عارف، فقَوي عزمي على تمزيق " دفتر المعلمين " وجعلت أختلف إليه فأتيت يوماً فوجدت الكتاب مغلقاً، فسألت عنه فقيل: مات له ميت، فذهبه لأعزيه، فدققت الباب وخرجت جارية فقال: ما تريد؟ فقلت: أريد مولاك، فقالت: هو جالس وحده في العزاء ما يأذن لأحد فقلت: قولي له: صديقك فلان فدخلت فقالت: ادخل فدخلت فقلت له: أعظم الله أجرك) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ (وهذا سبيل لا بد منه، فعليك بالصبر، ثم قلت: هذا الميت ولدك؟ فقال: لا، قلت: والدك؟ قال: لا، قلت أخوك؟ قال: لا، قلت: فمن؟ قال: حبيبتي، فقلت في نفسي: هذا أوان المناحس، ثم قلت: سبحان الله! النساء كثير، وتجد أحسن منها، فقال: وكأني رأيتها فقلت في نفسي: وهذه منحسة ثانية، ثم قلت: وكيف عشقت من لم تره؟ فقال: كنت في الطارمة فسمعت مغنياً يقول:
يا أم عمرو جزاك الله مغفرةردي عليّ فؤادي أينما كانا
" لا تأخذين فؤادي تلعبين بهفكيف يلعب بالإنسان إنسانا "
فقلت في نفسي: أولاً أن أم عمرو ما في الدنيا مثلها ما قيل فيها هذا الشعر، فعلقها قلبي، ثم بعد أيام مرّ بي ذلك الرجل " أو غيره " وهو يقول:
إذا ذهب الحمار بأم عمروفلا رجعت ولا رجع الحمار
فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها، وجلست للعزاء منذ ثلاثة أيام، قال الجاحظ: فعاد عزمي إلى إبقاء " الدفتر " بأم عمرو.
وعن بعضهم قال: لقيت شيخاً من الأعراب فرجوت أن يكون يقول الشعر أو يرويه فسألته فقال: أما الرواية فلم أسمع من أروي عنه، وأمّا القول فلم أقل قط إلاّ بيتاً واحداً، فقلت: وهذا خير، أروي عنك هذا البيت فتحصل به رواية شعرك فما هو؟ فقال:
سقياً ورعياً وزيتوناً ومغفرةقتلتم الشيخ عثمان بن عفان
قال الراوي: فجعلت أتأمله، فقال الشيخ: لعلك تتأمل في فهم معناه " قلت: نعم، قال: أنا قلته منذ سبعين سنة وأنا أفكر في معناه " فما فهمته، فكيف تطمع به أنت في ساعة واحدة.
" وقال أحمد بن عمار: عملت شعراً لا معنى له ولا قافية، وقلت لسعيد بن حميد: رَوِّهِ فلاناً صديقاً لنا من الطالبيين، وكان جلداً شهماً، معه تغفيل، وقل له: ينشده شجاع بن القاسم كاتب المستعين كأنه يمدحه به، وضل له على ذلك صلة وهو:
شجاع لجاع كاتب لاتب معاًكجلمود صخر حطه السيل من عل
خبيص لبيص مستمر مقدمكثير أثير ذو شمال مهذب
فطين أطين آمر لك زاجراًحصيف لصيف حين يجبر يعلم
بليغ لبيغ كلما شئت قلتهلديه وإن تسكن من القول يسكن
أديب أبيب فيه عقل وحكمةعليم بشعري حين أنشد يشهد
كريم أريم قالص متباسلإذا جئته قدماً إلى البذل يسمح
فحفظه الطالبي ولقي شجاعاً ونحن نسايره فقال: أعزك الله، ليس الشعر من صناعتي، ولكنك أحسنت إليّ وإلى أهلي، فتكلفت أبياتاً مدحتك بها، فإن رأيت أن تسمعها مني، قال: قد أغناك الله من ذلك بشرفك ومودتك، فقال: بلى تتفضل بسماعها، وأنشده الأبيات، فلما فرغ شكره على ذلك، ودخل إلى المستعين فأخرج له عشرة آلاف درهم، وأجرى له ألف درهم في كل شهر، فجائنا الطالبي شاكراً: أنتما أوصلتما هذا.
وتزوج رجل امرأة حمقاء فغاب عنها مدة فلما قدم وضمها الفراش سألها عما حدث في غيبته فأنشأت تقول:
ما مسّني بعدك من إنسِّيغير غلام واحد قيسيِّ
ورجل آخر من بَلِيّوثالث جا من بني عَدِيّ
ورابع أيضاً أتى من طَيّوخمسة جاءوا مع العشيّ
وسبعة كانوا على الطويّغر كرام من بني عليّ
وآخرين معملي المطيّمن بين كوفي ومن بصريّ
ومن تهاميّ ومن نجديّما فيهم من ليس بالمرضيّ
فقام بضربها فصاحت فأجتمع الناس فقال لهم: لولا أني قمت أضربها لعدّتْ عليّ أهلَ عرفات ومنى.
وكان بشار إذا أعوزنه القافية أو المعنى يدخل في شعره أشياء لا حقيقة لها تكميلاً لشعره، فمن ذلك أنه أنشد شعراً فقال فيه:
غنّي للغريض يا ابن قنان
فقيل له: من ابن قنان هذا؟ فإنا لا نعرفه في المغنين، فقال: وما عليكم منه؟ ألكم قِبّلهَ دَينٌ تطالبونه به؟ أو ثأر تريدون أن تدركوه منه؟ أو كفلت لكم به فإذا غاب طلبتموني؟ فقالوا: ليس بيننا وبينه شيء من هذا، ولكنا أردنا أن نعرفه، فقال: هذا رجل يغني لي ولا يخرج من بيتي، فقالوا له: إلى متى؟ فقال من يوم ولد إلى يوم يموت، فتفرقوا عنه متضاحكين.
وقال بعضهم: شربنا يوماً عند عبد الصمد بن علي عم المنصور، وكان يغنينا الدارمي المكي، وكان حلو ظريفاً، فنعس عبد الصمد وعطس الدارمي عطسة هائلة فوثب عبد الصمد مرعوباً وغضب غضباً شديداً وقال: يا ابن الفاعلة، إنما أردت أن تفزعني، قال: لا والله ولكن هذا عطاسي، فقال: والله لأقبنك أو تأتيني ببيِّنة على ذلك، ووكل به غلمانه، فخرج ولا يدري أين يذهب، فلقيه رجل يعرفه من أهل مكة، فسأله عن أمره فأخبره فقال له: أنا أشهد لك، ومضى معه حتى دخل على عبد الصمد فقال له: بم تشهد لهذا؟ فقال: رأيته عطس عطسة سقط منها ضرسه، وتطاير نصف لحيته، فضحك عبد الصمد وقال: خلوا سبيله.
وقال الماوردي: كنت بمجلس درسي بالبصرة فدخل عليّ شيخ مسنّ قد ناهز الثمانين أو جاوزها وقال لي: قصدتك بمسألة اخترتك لها فقلت: وما هي؟ وظننت أنه يسأل عن حادثة نزلت به، فقال: أخبرني عن طالع إبليس وطالع آدم من النجوم ما هو، فان هذين لعظيم شأنهما لا يسأل عنها إلا علماء الدين، فعجبت وعجب من في مجلسي من سؤاله وبادر إليه واحد منهم بالإنكار والاستخفاف، فكففتهم، وقلت: هذا لا يقتنع مع ما ظهر من حاله إلا بجواب مثله، فأقبلت عليه وقلت: يا هذا إن النجمين يزعمون أن نجوم الناس لا تعرف إلاّ بمعرفة مواليدهم، فإن ظفرنا بمن يعرف وقت ميلادهما أخبرناك بالطالع، فقال جزاك الله خيراً، وانصرف مسروراً، فلما كان بعد أيام عاد إلي وقال: ما وجدت إلى وقتي هذا من يعرف مولدهما.
وكان المأمون يوماً جالساً مع ندمائه مشرفاً على دجلة يتذاكرون أخبار الناس، فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان إلاّ نقص من عقله بقدر ذلك، فلم يسلم له أصحابه ذلك، فبينما هم في ذلك رأوا رجلاً كبير اللحية حسن الهيئة والثياب، فقال المأمون: عليّ به، فلما وقف بين يديه سلم، فأجلسه المأمون، وقال له: ما أسمك؟ قال: أبو حمدونة، فقال: وما كنيتك؟ قال: علوبة، فضحك المأمون وأقبل على جلسائه فغمزهم عليه، ثم قال: ما صنعتك قال: فقيه أجيد الشرح للمسائل، فقال: نسأل عن مسألة، فقال: سل عما بدا لك، قال: فما تقول فيمن أشترى شاة فلما قبضها خرجت من أستها بعرة فقأت عين رجل، على من تجب دية العين؟ على البائع أم على المشتري؟ فنكت بإصبعه الأرض طويلاً ثم قال: دية العين على البائع قال: ولمَ؟ قال: لأنه باع ولم يشترط أن في أستها منجنيقاً، فضحك المأمون ومن معه، ثم أنشأ يقول:
ما أحد طلت له لحيةفزادت اللحية في هيئته
إلاّ وما نقص من عقلهأكثر مما زاد في لحيته
ويؤيد هذا ما روي أن معاوية كان مع أصحابه فمرّ بهم رجل طويل اللحية فقال معاوية: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في طول اللحية، فقال عمرو بن العاصي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اعتبروا عقل الرجل في ثلاث: طول لحيته، وكنيته، ونقش خاتمه "، فلما جاءهم الرجل قال معاوية: ما نقش خاتمك:) وَتَفَقّدَ الطّيْرَ فَقَالَ مَالي لا أرَى الهُدْهُدَ (. قال: وما كنيتك؟ قال: أبو الكوكب الدري، فقال معاوية: كمل الرجل، ولهذا قال ﵇: " من سعادة المرء خفة لحيته ".
وروي أن أعرابيين اختصما إلى شيخ حيهما، فقال أحدهما للآخر: إنك والله ما تحفظ آية من كتاب الله، فقال الآخر: والله إني لقارئ، فقال له الشيخ: اقرأ علي، فقال كأنه يقرأ:
علق القلب ربابابعدما شابت وشابا
إن دين الحبّ فرضلا ترى فيه ارتيابا
فقال الشيخ لخصمه: والله لقد قرأها كما أنزلت، فقال خصمه: والله يا سيدي ما تعلمها إلاّ البارحة.
ويشبه هذا ما ذكر أن رجلاً سمع رجلاً ينشد:
فلا تقبل لغانية يميناولو حلفت برب العالمينا
فقال: أشكل علي موضعها في) إنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (.
وذكر أن أعرابياً تقدم إلى القاضي سوار في أمر فلم يجد عنده ما يحب، فاجتهد فلم يظفر بحاجته، قال: فقال الأعرابي وفي يده عصا:
رأيت رؤيا ثمَّ عبرتهاوكنت للأحلام عبارا
بأنني أخبط في ليلتيكلباً فكان الكلب سوارا
ثم انحنى على سوار بالعصا حتى منع منه قال: فما عاقبة سوار.
ويروى أن ضيفاً نزل بالحطيئة وهو يرعى غنماً له وفي يده عصا فقال له الضيف: يا راعي الغنم، فأومأ الحطيئة بعصاه وقال: عجراء من سلم، فقال الرجل: إني ضيف فقال: للضيفان أعددتها.
وروي أن ناسكاً من بني الهجيم بن عمرو بن تميم كان يقول في قصصه: اللهم اغفر للعرب خاصة، وللموالي عامة، فأما العجم فهم عبيدك، والأمر إليك.
ونظر يزيد بن مَزْيد الشيباني إلى رجل ذي لحية عظيمة وقد تلففت على صدره، وإذا هو خاضب فقال: إنك من لحيتك في مئونة فقال: أجل، ولذلك أقول:
لها درهم للدهن في كلّ جمعةوآخر للحناء يبتدران
ولولا نوال من يريد بن مزيدلصوَّت في حافاتها الجَلّمان
ونظر أعرابي إلى رجل جيد الكِدْنة أي الشحم يعني سميناً فقال: يا هذا، إني لأرى عليك قطيفة محكمة من نسج أضراسك.
ويروى أن جارية لهمام بن مرة بن ذهل بن شيبان قالت له يوماً:
أهمام بن مرة حنّ قلبيإلى اللائي يكن مع الرجال
فقال: يا فَساقِ، أردت صفيحة ماضية فقالت:
أهمام بن مرّة حنّ قلبيإلى صلعاء مشرفة القذال
فقال: يا فَجارِ، أردت بيضة حضينة فقالت:
أهمّام بن مرّة حنّ قلبيإلى أير أسد به مبالي
وكان بشار يقول: لم تقل امرأة شعر قط إلاّ تبين فيه الضعف، فقيل له: أو كذلك الخنساء؟ قال: تلك كان لها أربع خُصىً.
وقال المبرد: حدّثني شيخ من الأزد عن رجل منهم أنه كان يطوف بالبيت وهو يدعو لأبيه فقيل له: ألا تدعو لأمك فقال: إنها تميمية. وسُمع رجل يطوف بالبيت وهو يدعو لأمه ولا يذكر أباه، فعوتب فقال: هذه ضعيفة وأبي يحتال لنفسه.
وقال بعض المحدثين:
ولا أكتم الأسرار لكن أنمهاولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
وإن أحق الناس بالسخف لامرؤتقلبه الأسرار جنباً إلى جنب
وقال الآخر:
وأمنع جارتي من كلّ خيروأمشي بالنميمة بين صحبي "
ورأى طفيلي رجلاً اشترى سمكاً كثيراً مطبوخاً، وحمله على رأس أمه له إلى داره، فتبعه، فلما رأى الرجل الطفيلي بادر فأدخل الأمة ودخل وأغلق الباب، فتسور الطفيلي فأشرف عليهم، فقال له الرجل: أما تتقي الله تطلع على محارم الناس؟ فقال:) لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا في بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإنّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (فضحك الرجل وقال له: انزل إلى الباب يفتح لك، فنزل، فعمد الرجل إلى كبار السمك فجعلها في زاوية البيت وترك الصغار، فلما دخل الطفيلي ورآها علم القصة، فأجال بصره في البيت فرأى الإناء في زاوية البيت مغطى، فعلم أن حاجته فيه، فجعل يأخذ من تلك الصغار السمكة فيقطع رأسها " بعنف " ويقربه من أذنه ويصغي إليه ثم يطرحه، فقال له الرجل: ما هذا الذي تصنع؟ فقال له: اعلم أن أبي كان يسافر في البحر، فغرق وأكلته الحيتان، فقلت: اليوم أدرك ثأري، فإذا بهذه الحيتان تقول لي: إنا عند غرق أبيك لم نكن خلقنا بعد، وإن التي أكلت لحم أبيك في الإناء الذي في زاوية البيت، فضحك الرجل واستظرفه، وآتاه بالإناء الذي فيه الكبار، فأكل حتى قضى حاجته.
" وأتى طفيلي وليمة فاقتحم وأخذ مجلسه مع الناس، فأنكر عليه صاحب الدار وقال: لو صبرت حتى يؤذن لك لكان أحسن لأدبك فقال: إنما اتخذت البيوت ليدخل فيها، والموائد ليؤكل عليها، والشحنة قطيعة، وإطراحها صلة، وجاء في الآثار: صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، ثم اجمع فيها خلالاً، أحصل مجالساً، وآكل موانساً، وأبسط رب الدار وإن كان عابساً، وأنشد:
كل يوم أدور في عرصة الدار أشم القتار شم الذباب
فإذا ما رأيت آثار عرسأو دخاناً أو دعوة الأصحاب
لم أعرج دون التقحم لا أن هب شتماً ولكزة البواب
مستهيناً بمن دخلت عليهغير مستأذن ولا هيّاب
فتراني ألف بالرغم منهمكلّ ما قدّموهُ لف العقاب
ذاك أهنا من التكلف والغرم وشتم البقال والقصاب
وعن آدم الطويل قال: دخل حانوتي غريب يأكل شيئاً من طعام أتى به، فرآه طفيلي فجاء ليدخل فرددته وقلت له: ما أكثر ما تتردد إلينا، فقال الغريب الذي في الحانوت: لعله كما قال الشاعر:
لو طبخت قدر بمطمورةأو في ذرى قصر بأعلى الثغور
وكنت بالصين لوافيتهايا عالم الغيب بما في الصدور "
لله الأمر من قبل ومن بعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع