من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
ذكر شيء من أخبار الثقلاء
اعلم أن الثقلاء أشد الخلق ضرراً على العقلاء، وأثقل من رواسي الجبال على قلوب النبلاء، قيل لجالينوس: لم صار الرجل الثقيل أثقل من الحِمْل الثقيل؟ فقال: لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحِمْل الثقيل يستعين القلب عليه بالجوارح، وكان أبو هريرة ﵁ إذا استثقل رجلاً يقول: اللهم اغفر لنا وأرحنا منه، وقال الأعمش: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاء، ونقش على خاتمه: يا مقيت أبرمت فقم، فإذا استثقل جليساً ناوله إياه، وربما أنشد:
وما الفيل تحمله ميتاًبأثقل من بعض جلاسنا
وقال له رجل: مم عمشت عيناك؟ فقال: من النظر إلى الثقلاء أمثالك، وقال جالينوس: لكل شيء حمى وحمى الروح النظر إلى الثقيل. وكان حماد بن زيد إذا استثقل جليساً قال:) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنّا العَذَابَ إنّا مُؤْمِنُونَ (وكان يجلس إلى معمر بن المثنى رجل ثقيل اسمه زنباع، فسأل رجل يوماً معمراً عن معنى الزنبعة في كلام العرب فقال: التثاقل، ولذلك سمي جليسنا هذا به.
وقال أبو العتاهية لابن له ثقيل: يا بني أنت والله ثقيل الظل، مظلم الهوا، خامد النسيم، بارد حامض منتن.
وقال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي: هل يمرض الروح قال: نعم من ظل الثقلاء قال: فمررت به يوماً وهو بين ثقيلين فقلت: كيف الروح؟ فقال في النزع. وقال سهل بن هارون: من ثقل عليك بنفسه، وأغم عليك بحديثه، فأعره عيناً عمياء، وأذناً صماء. وكان بعض الظرفاء إذ رأى ثقيلاً يقول: قد جاءكم الجبل، فإذا جلس قال: قد وقع عليكم، وقيل لظريف له ثلاثة بنين ثقلاء: أي بنيك أثقل؟ قال: ليس بعد الكبير أثقل من الصغير إلاّ الأوسط.
وكان يلم ببشار ثقيل اسمه أبو سفيان، فسئل عنه فقال: لا أدري كيف لم تحمل الأمانة أرض حملته، ولا كيف احتاجت إلى الجبال بعدما أقلته، كأن قربه أيام المصائب، وليالي النوائب، وكأن عشرته فقد الحبائب، وسوء العواقب، ثم أنشد:
ربما يثقل الجليس وإن كان خفيفاً في كفة الميزان
ولقد قلت حين وتّد في البيْتِثقيل أربى على ثهلان
كيف لا تحمل الأمانة أرض؟حملت فوقها أبا سفيان
وكان له صديق يستثقل، اسمه هلال، فقال لبشار يوماً يمازحه: يا أبا معاذ، إن الله لم يذهب بصر أحد إلاّ عوضه منه شيئاً، فما عوضك؟ قال: الطويل العريض، قال: وما هو؟ قال: أن لا أراك ولا أرى أمثالك من الثقلاء ثم قال: يا هلال، تطيعني في نصيحة أخصك بها؟ قال: نعم، قال: إنك كنت تسرق الحمير زماناً، ثم تبت وصرت رافضياً، فعد، والله، إلى سرقة الحمير، فهي والله، خير لك من الرفض، وفي هلال هذا يقول بشار:
وكيف يخف لي بصري وسمعيوحولي عسكران من الثقال
قعوداً عند دسكرتي وداريكأن لهم عليَّ فضول مال
إذا ما شئت جالسني هلالوأي الناس أثقل من هلال؟
وقال الحمدويّ: بعث إلي أحمد بن حرب المهلبي في غداة غيم فأتيته وعنده عجاب المغنية، فلما أكلنا أخذنا في الشراب والغناء، فمرت لنا أطيب ساعة فقال ابن حرب: اللهم اكفنا ثقيلاً ينغص، فما تم قوله حتى دق الباب ففتح فدخل رجل آدم ضخم، فلم يدر كيف يسلم، ولا بم يتكلم، وخطا فعثر في قدح فكسره، فلما رأيت ما حل بنا أخذت القلم والقرطاس وكتبت:
كدّر الله عيش من كدّر العيش وقد كان صافياً مستطابا
جاءنا والسماء تهطل بالغيث وقد طابق السماع الشرابا
كسر الكأس وهي كالكوكب الدري ضمت من المدام لعابا
قلت لما رُميت منه بما أكسره والدهر ما أفاد أصابا
عجل الله نقمة لابن حربتدع الدار بعد شهر خرابا
وألقيتها إلى ابن حرب فلما قرأها قال: ويحك ألاّ نفست؟ فقلت: بعد حول فقلت: ما أردت أن أقول: إلاّ بعد يوم، ولكني خفت أن تصيبني معكما الصيحة، ففطن الثقيل فنهض، فقال لي ابن حرب: آذيته، فقلت: هو آذاني أولاً، والبادي أظلم، ثم قال: لعمري لئن أساء في قدومه وإقدامه، لقد أحسن في نهوضه وقيامه.
واستأذن بعض الثقلاء على ابن المبارك فلم يأذن له، فكتب إليه ذلك الثقيل:
هل لذي حاجة إليك سبيل؟لا طويل قعوده بل قليل
فأجابه ابن المبارك:
أنت يا صاحب الكتاب ثقيلوقليل من الثقيل طويل
وذكر ثقيل عند بعض الأذكياء فقال: هو ثقيل السكون، بغيض الحركة، كثير الشؤم، قليل البركة، كأنه ثقل الدين، ووجع العين، وما أحقه بقول القائل:
ثقيل يطالهنا من أممإذا سرّه رغم أنفي ألم
لنظرته وخزة في القلوبكوخز المحاجم في الملتزم
أقول له إذ أتى لا أتىولا حملته إلينا قدم:
عدمت خيالك لا من عمىًوسمع كلامك لا من صمم
ووصف آخر ثقيلاً فقال: هو بين الجفن والعين قذاة، وبين القدم والنعل حَصاةٌ، ما أشبه طلعته إلاّ بوقت الفراق، أو كتاب الطلاق، أو طلعة الرقيب، أو موت الحبيب:
مشتملٌ بالبغض لا تنثنيإليه طوعاً لحظة الرامق
يظلّ في مجلسنا قاعداًأثقل من واش على عاشق
وذكر عند العباس بن الحسن العلوي ثقيل يسمى أبا عمار فقال: ما الحمام على الأضرار، وحلول الدين على الإقتار، وشدة السقم في الأسفار، بأثقل على النفس من طلعة أبي عمار، وأنشد:
تحمل منه الأرض أضعاف مايحمله الحوت من الأرض
وقال بعضهم في صفة ثقيل: هو أثقل من داء بلا علة، وأبغض من خراج بلا غلة، قد خرج عن حد الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشمال، يحكي ثقل الحديث المعاد، على القلوب والأكباد، وإذا نظرت إلى مشيته أنشدت:
ثقيل براه الله أثقل من براففي كل قلب بغضة منه كامنه
مشى فدعا من ثقله الحوت ربهوقال: إلهي، زيدت الحوت ثامنه
وقول أبي عمار بل عبد الله بن خلف في صفة ثقيل:
وثقيل أشد من ثقل الموت ومن شدة العذاب الأليم
لو عصَت ربها الجحيمُ لما كان سواه عقوبة للجحيم
ولابن عطاء الصنهاجي:
ليس من الناس ولكنهيحسبه الناس من الناس
أثقل في أنفس أصحابهمن جبل راس على راس
وقال آخر وبالغ:
يا رحمة الله على آدمرحمة من عمّ ومن خصصا
لو كان يدري أنه خارجمثلك من إحليله لاختصى
وقال آخر مثله:
لو كان آدم عالماً غيباً بأنستكون من أولاده فيما غبر
لأبان حقاً بالطلاق ثلاثةوأبى لأجلك أن يكون أبا البشر
وقول الآخر، ويقال: إنها ما قرئت على ثقيل إلاّ ارتحل:
يا مبرماً أهدى حملخذ وارتجل ألف جمل
قال: وما أحملهاقلت: زبيب وعسل
قال: ومن يقودها؟قلت له: ألف بطل
قال: وما سلاحهم؟قلت: سيوف وأسَل
قال: وما لباسهم؟قلت: حليٌّ وحلل
فقال: ملك لي إذن؟قلت: نعم إن ترتحل
قال: فهل أبرمتكم؟قلت له: الأمر جلل
قال: وهل أثقلتكم؟قلت له: فوق الثقل
وقال البهاء المهلبي:
وجاهل طال به عنائيلازمني وذاك من شقائي
كأنه الأشهر من أسمائيأخرق ذو بصيرة عمياء
لا يعرف المدح من الهجاءأفعاله الكل بلا استواء
أقبح من وعد بلا وفاءومن زوال النعمة الحسناء
أبغض للعين من الأقذاءأثقل من شماتة الأعداء
فهو إذا رأته عين الرائيأبو معاذ وأخو الخنساء
ومطيع بن إياس قال:
قل لعباس أجبنايا ثقيل الثقلاء
أنت في الصيف سَمُوموجليد في الشتاء
وللصاحب بن عباد:
تزلزلت الأرض زلزالهاوأخرجت الأرض أثقالها
مشى ذا الثقيل على ظهرهافماجت وقيل: انظروا ما لها
وقال آخر:
إذا جلس الثقيل إليك يوماًأتتك عقوبة من كل باب
فهل لك يا ثقيل إلى خصالتنال ببعضها كرم المآب
إلى مالي فتأخذه جميعاًأحل لديك من ماء السحاب
وتنثف لحيتي وتدق أنفيوما في فيَّ من ضرس وناب
على أن لا أراك ولا ترانيعلى حال إلى شيب الغراب
وقال أبو نواس في الرقيب:
لسهم الجرح في فؤاديوذاك الجرح من عين الرقيب
يوكل ناظريه بنا ويحكيمكان الحافظين على الذنوب
ولو سقط الرقيب من الثريالصب على محب أو حبيب
ولو عمي الرقيب بغير شكلأبصر قلبه ما في القلوب
وله:
لاحظته فبسماوخلا المكان فسلما
وبدا الرقيب فقلت: لاسلم الرقيب من العمى
ولابن المعتز:
قد دنت الشمس للمغيبوحان شوقي إلى الحبيب
طوبى لمن عاش عشر يومله حبيب بلا رقيب
قيل لأبي الحارث جميز: ما تشتهي قال: القضاء على أعين الرقباء وألسن الوشاة وأكباد الحساد.
وقال القاضي عمر بن الوردي:
لي شهوتان أحب جمعهمالو كانت الشهوات مضمونه
أعناق عدائي " مدققة "ومفاصل الرقباء " مدفونه "
وقال غيره:
قال لي عُوَّدي غداة رأونيما الذي تشتهيه واجتهدوا بي
قلت مِقْلىً فيه لسان وشاةقطعوه فيه بصنع عجيب
وأضيفت إليه كِبْدُ حسودفقئت فوقها عيون الرقيب
آخر:
عندي لكم يوم التواصل دعوةيا معشر الندماء والجلساء
أشوي قلوب الحاسدين بها وألسنة الوشاة وأعين الرقباء
وقال جحظة:
يا لفظة النعي بموت الخليليا وقفة التوديع بين الحمول
يا شربة اليارج يا أجرة المنزل يا وجه العدو الثقيل
يا نهضة المحبوب عن غضبةيا نعمة قد أذنت بالرحيل
ويا طبيباً قد أتى باكراًعلى أخي السقيم بماء البقول
ويا كتاباً جاء من مخلفللوعد مملوءاً بعذر طويل
يا بكرة الثكلى إلى حفرةمستودع فيها عزيز الثكول
يا ردة الحاجب عن قسوةيا نكسة من بعد برء العليل
يا طلعة النّعش ويا منزلاًأقفر من بعد الأنيس الخليل
يا شوكة في قدم رخصةليس إلى إخراجها من سبيل
وجحظة هذا من ولد يحيى بن خالد بن برمك، واسمه أحمد بن جعفر وسماه ابن المعتز جحظة لجحوظة في عينيه، وكان قبيح الوجه طيّب الغناء، وفيه يقول ابن الرومي:
نبئت جحظة يستعير جحوظهُمن فيل شطرنج ومن سرطان
يا رحمة لمنادميه تحملواألم العيون للذة الآذان "
لله الأمر من قبل ومن بعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع