تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

المنصورة

مدينة مشهورة بأرض السند كثيرة الخير، بناها المنصور أبو جعفر الثاني من خلفاء بني العبّاس، وفيها ينزل الولاة، لها خليج من نهر مهران يحيط بالمدينة، وهي في وسطه كالجزيرة إلّا أنّها شديدة الحرّ كثيرة البقّ.

بها ثمرتان لا توجدان في مدينة غيرها: إحداهما الليمو على قدر التفّاح،

والأخرى الانبج على شبه الخوخ.

وأهل المدينة موافقون على أنّهم لا يشترون شيئا من المماليك السنديّة، وسببه أن بعض رؤسائها من آل مهلّب ربّى غلاما سنديّا، فلمّا بلغ رآه يوما مع زوجته فجبّه ثمّ عالجه حتى هدأ، وكان لمولاه ابنان: أحدهما بالغ، والآخر طفل، فأخذ الغلام الصبيّين وصعد بهما إلى أعالي سور الدار ثمّ قال لمولاه:

واللّه لئن لم تجبّ نفسك الآن لأرمينّ بهما! فقال الرجل: اللّه اللّه فيّ وفي ولديّ! فقال: دع عنك هذا، واللّه ما هي إلّا نفس، وإني لأسمح بها من شربة ماء! وأهوى ليرمي بهما فأسرع الرجل وأخذ مدية وجبّ نفسه، فلمّا رأى الغلام ذلك رمى بالصبيّين وقال: فعلت بك ما فعلت بي وزيادة قتل الولدين. فقتل الغلام بأفظع العذاب وأخرج من المدينة جميع المماليك السندية، فكانوا يتداولون في البلاد ولا يرغب أحد بالثمن اليسير في شرائهم.

بها نهر مهران عرضه كعرض دجلة أو أكثر، يقبل من المشرق آخذا جهة الجنوب متوجها إلى المغرب حتى يقع في بحر فارس أسفل السند؛ قال الإصطخري: مخرجه من ظهر جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون، ويظهر بملتان على حدّ سمندور ثمّ على المنصورة، ثمّ يقع في البحر، وهو نهر كبير عذب جدّا يقال فيه تماسيح كما في النيل، وجريه مثل جريه، يرتفع على الأرض ثمّ ينصبّ ويزرع عليه مثل ما يزرع على النيل بأرض مصر.

وقال الجاحظ: ان تماسيح نهر مهران أصغر حجما من تماسيح النيل وأقلّ ضررا، وذكر أنّه يوجد في هذا النهر سبائك الذهب. واللّه الموفق.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.