تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

دمياط

مدينة قديمة بين تنيس ومصر مخصوصة بالهواء الطيب، وهي من ثغور الإسلام، عندها يصبّ ماء النيل في البحر، وعرض النيل هناك نحو مائة ذراع، وعليه من جانبيه برجان، بينهما سلسلة حديد عليها جرس، لا يدخل مركب في البحر ولا يخرج إلّا بإذن، وعلى سورها مدارس ورباطات كثيرة.

عن رسول اللّه، ﷺ، انّه قال لعمر بن الخطّاب:

يا عمر سيفتح على يديك ثغران: الإسكندريّة ودمياط، أمّا الإسكندريّة فخرابها من البربر، وأمّا دمياط فهم صفوة من صفوة شهداء من رابطها ليلة كان معي في حظيرة القدس.

وحكى الحسن بن محمّد المهلّبي قال: من طريف أمر دمياط ان الحاكة بها يعملون الثياب الرفيعة، وهم قبط من سفلة الناس، أكثر أكلهم السمك المملوح والطري، فإذا أكلوا عادوا إلى الصنعة من غير غسل الأيدي، وينشطون بها ويعملون في غزلها، فإذا قطع الثوب لا يشكّ من يقلّبه انّه بخر بالندّ! وقال أيضا: من طريف أمر دمياط ان في قبليّها على الخليج غرفا تعرف بالمعامل، يستأجرها الحاكة لعمل ثياب الشرب فيها، فلا تكاد تنجب إلّا بها، فإن عمل بها ثوب وبقي منها شبر ونقل إلى غير هذه الغرف علم بذلك السمسار المبتاع للثوب، وينقص من ثمنه لاختلاف جوهر الثوب، وتبلغ قيمة الثوب الأبيض بدمياط وليس فيه ذهب ثلاثمائة دينار، ولا تشارك تنيس في شيء من عملها، وبينهما مسيرة نصف نهار. ولا يعمل بدمياط مصبوغ ولا بتنيس أبيض وهما حاضرتا البحر.

وبها أنواع الطير والسمك ذكرناها في تنيس لا نعيدها.

وبها الفرش القلموني من كلّ لون. وبها سمكة يقال لها الدلفين، وهي في خلقة زقّ، زعموا أنّها تنجي الغريق، وبها سمكة أخرى من أكلها يرى

منامات هائلة.

وحكي أن الفرنج في زمان الملك الكامل اتّخذوا مركبا بعلو سور دمياط، وشحنوه من الرجال والسلاح وأجروه في البحر إلى أن يصل بسور دمياط، فوثبوا من المركب إلى السور وفتحوا دمياط بهذه الحيلة، فلمّا علم الملك الكامل ذلك شقّ عليه وجاء محاصرا لها، فصعب عليه استخلاصها فبنى بجنبها مدينة بالأسواق والحمامات، وما زال يحاصرها حتى فتحها، وأسر من كان فيها من الفرنج ومنّ على أمرائهم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الثالث

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.