تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

الحيرة

صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.

بلدة قديمة كانت على ساحل البحر بقرب أرض الكوفة، وكان هناك في قديم الزمان بحر. والآن ليس بها أثر البحر ولا المدينة. بل هي دجلة وآثار طامسة. وكانت الحيرة منزل ملوك بني لخم. وهم كانوا ملوك العرب في قديم الزمان. وإيّاهم أراد الأسود بن يعفر في قوله:

ماذا أؤمّل بعد آل محرّقتركوا منازلهم وبعد إياد
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «نام الخلي وما أحس رقادي»
أهل الخورنق والسّدير وبارقوالقصر ذي الشّرفات من سنداد
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «نام الخلي وما أحس رقادي»
نزلوا بأنقرة يسيل عليهمماء الفرات يجيء من أطواد
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «نام الخلي وما أحس رقادي»
أرض يخيّلها لطيب مقيلهاكعب بن مامة وابن أمّ ذواد
جرت الرّياح على محلّ ديارهمفكأنهم كانوا على ميعاد
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إن الذين بنوا فطال بناؤهم»
ولقد عنوا فيها بأنعم عيشةفي ظلّ ملك ثابت الأوتاد
فإذا النّعيم وكلّ ما يلهى بهيوما يصير إلى بلى ونفاد
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «نام الخلي وما أحس رقادي»

وبنى النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي قصرا بظاهر الحيرة في ستّين سنة اسمه الخورنق، بناه رجل من الروم يقال له سنمّار، وكان يبني السنتين والثلاث ويغيب الخمس، فيطلب فلا يوجد. وكان يبني على وضع عجيب لم يعرف أحد أن يبني مثله. ثمّ إذا وجد يحتج بحجّة فلم يزل يفعل هذا ستّين سنة. فلمّا فرغ من بنائه كان قصرا عجيبا لم يكن للملوك مثله. فرح به النعمان فقال له سنمار: اني لأعلم موضع آجرّة لو زالت لسقط القصر كلّه.

فقال له النعمان: هل يعرفها أحد غيرك؟ قال: لا! فأمر به فقذف من أعلى القصر إلى أسفله فتقطّعت أوصاله، فاشتهر ذلك حتى ضرب العرب به المثل فقال الشاعر:

جزاني جزاه اللّه شرّ جزائهجزاء سنمّار وما كان ذا ذنب
للشاعر عبد العزى بن امرئ القيس، اقرأ القصيدة
سوى رمّة البنيان ستّين حجّةيعلى عليه بالقراميد والسّكب
فلمّا رأى البنيان تمّ شهوقهوآض كمثل الطّود الشّامخ الصّعب
وظنّ سنمّار به كلّ حبوةوفاز لديه بالمودّة والقرب
فقال: اقذفوا بالعلج من فوق رأسهفهذا لعمر اللّه من أعجب الخطب

فصعد النعمان قلّته ونظر إلى البحر تجاهه وإلى البرّ خلفه والبساتين حوله، ورأى الظبي والحوت والنخل فقال لوزيره: ما رأيت أحسن من هذا البناء قطّ! فقال له وزيره: له عيب عظيم! قال: وما ذلك؟ قال: انّه غير باق! قال النعمان: وما الشيء هو باق؟ قال: ملك الآخرة! قال: فكيف تحصيل ذلك؟ قال: بترك الدنيا! قال: فهل لك أن تساعدني في طلب ذلك؟ فقال:

نعم. فترك الملك وتزهّد هو ووزيره، واللّه الموفق.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الثالث

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.