تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

حلب

مدينة عظيمة كثيرة الخيرات طيّبة الهواء صحيحة التربة. لها سور حصين وقلعة حصينة. قال الزّجّاجيّ: كان الخليل، ﵇، يحلب غنمه بها ويتصدّق بلبنها يوم الجمعة فيقول الفقراء: حلب، فسمّيت بذلك، ولقد خصّ اللّه تعالى هذه المدينة ببركة عظيمة من حيث يزرع في أرضها القطن والسمسم والبطّيخ والخيار والدخن والكرم والمشمش والتفاح والتين عذيا يسقى بماء المطر، فيأتي غضّا رويّا يفوق ما يسقى بالسيح في غيرها من البلاد؛ قال كشاجم:

أرتك يد الغيث آثارهاوأخرجت الأرض أزهارها
وما منعت جارها بلدةكما منعت حلب جارها
هي الخلد يجمع ما تشتهيفزرها، فطوبى لمن زارها

والمدينة مسوّرة بحجر أسود، وفي جانب السور قلعة حصينة لأن المدينة في وطاء من الأرض. وفي وسطها جبل مدوّر مهندم والقلعة عليه. ولها خندق عظيم وصل حفرد إلى الماء، وفي وسطه مصانع للماء المعين وجامع وبساتين وميدان ودور كثيرة، وفيها مقامان للخليل، ﵇، يزاران إلى الآن.

وفيها مغارة كان يجمع الخليل فيها غنمه. وفي المدينة مدارس ومشاهد وبيع، وأهلها سنّية وشيعية.

وبها حجر بظاهر باب اليهود على الطريق، ينذر له ويصبّ عليه الماورد المسلمون واليهود والنصارى؛ يقولون: تحته قبر نبيّ من الأنبياء، وفي مدرسة الحلاوى حجر على طرف بركتها كأنّه سرير، ووسطه منقور قليلا يعتقد الفرنج فيه اعتقادا عظيما، وبذلوا فيه أموالا فلم يجابوا إليه.

ومن عجائبها سوق الزجاج، فإن الإنسان إذا اجتاز بها لا يريد أن يفارقها،

لكثرة ما يرى فيها من الطرائف العجيبة والآلات اللطيفة تحمل إلى سائر البلاد للتحف والهدايا. وكذلك سوق المزوّقين ففيها آلات عجيبة مزوّقة.

ولهم لعب كلّ سنة أوّل الربيع يسمّونه الشلاق، وهو انّهم يخرجون إلى ظاهر المدينة وهم فرقتان تتقاتلان أشدّ القتال، حتى تنهزم إحدى الفرقتين فيقع فيهم القتل والكسر والجرح والوهي ثمّ يعودون مرّة أخرى.

ومن عجائبها بئر في بعض ضياعها إذا شرب منها من عضّه الكلب الكلب برئ، وهذا مشهور، قال بعض أهل هذه القرية: شرطه أن العضّ لم يجاوز أربعين يوما، فإن جاوز أربعين يوما لم يبرأ! وذكر أنّه أتاهم ثلاثة أنفس من المكلوبين وشربوا منه فسلم اثنان لم يجاوزا الأربعين، ومات الثالث وقد جاوز الأربعين. وهذه بئر منها شرب أهل الضيعة.

وحكى بعضهم أنّه ظهر بأرض حلب سنة أربع وعشرين وستّمائة تنّين عظيم بغلظ منارة وطول مفرط، ينساب على الأرض يبلع كلّ حيوان يجده، ويخرج من فمه نار تحرق ما تلقاه من شجر أو نبات، واجتاز على بيوت أحرقها والناس يهربون منه يمينا ويسارا حتى انساب قدر اثني عشر فرسخا، فأغاث اللّه تعالى الخلق منه بسحابة نشأت ونزلت إليه فاحتملته، وكان قد لفّ ذنبه في كلب فيرفع الكلب رفعة والكلب يعوي في الهواء والسحاب يمشي به، والناس ينظرون إليه إلى أن غاب عن الأعين؛ قال الحاكي: رأيت الموضع الذي انساب فيه كأنّه نهر.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الثالث

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.