من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
مرّيسة
قرية بمصر من ناحية الصعيد. تجلب منها الحمر المريسية، وهي من أجود حمر مصر وأمشاها وأحسنها صورة وأكبرها، تحمل إلى سائر البلاد للتحف، ليس في شيء من البلاد مثلها، والبلاد الباردة لا توافقها فتموت فيها سريعا.
وينسب إليها بشر المريسي المعتزلي. كان في زمن المأمون وزعم انّه يبين ان القرآن مخلوق وكلّ من شاء يناظره فيه. وكان دليله أن القرآن لا يخلو امّا أن يكون شيئا أو لم يكن، لا جائز أن يقال إن القرآن ليس بشيء لأنّه كفر، فتعيّن أن يكون شيئا، وقد قال تعالى: اللّه خالق كلّ شيء. فيكون خالقا للقرآن أيضا.
وقد غلب الناس بهذا وقبلوا منه وصاروا على هذا، فاتّصل هذا الخبر إلى مكّة إلى عبد العزيز المكّي، فقام قاصدا لبغداد لدفع هذه الغمّة، وسأل المأمون أن يجمع بينه وبين بشر بن غياث، فجمع بينهما وجرى بينهما مناظرات حاصلها أن عبد العزيز قد حجّه بدليله وقال: الإلهية شيء أو ليس بشيء، لا جائز أن يقال ليس بشيء لأنّه كفر، فتعيّن أن يكون شيئا؛ قال اللّه تعالى لبلقيس: وأوتيت من كلّ شيء، ينبغي أن تؤتى الإلهية فدليلك يدلّ على أن بلقيس إلاهة، فما ظنّكم بدليل يدلّ على أن المخلوق إله؟ فقيل لعبد العزيز: هذا نقض حسن، فما معنى قوله تعالى: اللّه خالق كلّ شيء؟ قال: معناه اللّه خالق كلّ شيء قابل للخلق والايجاد، والقديم غير قابل للخلق والايجاد، وكذلك قوله تعالى: وأوتيت من كلّ شيء، معناه كلّ شيء يحتاج إليه الملوك. فترى أوتيت الإلهية والنبوة والذكورة كلّها أشياء. فاستحسن المأمون ذلك ورجع القوم عن الاعتقاد الفاسد، وقام المريسي محجوجا خائبا.
وحكى عبد اللّه الثقفي قال: لمّا مات المريسي رأيت زبيدة في المنام فقلت لها:
ما فعل اللّه بك؟ قالت: غفر لي بأوّل معول ضربت في طريق مكّة، وأنا حفرت في طريق مكّة آبارا كثيرة. فقلت لها: اني أرى في وجهك صفرة! قالت:
قد حمل إلينا بشر المريسي فزفرت جهنّم زفرة لقدومه، هذه الصفرة من اثرها.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع