من «رحلة ابن جبير» لابن جبير (ت ٦١٤هـ)
نقل كسوة الأمير العراقي للكعبة
وفي يوم السبت، يوم النحر المذكور، سيقت كسوة الكعبة المقدّسة من محلة
الأمير العراقي الى مكة على أربعة جمال، تقدّمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السّوادية، والرايات على رأسه، والطبول تهر وراءه، وابن عمّ الشيبي محمد بن اسماعيل معها لأنه ذكر أن أمر الخليفة نفذ بعزله عن حجابة البيت لهنات اشتهرت عنه، والله يطهر بيته المكرم بمن يرضى من خدّامه بمنه. وهذا ابن العمّ المذكور هو أشبه طريقة منه وأمثل حالا، وقد تقدم ذكر ذلك في العزلة الأولى. فوضعت الكسوة في السطح المكرم أعلى الكعبة. فلما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المبارك المذكور اشتغل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة تقيد الأبصار حسنا، في أعلاها رسم أحمر واسع مكتوب في الصفح الموجه الى المقام الكريم حيث الباب المكرم، وهو وجهها المبارك، بعد البسملة: «ان أول بيت وضع للناس» الآية، وفي سائر الصفحات اسم الخليفة والدعاء له، وتحف بالرسم المذكور طرتان حمراوان بدوائر صغار بيض فيها رسم بخط رقيق يتضمن آيات من القرآن وذكر الخليفة أيضا. فكملت كسوتها، وشمرت أذيالها الكريمة صونا لها من أيدي الأعاجم وشدة اجتذابها وقوة تهافتها عليها وانكبابها.
فلاح للناظرين منها أجمل منظر، كأنها عروس جليت في السندس الأخضر، أمتع الله بالنظر اليها كل مشتاق الى لقائها حريص على المثول بفنائها بمنه.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع