من «رحلة ابن جبير» لابن جبير (ت ٦١٤هـ)
جامعها المكرم
هو من أشهر جوامع الإسلام حسنا، واتقان بناء، وغرابة صنعة، واحتفال تنميق وتزيين. وشهرته المتعارفة في ذلك تغني عن استغراق الوصف فيه. ومن عجيب شأنه أنه لا تنسج به العنكبوت ولا تدخله، ولا تلم به الطير المعروفة بالخطاف. انتدب لبنائه الوليد بن عبد الملك، ﵀، ووجه الى ملك الروم بالقسطنطينية يأمره بإشخاص اثني عشر ألفا من الصناع من بلاده، وتقدم اليه بالوعيد في ذلك ان توقف عنه. فأمتثل أمره مذعنا بعد مراسلة جرت بينهما في ذلك مما هو مذكور في كتب التاريخ. فشرع في بنائه، وبلغت الغايات في التأنق فيه، وانزلت جدره كلها بفصوص من الذهب المعروف بالفسيفساء، وخلطت بها أنواع من الأصبغة الغريبة، قد مثلت أشجارا، وفرعت اغصانا منظومة بالفصوص، ببدائع من الصنعة الأنيقة المعجزة وصف كل واصف، فجاء يغشي العيون وميضا وبصيصا. وكان مبلغ النفقة فيه، حسبما ذكره ابن المعلى الأسدي في جزء وضعه في ذكر بنائه، مئة صندوق، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار ومئتا أنف دينار، فكان مبلغ الجميع أحد عشر
ألف ألف دينار ومئتي ألف دينار.
والوليد هذا هو الذي اخذ نصف الكنيسة الباقية منه في أيدي النصارى وأدخلها فيه، لأنه كان قسمين: قسما للمسلمين وهو الشرقي، وقسما للنصارى وهو الغربي، لأن أبا عبيدة بن الجراح، ﵁، دخل البلد من الجهة الغربية، فانتهى الى نصف الكنيسة، وقد وقع الصلح بينه وبين النصارى، ودخل خالد بن الوليد، ﵁، عنوة من الجانب الشرقي وانتهى الى النصف الثاني وهو الشرقي، فاجتازه المسلمون وصيروره مسجدا، وبقي النصف المصالح علية وهو الغربي كنيسة بأيدي النصارى، الى ان عوّضهم منه الوليد، فأبوا ذلك، فانتزعه منهم قهرا وطلع لهدمه بنفسه، وكانوا يزعمون ان الذي يهدم كنيستهم يجنّ، فبادر الوليد وقال: انا أول من يجنّ في الله، وبدأ الهدم بيده، فبادر المسلمون وأكملوا هدمه. واستعدوا عمر بن عبد العزيز، ﵁، أيام خلافته وأخرجوا العهد الذي بأيديهم من الصحابة، ﵃، في ابقائه عليهم، فهمّ بصرفه اليهم، فأشفق المسلمون من ذلك ثم عوّضهم منه بمال عظيم أرضاهم به، فقبلوه.
ويقال: إن اول من وضع جداره القبلي هو النبي، ﵇. وكذلك ذكر ابن المعلّى في تاريخه، والله اعلم بذلك، لا اله سواه، وقرأنا في فضائل دمشق عن سفيان الثوري، ﵁، أنه قال: ان الصلاة فيه بثلاثين ألف صلاة. وفي الحديث عن النبي، ﷺ، أنه يعبد الله ﷿ فيه بعد خراب الدنيا اربعين سنة.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع