تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة العجائب وفريدة الغرائب» لسراج الدين ابن الوردي (ت ٨٥٢هـ)

ذكر أسماء يوم القيامة

هو يوم تعدد أساميه لكثرة معانيه: يوم القيامة. يوم الحسرة والندامة. يوم السابقة. يوم المناقشة. يوم المنافسة. يوم المحاسبة. يوم المسألة. يوم الزلزلة. يوم الندامة. يوم الدمدمة. يوم الآزفة. يوم الراجفة. يوم الرادفة. يوم الصاعقة. يوم الواقعة. يوم الداهية. يوم الحاقة. يوم الطامة. يوم الصاخة. يوم الغاشية. يوم القارعة. يوم النفخة. يوم الصيحة. يوم الرجفة. يوم الرجة. يوم الزجرة. يوم السكرة. يوم البقاء. يوم اللقاء. يوم البكاء. يوم القضاء. يوم الجزاء. يوم المآب. يوم المتاب. يوم الثواب. يوم الحساب. يوم العذاب. يوم العقاب. يوم المرصاد. يوم الميعاد. يوم التناد. يوم الانكدار. يوم الانفطار. يوم الانتشار. يوم الانفجار. يوم الافتقار. يوم الاعتبار. يوم الحشر. يوم النشر. يوم الجزع. يوم الفزع. يوم السباق. يوم التلاق. يوم الفراق. يوم الانشقاق. يوم الفلق. يوم الغرق. يوم العرق. يوم اليقين. يوم الدين " يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين ".

فكيف يا بن آدم المغرور، إذا نفخ في الصور، وبعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، وكورت الشمس وخسف القمر، وانتثرت النجوم، وعطلت البحار، وحشرت الوحوش، وزوجت النفوس، وسيرت الدبال، وعظمت الأهوا، وحشروا حفاةً ووقفوا عراة، ومدت لهم الأرض، وجمعوا فيها للعرض، من الهول حيارى، ومن الشدة سكارى، قد أظلهم الكرب، وأجهدهم العطش، واشتد بهم الحر، وعم الخوف، وجل العناء، وكثر البكاء، وفنيت الدموع، ولازموا الخضوع، ودهمهم القلق وعمهم العرق، وطاشت العقول؛ وشمل الذهول؛ وتبلبلت الصدور؛ وعظمت الأمور؛ وتحيرت الألباب وتقطعت الأسباب، ورأوا العذاب، وركبهم الذل، وخضعت رقاب الكل، وزلزلت الأقدام، وتبلدت الأفهام، وطال القيام، وانقطع الكلام، ولا شمس تضيء ولاق مر يسري ولا كوكب دري، ولا فلك

يجري، ولا أرض تقل، ولا سماء تظل، ولا ليل ولا نهار، ولا بحار ولا قفار. يا له من يبر تفاقم أمره وتعاظم ضره وعظم خطره، يوم تشخص فيه الأبصار بين يدي الملك الجبار " يوم لا ينفعُ الظالمين معذرتُهم ولهم اللعنةُ ولهم سوء الدار " قد خشعت لهوله الأصوات، وقل فيه الالتفات، وبرزت الخفيات، وظهرت الخطيات، وأحاطت البليات، وسيق العباد ومعهم الأشهاد، وتقلصت الشفاه وتقطعت الأكباد، وشاب الصغير، وسكر الكبير، ووضعت الموازين، ونشرت الدواوين، وتقطعت الجوارح، وارتعدت الجوانح، واتضحت الفضائح وأُزلفت الجنان، وسعرت النيران، ويؤمر بعد الخطب الجسيم والهوا العظيم للمقعد المقيم؛ إما بدار النعيم والرضوان، وإما بدار الجحيم والنير.

وهذه قصيدة جامعة لغالب ما تقدم من أحوال يوم القيامة

واسمها قلادة الدر المنثور في ذكر البعث والنشور

الله أعظم مما جال في الفكروحكمه في البرايا حكم مقتدر
مولىً عظيم حكيم واحد صمدٌحيٌّ قديم مريد فاطر الفطر
يا ربّ يا سامع الأصوات صلّ علىرسولك المجتبى من أطهر البشر
محمد المصطفى الهادي البشير هدىكلّ الخلائق بالآيات والسور
وآله والصحاب الكائنين بهكأنجمٍ حول من يسمو على القمر
أشكو إليك أموراً أنت تعلمهافتور عزمي وما فرّطت في عمري
وفرط ميلي إلى الدنيا وقد حسرتعن ساعد الغدر في الآصال والبكر
يا رّبنا جد يتوفيق ومغفرةوحسن عاقبةٍ في الورد والصدر
قد أصبح الخلق في خوفٍ وفي ذعروزور لهوٍ وهم في أعظم الخطر
وللقيامة أشراط وقد ظهرتبعض العلامات، والباقي على الأثر
قلّ الوفاء فلا عهدٌ ولا ذممواستحكم الجهل في البادين والحضر
باعوا لأديانهم بالبخس من سحتٍوأظهروا الفسق بالعدوان والأشر
وجاهروا بالمعاصي وارتضوا بدعاًعمّت، فصاحبها يمشي بلا حذر
وطالب الحق بين الناس مستتروصاحب الإفك فيهم غير مستتر
والوزن بالويل والأهواء معتبرٌوالوزن بالحقّ فيهم غير معتبر
وقد بدا النقص في الإسلام مشتهراًوبدّلت صفوة الخيرات بالكدر
وسوف يخرج دجّال الضلالة فيهرجٍ وقحطٍ كما قد جاء في الخبر
ويدّعي أنه ربّ العباد، وهلتخفى صفات كذوبٍ ظاهر العور
فناره جنّةٌ، طوبى لداخلهاوزور جنّته نارٌ من السعر
شهر وعشر ليالٍ طول مدّتهلكنها عجبٌ في الطول والقصر
فيبعث الله عيسى ناصراً حكماًعدلاً، ويعضده بالنصر والظفر
فيتبع الكاذب الباغي ويقتلهويمحق الله أهل البغي والضرر
وقام عيسى يقيم الحقّ متبعاًشريعة المصطفى المختار من مضر
في أربعين من الأعوام مخصبةٍفيكسب المال فيها كلّ مفتقر
وجيش ياجوج مع ماجوج قد خرجواوالبغي عمّ بسيلٍ غير منهمر
حتى إذا أنفذ الله القضاء دعاعيسى فأفناهم المولى على قدر
وعاد للناس عيد الخير مكتملاًحتى يتمّ لعيسى آخر العمر
والشمس حين ترى في الغرب طالعةًطلوعها آية من أعظم الكبر
فعند ذلك لا إيمان يقبل منأهل الجحود ولا عذرٌ لمعتذر
ودابةٌ في وجوه المؤمنين لهاوسمٌ من النور والكفار بالقتر
والخلف: هل فتنة الدّجال قبلهماأو بعد؟ قد ورد القولان في الخبر
وكم خرابٍ وكم خسفٍ وزلزلةوفيح نار وآياتٍ من النّذر
ونفخة تذهب الأرواح شدّتهاإلا الذين عنوا في سورة الزّمر
وأربعون من الأعوام قد حسبتنفخاً تبثّ به الأرواح في الصّور
قاموا حفاةً عراة مثل ما خلقوامن هول ما عاينوا سكرى بلا سكر
قوم مشاةٌ وركبان على نجبعليهم حللٌ أبهى من الزهر
ويسحب الظالمون الكافرون علىوجوههم، وتحيط النار بالشرر
والشمس قد أُدنيت والناس في عرقٍوفي زحام وفي كربٍ وفي حصر
والأرض قد بدّلت بيضاء ليس لهاخفضٌ ولا ملجأ يبدو لمستتر
طال الوقوف فجاءوا آدماً ورجواشفاعةً من أبيهم أول البصر
فردّ ذاك إلى نوحٍ فردّهمإلى الخليل، فأبدى وصف مفتقر
إلى الكليم، إلى عيسى، فردّهمإلى الحبيب، فلبّاها بلا حصر
فيسأل المصطفى فصل القضاء لهمليستريحوا من الأهوال والخطر
تطوى السموات والأملاك هابطةحول العباد لهولٍ معضلٍ عسر
والشمس قد كوّرت والكتب قد نشرتوالأنجم انكدرت ناهيك من كدر
وقد تجلى إله العرش مقتدراًسبحانه جلّ عن كيفٍ وعن فكر
فيأخذ الحقّ للمظلوم منتصفاًمن ظالمٍ جار في العدوان والبطر
والوزن بالقسط والأعمال قد ظهرتووزنها عبرةٌ تبدو لمعتبر
وكلٌ من عبد الأوثان يتبعهابإذن ربّي، وصار الكلّ في سقر
والمسلمون إلى الميزان قد قسمواثلاثةً، فاسمعوا تقسيم مختصر
فسابقٌ رجحت ميزان طاعتهله الخلود بلا خوفٍ ولا ذعر
ومذنب كثرت آثامه فلهشفعٌ بأوزاره، أو عفو مفتقر
وواحد قد تساوت حالتاه، له الأعراف حبسٌ وبين البشر والحصر
ويكرم الله مثواه بجنّتهبجود فضلٍ عميمٍ غير منحصر
وفي الطريق صراط مدّ فوق لظىكحدّ سيف سطا في دقة الشعر
والناس في ورده شتّى، فمستبقكالبرق والطير، أو كالخيل في النظر
ساعٍ وماشٍ ومخدوش ومعتلقناج، وكم ساقط في النار منتثر
للمؤمنين ورودٌ بعده صدرٌوالكافرون لهم وردٌ بلا صدر
فيشفع المصطفى والأنبياء ومنيختاره الملك الرحمن في زمر
في كل عاصٍ له نفسٌ مقصّرةوقلبه عن سوى الربّ العظيم بري
فأوّل الشّفعا حقاً وآخرهممحمدٌ ذو البهاء الطيّب العطر
مقامه ذروة الكرسيّ ثم لهعقد اللواء بعزٍّ غير منحصر
والحوض يشرب منه المؤمنون غداًكالأري يجري على الياقوت والدّرر
ويخلق الله أقواماً قد احترقواكانوا أولي العزة الشنعاء والنجر
والنار مثوىً لأهل الكفر كلهمطباقها سبعةٌ مسودّة الحفر
جهنمٌ ولظى والحطم بينهماثم السعير كما الأهوال في سقر
وتحت ذاك جحيمٌ ثم هاويةٌيهوى بها أبداً، سحقاً لمحتقر
في كل باب عقوبات مضاعفةوكل واحدة تطوى على النفر
فيها غلاظ شداد من ملائكةقلوبهم شدّة أقوى من الحجر
لهم مقامع للتعذيب مرصدةٌوكل كسرٍ لديهم غير منجبر
سوداء مظلمة شعثاء موحشةدهماء محرقة لوّاحة البشر
فيها الجحيم مذيبٌ للوجوه مع الأمعاء من شدة الإحراق والشرر
فيها الغساق الشديد البرد يقطعهمإذا استغاثوا بحرٍّ ثمّ مستعر
فيها السلاسل والأغلال تجمعهممع الشياطين قسراً جمع منقهر
فيها العقارب والحيات قد جعلتجلودهم كالبغال الدّهم والحمر
والجوع والعطش المضني ولا نفسٌفيها ولا جلدٌ فيها لمصطبر
لها إذا ما غلت فورٌ يقلّبهمما بين مرتفع منها ومنحدر
جمع النواصي مع الأقدام صيّرهمكالقوس محنيّةً من شدة الوتر
لهم طعام من الزقوم يعلق فيحلوقهم شوكةً كالصّاب والصبر
يا ويلهم عضّت النيران أعظمهم،والموت شهوتهم، من شدة الضجر
ضجّوا وصاحوا زماناً ليس ينفعهمدعاء داعٍ ولا تسليم مصطبر
وكلّ يوم لهم في طول مدّتهمنوع شديد من التعذيب والسعر
كم بين دار هوانٍ لا انقضاء لهاودار أمنٍ وخلدٍ دائم الدهر
دار الذين اتّقوا مولاهم وسعواقصداً لنيل رضاه سعي مؤتمر
وآمنوا واستقاموا مثل ما أُمرواواستغرقوا وقتهم في الصوم والسهر
وجاهدوا وانتهوا عما يباعدهمعن بابه، واستلانوا كل ذي وعر
جنّات عدن لهم ما يشتهون بهافي مقعد الصّدق بين الروض والزهر
بناؤها فضة قد زانها ذهبٌوعينها المسك والحصبا من الدّرر
أوراقها ذهبٌ، منها الغصون دنتبكل نوع من الرّيحان والثمر
أوراقها حلل، شفافةً خلقتواللؤلؤ الرطب والمرجان في الشجر
دار النعيم وجنّات الخلود لهمدار السلام، لهم مأمونة الغير
وجنة الخلد والمأوى، وكم جمعتجنات عدن لهم من مونقٍ نضر
طباقها درجات عدّها مائةٌكلّ اثنتين كبعد الأرض والقمر
أعلى منازلها الفردوس عاليهاعرش الإله فسل واطمع ولا تذر
أنهارها عسل ما فيه شائبةوخالص اللبن الجاري بلا كدر
وأطيب الخمر والماء الذي سلمتمن الصّداع ونطق اللهو والسّكر
والكلّ تحت جبال المسك منبعهايجرونه كيف شاؤوا غير محتجر
فيها نواهد أبكار مزيّنةيبرزن من حلل في الحسن والخفر
نساؤها المؤمنات الصابرات علىحفظ العهود مع الإملاق والضّرر
كأنهنّ بدور في غصون نقاعلى كثيب بدت في ظلمة السحر
كلّ امرئ منهم يعطى قوى مائةٍفي الأكل والشرب والإفضا بلا خور
طعامهم رشح مسكٍ كلما عرقواعادت بطونهم في هضم منضمر
لا جوع لا برد لا همٌّ ولا نصبٌبل عيشهم عن جميع النائبات عري
فيها الوصائف والغلمان تخدمهمكلؤلؤٍ في كمال الحسن منتثر
فيها غناء الجواري الغانيات لهمبأحسن الذكر للمولى مع السمر
لباسهم سندس، حلاّتهم ذهبولؤلؤ ونعيم غير منحصر
والذكر كالنفس الجاري بلا تعبونزّهوا عن كلام اللغو والهذر
وأُكلها دائم لا شيء منقطعكرّر أحاديثها يا طيّب الخبر
فيها من الخير ما لم يجر في خلدٍولم يكن مدركاً للسمع والبصر
فيها رضا الملك المولى بلا غضبسبحانه، ولهم نفع بلا غير
لهم من الله شيء لا نظير له:سماع تسليمه، والفوز بالنظر
بغير كيفٍ ولا حدٍّ ولا مثلٍحقاً كما جاء في القرآن والخبر
وهي الزيادة والحسنى التي وردتوأعظم المورد المذكور في الزّبر
لله قومٌ أطاعوه وما قصدواسواه إذ نظروا الأكوان بالعبر
وكابدوا الشوق والأنكاد، قوّتهمولازموا الجدّ والأذكار في البكر
يا مالك الملك جد لي بالرضا كرماًفأنت لي محسن في سائر العمر
يا ربّ صلّ على الهادي البشير لناوآله وانتصر يا خير منتصر
ما هبّ نشر صبا واهتز نبت رباوفاح طيب شذا في نسمة السحر
أبياتها تسع عشرٍ بعدها مائةٌكلامها وعظه أبهى من الدّرر

تم الكتاب بعون الله تعالى

النص من طبعة مكتبة الثقافة الإسلامية بالقاهرة (١٤٢٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة العجائب وفريدة الغرائب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.