من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)
ذكر المشهور من مدن أرض مصر
الصفحة ١ من ٢
منها مدينة مصر وهى الفسطاط الذي ذكرنا آنفا: وهى حاضرة بلاد مصر فيها من المبانى والمصانع والبساتين والغرف المشرفة على النيل والقصور ما يبهج العيون ويطرب المحزون.
مدينة القاهرة: محدثة من بناء العبيديّين الشيعة الذين كانوا بها، بينها وبين مصر نحو أميال. وهى مدينة كبيرة فيها من القصور والمبانى ما يعجز الوصف عنه وكانت دار مملكة العبيديين. وكان الحاكم من بنى عبيد قد بنى بين الفسطاط والقاهرة مسجدا عظيما على مشاهد كانت هناك، وجعل فيه سدنة وخدما يوقدون فيه السرج الليل كله. وذكر أنه أراد أن ينقل إليه جثة النبي ﷺ، وقد كانت توجهت له الحيلة فى ذلك غير أن الله دفع وأظهر الله تعالى أهل المدينة على ذلك وقاية لرسوله ﷺ وردا لكيد عدوه. وذلك أن الحاكم بذل الأموال لرجال من شيعته فمشوا إلى المدينة فاشتروا دارا تلاصق مسجد رسول الله ﷺ، وبذلوا فيها ما لا كثيرا، وأخذوا ذرع ما بين الدار والقبر، واحتفروا سربا عظيما حتى كادوا أن يصلوا إلى القبر المكرم، فأطلع الله أهل المدينة على ذلك، فقتلوا أولئك البغاة الفسقة ومثلوا بهم وردموا ذلك الحفير بالحجارة وأفرغوا عليها الرصاص فلا يطمع فى الوصول إلى مثل ذلك طامع أبدا
مدينة منف: مدينة عظيمة أزلية قديمة. وهى كانت دار مملكة الملوك القدماء، وكان بها فرعون موسى ﵇. وكان اتخذ لها بابا وفصل حيطان المدينة بالحديد والصفر، وفيها كانت الأنهار تجرى من تحت سريره وكانت أنهار. ذكر رجل من ولد على بن أبى طالب رضه، قال: رأيت بمنف دار فرعون، وكنت أمشى فى مشارفها ومجالسها وغرفها وجميع سقائفها وحجورها فإذا ذلك كله حجر واحد منقور. فإن كان بناء قد أحكم حتى صار فى الاستواء كحجر واحد لا يستبان فيه جمع حجرين ولا ملتقى صخرتين فذلك عجب، وإن كان جبلا واحدا فنقر الرجال فيه بالمناقير حتى خرقت فيه تلك المخارق فهو أعجب وأعجب.
مدينة دلاص: هى مدينة قديمة أزلية عجيبة البناء فيها غرائب؛ وهى كانت مجتمع سحرة مصر.
مدينة إخميم: وهى مدينة كبيرة أزلية قديمة فى الضفة الشرقية من النيل، وفيها أسواق وحمّامات ومساجد كثيرة. وداخل سورها البربى المتقدم الذكر، لم يتغير منه شئ. وفيها من عجيب المبانى والآثار ما يعجز الوصف عنه.
مدينة أسيوط: وهى مدينة قديمة أزلية مسورة على الجانب الغربى من النيل، جميلة القصبة كثيرة الفوائد وهى أكثر بلاد الله قصب السكر وأطيب؛ وفى وسط سوقها بربى تهدم بعضه.
مدينة عين الشمس: هذه مدينة قديمة أزلية وهى كانت مدينة فرعون، وفيها آثار كثيرة ومبانى عجيبة من أساطين الرخام وتماثيل ونقوش، وفيها بركة عظيمة وقد نقرت فى حجر صلد وحواليها كراسى من رخام، فكان يجلس فرعون عليها وتملأ بالخمر وحواليها أنهار العسل وأنواع المشروبات؛ وبالقرب منها صورة من رخام يخيل للناظر أنها تتكلم، ذكر أنها كانت ماشطة فرعون.
وبالقرب منها صنمان من حجارة كل صنم منها طوله أذرع، أحدهما يبكى والآخر يضحك. وهذه المدينة كانت فى طاعة والد زليخة زوجة العزيز، وكانت تعرف ببنت صاحبها.
مدينة أنصنا: وهى كانت مدينة السحرة فى زمن فرعون وأكثرها خراب.
وكان بها أيضا بربى لم يبق منه اليوم إلا بيت واحد كأنه من صخرة واحدة.
ويقال إن مارية القبطية التى أهداها المقوقس إلى النبي ﷺ كانت من كورة أنصنا، من قرية يقال لها جفن. ومدينة أنصنا لا يقربها التمساح والناس منه آمنون هناك. وأكثر ما يكون التمساح عدوانا بالشاطئ الذي يقابل أنصنا فى قرية يقال لها الأشمون، لا يقدر أحد أن يقرب من شاطئها، فإذا صارت التماسيح فى حد أنصنا تحولت على ظهورها حتى تجاوز حدها، وكذلك تصنع بفسطاط مصر فوق المدينة بنحو أميال حتى تخرج عن حد المدينة بمثل ذلك.
مدينة قوص: هى مدينة كبيرة أزلية قديمة فيها آثار كثيرة للأوائل، وبينها وبين مدينة أسوان غير ان منحوتة فى جبال هنالك فيها قبور الأموات لا يعلم لها عهد، تستخرج منها المومياء الطيبة، وهم يجدونها فى رممهم وبين أجفانهم. ويقال إن فى تلك الصحراء التى بين قوص وأسوان معادن الذهب، غير أن البجاة وهم جنس من الحبشة تمنع منه؛ وبلادهم بين بحر القلزم ونيل مصر، ويسكن عندهم جماعة من العرب من ربيعة بسبب هذا
المعدن. ويتصل ببلادهم معدن الزمرد الفائق الذي ليس له مثيل بعمور الأرض، وهو بموضع يعرف بالخربة فى مفازة وجبال محمية بالبجاة، وإليهم يؤدى الخفارة من يرد لحفر الزمرد. وبين هذا الموضع والنيل أكثر من مرحلة، وبين هذا المعدن والعمران مسيرة سبعة أيام. ولا يعرف معدن للزمرد غيره إلا ببلاد البلهرى من بلاد الهند ولا يلحق بهذا. والهندى هو الذي يعرف بالمكى لأنه يحمل إلى عدن فيؤتى به مكة فاشتهر بهذا الاسم.
والزمرد الذي يقطع من الخربة هو أربعة أنواع: فأعلاها الذي يعرف بالمرو، وهو كثير المائية تشبه خضرته السلق إلا أنه يضرب إلى السواد. والنوع الثانى هو البحرى فى لون ورق الآس، وإنما غلب عليه اسم البحرى لأن ملوك الهند والسند والصين يرغبون فيه، ويفضلونه على غيره من الزمرد. والنوع الثالث يعرف بالمغربى لأن ملوك المغرب والأفرنج والأندلس والجلاقة يتنافسون فيه.
والصنف الرابع وهو المسمى بالأصم، وهو أدناها وأقلها ثمنا لقلة مائه وخضرته وكثرة ركوده. وأكثر حجارة الزمرد الفائق يبلغ وزن العدسة دنانير، وهذا المعدن قد انهارت غيرانه وتهدمت لبعد العمارة عنه وانقطاع الناس.
ولا خلاف عند جميع من يقرب من موضع ذلك المعدن أن الحيات والأفاعى وسائر الحيوان المسموم لا يقرب هذا المعدن ولا حومته، وقيل إن هذه الحيوانات إذا بصرت بالزمرد الفائق سالت عيونها، وإن الملسوع إذا سقى منه وزن دانق برئ باذن الله تعالى. وكانت ملوك اليونانيين من أرباب الحكمة تفضله على جميع الأحجار، وأهل الحكمة يقولون إن شعاعه نورى وخضرته تقوى بزيادة القمر وامتلائه، والله تعالى فى علمه أسرار مخفية.
مدينة قفط: هى مدينة متوسطة المقدار أزلية لها سور، وبينها وبين مدينة قوص أربعة أميال وفيها بربى وبقربها شعراء كثيفة.
مدينة أسوان: هى آخر مدن مصر لأنها ثغر متصل ببلاد النوبة وهم كفرة، ولولا ما بين بلاد مصر وبلادهم من الجبال والأوعار التى تحول بينهم لأفسد النوبة بلاد مصر. والنيل إنما يهبط من بلاد النوبة على صخور وأوعار ولا يدخل ذلك الموضع مركب. ومن أسوان الطريق إلى عيذاب؛ وعيذاب مدينة على ضفة البحر الغربى المعروف ببحر القلزم. ومن عيذاب يعبر إلى ساحل الحجاز إلى جدة، ومن عيذاب يسلك إلى بلاد اليمن والهند وغير ذلك من البلاد.
ومن مدن مصر تنّيس ودمياط: وهما مدينتان قد غلب على أكثر أرضهما ماء البحر. فمدينة تنيس مدينة كبيرة أزلية فيها آثار كثيرة للأول، وأهلها ذو يسار وثروة وأكثرهم حاكه، وبها تحاك ثياب الشروب التى لا يصنع مثلها فى الدنيا. ويصنع فيها لصاحب مصر قميص لا يدخل فيه من الغزل سداة ولحمة غير أوقيتين وينسج من الذهب دينار، قد أحكمه صانعه حتى لم يحوج إلى تفصيل ولا خياطة غير الجيب والبنائق، والذي تبلغ القيمة فيه دينار. وقد أحكمه صانعه حتى لم يحتاج إلى تفصيل ولا خياطة غير ما قلنا، وكذلك إلى الآن يصنع لكل ملك من ملوك مصر هذا الثوب فى كل عام.
ويسمى هذا القميص البدنة، وليس فى جميع الدنيا طراز ثوب كتان يبلغ الثوب
منه وهو سادج دون ذهب دينار عينا غير طراز تنيس ودمياط. ويسكن بجزيرة تنيس ودمياط نصارى هم الآن تحت الذمة بحمد الله؛ ونحن فى سنة. وأهل تنيس يصيدون السمان وغير ذلك من الطير على أبواب دورهم، فإنهم يمدون شباكا فى سككهم عند أبواب دورهم، والسمان طير يجزع عند خروجه من البحر فيقع فى تلك الشباك. وكانت تنيس أخصب بلاد الله وأكثرها ثمارا وفاكهة، وكانت مقسومة بين ملكين أخوين من ولد أبريت بن مصر، وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا. فأنفق المؤمن فيها من أمواله فى وجوه البر حتى باع من أخيه الكافر حصته فى تنيس، فزاد فيها الكافر غروسا وأنهارا وبنى فيها مصانع، فاحتاج أخوه إلى ما فى يده فمنعه وسطا عليه بماله وحشمه وحقره لفقره، فقال له أخوه المؤمن: مالى أراك غير شاكر لله تعالى على ما رزقك ويوشك أن ينزع ذلك منك ويغير نعمته عنك.
فأرسل الله تعالى على جناته ومصانعه الماء فأضحت خاوية على عروشها؛ فهما اللذان عنى الله تعالى فى سورة الكهف ﷿: «واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا فكلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا» إلى آخر الآيات المحكمات.
وتركب السفن من تنيس إلى الفرما وهى [على] ساحل البحر.
مدينة الفرما: وهى مدينة كبيرة قديمة أزلية فيها آثار كثيرة عجيبة تدل على أنها كانت دار مملكة. ويقال إن الذي بناها هو الفرما الملك، ويذكر أهل مصر أن [ابن] المدبر لما ولى مصر وجه إلى الفرما لهدم أبواب من رخام بها فى شرقى الحصن احتاج إلى أن يعمل منها فرشا فى داره فمنع من ذلك أهل الفرما، وخرجوا إلى رسله بالسلاح، وقالوا هذه الأبواب التى ذكرها الله تعالى على لسان يعقوب: «يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وأدخلوا من أبواب متفرقة». ومن عجائب الدنيا نخل الفرما فإنها تثمر حين ينقطع البسر والرطب من جميع البلاد، فيكون رطب نخل الفرما بكانون الأول حين تلد النخل فى كل مكان فلا ينقطع أشهر، ولا يوجد هذا فى بلد من البلاد سوى الفرما؛ وهو تمر كبير يوجد فى وزن التمرة درهما وطولها فتر.
مدينة رشيد: وهى مدينة كبيرة على كثيب رمل عظيم، إذا هبت الريح الغريبة، وهى تشتد عندهم، ملأت عليهم سككهم وبيوتهم رملا فلا يقدرون على التصرف فى أسواقهم. وهم على ضفة النيل قرب البحر، ومن أعجب منتزهات الدنيا ضفة النيل من مصر إلى مدينة رشيد هذه، ولا غلة لثمار الأرض كغلة هذه الناحية. قال أبو عبيد البكري أن رجلا أخبره، من أهل تلك النواحى، أنه رأى ضيعة ما لأحد المصريين تغل فى رمانها وموزها خاصة ألف مثقال فى العام. قال، وهناك كانت ضيعة الليث بن سعد ﵀، قال قتيبة سمعت الليث بن سعد يقول: «يدخل على فى كل سنة ألف دينار ما وجبت عليها الزكاة قط، يعنى أنها من الفواكه التى لا تجب فيها الزكاة.
ذكر الفيوم: وهو قطر كبير فيه قرى كثيرة، يقال إن فيه من القرى عدة ما فى قطر مصر كله من القرى، فإن يوسف عم حين صنعه أنزل فى كل قرية أهل بيت من قرى مصر؛ وسير لكل قرية من الماء بقدر ما يروى أرضها من غير زيادة ولا نقصان. ويقال أيضا إن بالفيوم قرية على عدد أيام السنة لا تقصر عن الرى أبدا لحكمة شربها، فإذا نقص النيل فى سنة من السنين وغلا السعر بمصر مارت كل قرية منها مصر يوما. وحجر اللاهون بالفيوم من عجائب الدنيا واللاهون قرية كبيرة من قرى الفيوم. وهذا الحجر شاذروان مبنى بأحكم صنعة، مدرج على درجة فيها فوارات»
فى أعلاها وفى وسطها وفى أسفلها. فتسقى العليا الأرض العليا، والوسطى الأرض الوسطى، والسفلى الأرض السفلى بوزن وقدر لا ينقص لأحد من دون حقه ولا يزاد له فوق حقه. وهو من أحكم البنيان وأتقنه؛ قيل من ذلك الوقت عرفت الهندسة؛ وذكر كثير من الناس أن يوسف عم عمله بالوحى. ولم تزل الملوك من الأمم تقصد هذا الموضع ويتأملون حسن صنعته ويتعجبون من غرائب حكمته، ويقال إن الملك المعاصر ليوسف عم لما تأمله قال هذا من ملكوت السماء، وهو من البناء الذي يبقى على غابر الأزمان؛ ويقال إنه عمل من أشياء: من الفضة والنحاس والزجاج؛ وفى الضفة الغربية منه مسجد يوسف ﵇. والفيوم يشرب من ذراعا، وليس بأرض مصر موضع يشرب من ذراعا غير الفيوم لحكمة بنيان حجر اللاهون، وإنما رى أرض مصر من ذراعا، فإذا زاد النيل على قطع الماء عن الفيوم. فإذا كان يوم زيادته سد حجر اللاهون، وحضر ذلك شهود أهل تلك الجهة والمهندسون وأمروهم بالطبول والبنود فلم يكن لمن يدعى نقصان الماء عذر، وخرجت الإرسال عند ذلك بالبشائر إلى مصر، وهو عندهم يوم سرور ونزهة. وأهل الفيوم يزدرعون والماء باق على جميع أرض مصر ولم يتم جريه، فإذا كان حصاد أهل مصر كان
ذلك أول السقية الثانية لأهل الفيوم فإنهم يزدرعون فى العام مرتين، ويزدرعون السقية الثانية القمح والشعير والأرز فضلا عن القطانى. والفيوم أخصب بلاد الله تعالى وأكثرها فاكهة، لا يعدم بها التمر والرطب شتاء ولا صيفا، ولذلك غلتها أكثر جبايات بلاد مصر.
قال عبد الملك بن حبيب إنما سميت الفيوم لأن أخراجها ألف دينار كل يوم.
والفيوم فى وسط بلاد مصر فلا يؤتى إلى كورة الفيوم من ناحية من النواحى إلا من صحراء أو مفازة، ذكر ابن عفر وغيره أن عمرو بن العاص لما فتح بلاد مصر أقام سنة لا يعلم أين موضع الفيوم ولا حيث مكانه حتى بعث عمرو قيس بن الحارث إلى ناحية الصعيد يبحث عن الفيوم، فسار حتى أتى القيس وبه سميت. فأبطأ على عمرو خبره فقال من يأتنا بخبر قيس، فقال ربيعة بن حبيب أنا آتيك به، فركب فرسا له أنثى فجاز بها النيل من الجهة الشرقية وكان معه عمرو بن ربيعة بن حبيب بن الصدفى وأصحابهم، فمشوا فلما سلكوا فى المجابة لم يروا شيئا وهموا بالانصراف، ثم ساروا قليلا فطلع له سواد الفيوم فطلبوا قيسا فوجدوه فى القيسيين فأتوا عمرو بخبر الفيوم.
مدينة الإسكندرية: ذكر أن اسمها بردة ولها كورة، قالوا كانت الإسكندرية مدن كبار بعضها بجنب بعض: منها شنة وهى موضع المنار وما إلى ذلك؛ والإسكندرية اسم قصبة السلطان وموضعه وهى باقية إلى اليوم؛ والمدينة
الثالثة نقيطة. وكان على كل واحدة منها سور، وقيل إنه كان على الإسكندرية مدن كبار و أسوار ب خنادق. وكان أصل بنائها أن الإسكندر استقام له ملكه فى بلاده، وكانت بلاده رومة وما إلى ذلك من بلاد الروم، وكان فيما يقال روميا، فيقال إنه خرج يختار أرضا صحيحة الهواء والتربة والماء يبنى بها مدينة يسكنها، فأتى موضع الإسكندرية فأصاب به أثر بنيان وعمد رخام منها عمود عظيم مكتوب عليه بالقلم المسند، وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد: «أنا شداد بن عاد، سددت بساعدى الوادى وقطعت عظيم العماد من شوامخ الجبال والأوطاد، وبنيت إرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد.
أردت أن أبنى هنا مدينة كارم وأنقل إليها كل ذى قدم من القبائل والأمم، فأصابنى ما أعجلنى وعما ذهبت إليه قطعنى، فارتحلت عن هذه الدار، لا لقهر ملك جبار ولا بخوف جيش جرار، ولكن لتمام المقدار، وانقطاع الآثار، وسلطان العزيز الجبار. فمن رأى أثرى وعرف خبرى وطول عمرى فلا يغتر بالدنيا بعدى». قيل فلما رأى الإسكندر طيب أرض ذلك المكان وصحة هوائه وما به عزم على بنيان مدينة بذلك الموضع، فبعث إلى البلاد فحشد الصناع واختط الأساس، واستجلب العمد والرخام وأنواع المرمر الملون والأحجار فى البحر من جزيرة صقلية وبلاد إفريقية وأقريطش.
فلما اختط أساس المدينة كلها وحفره أراد أن يكون إنزال البناء فى وقت سعادة وبقاء على الدهور، فوضع على حفير الأساس عمود رخام وعلى كل
قطعة من الأرض خشبة قائمة، ووصل بها حبالا منوطة بعضها ببعض يرجع جميعها إلى عمود الرخام، وعلى العمود جرسا عظيما وعلى كل قطعة من تلك الحبال جرسا صغيرا، فإذا حركوا حبل الجرس الكبير على العمود وخفق تحركت سائر الحبال وخفقت الأجراس. وأقام الإسكندر يرقب الوقت المحمود، وأمر الصناع إذا سمعوا تحريك الأجراس أن يضعوا الأساس دفعة واحدة وقد كانوا استعدوا لذلك. فبينما الإسكندر يرقب الوقت أصابته سنة، فوقع غراب على حبل الجرس الكبير فحركه فتحركت جميع الأجراس، فوضع البناؤون فى تلك الساعة الأساس. وارتفع الضجيج بالتحميد والتسبيح فاستيقظ الإسكندر لضجيجهم، فسأل عن الخبر فأعلن، فعجب من ذلك، وقال: «أردت أمرا فأراد الله غيره ويأبى الله إلا ما يريد، أردت طول بقائها وأراد الله سرعة بنائها».
ثم تمادى على عملها وبنى المدينة على آزاج وطبقات قد عمل لها مخاريق ومتنفسات للضوء، يسير الفارس وبيده رمح طويل فلا يضيق به طريق من تلك الآزاج حتى يدور جميع الإسكندرية. وكذلك كانت أسواقها مقنطرة فلا يصيب أهلها المطر. وبنى أسوارها من أنواع الرخام الأبيض والملون، وكذلك جميع قصورها ودورها، فكانت تضيء بالليل بغير مصباح لشدة بياض الرخام، وربما علت على أسوارها شقاق الحرير الأخضر لاختطاف بياضها أبصار الناس. وبنى عليها أسوار وأمام كل سور خندق، وبين كل خندق وسور فصيل.
ويقال إنها كانت أعظم مدينة بنيت فى معمور الأرض وأغربها بنيانا، فقيل إنه كان سكان البحر يؤذون الناس ويختطفونهم بالليل، فاتخذ الإسكندر الطلسمات مصورة على أعمدة رخام على هيئة شجرة السرو، طول العمود منها ذراعا، وهى باقية إلى هذه الغاية. يقال إنها على أعمدة نحاس قد خرقت الأرض فصورت
فيها أشكال وصور تمنع وتدفع. وبنى المنار على طرف اللسان الداخل فى البحر من البر، وجعله على كرسى من زجاج على هيئة السرطان فى جوف البحر، وجعل طوله فى الهواء ألف ذراع، وجعل فى أعلاه المرآة.
وكانت المرآة قد ركبت من أخلاط غريبة فيبصر فيها ما يأتى من مراكب العدو على مسيرة أيام فيتأهب لهم، فإن قربت المراكب من البلد عملت أخلاط بأدهان يعرفونها وطليت بها المرآة وعكس شعاعها على تلك المراكب فأحرقتها.
وجعل فى المنار تماثيل من نحاس وطلاسم كثيرة تمنع وتدفع ولها خواص، فمنها تمثال قد أشار بسبابة يده اليمنى نحو الشمس حيث كانت من مشرق أو مغرب أو أفق فيدور معها، وتمثال يشير بيده نحو العدو إذا كان منه على مقدار ليلة، فإن دنا وأمكن أن يرى بالبصر يسمع لذلك التمثال صوت هائل على ميلين أو ثلاثة.
وتمثال آخر كلما مضى من الليل أو من النهار ساعة سمع له صوت طرب بخلاف الصوت الذي كان منه قبل ذلك. وقد اختلف الناس والرواة فى أمر بناء هذا المنار فمنهم من رأى أنه من بناء الإسكندر؛ ومنهم من رأى أن دلوكه الملكة بنتها؛ ومنهم من رأى أن جيرون الملك المتقدم الذكر بناها. وقيل إن الذي بنى الأهرام بناها، وقيل إن الذي بنى رومة المدينة العظمى بنى الإسكندرية وبنى منارتها. وإنما أضيفت الإسكندرية إلى الإسكندر لسكناه بها وغلبته ممالك الأرض منها. وقيل إن الإسكندر كان لا يخاف أن يطرقه عدو فى البحر ولا يهاب ملكا يرد عليه فيجعل لذلك مرقبا وحراسا. قال عبد الله بن عمرو
ابن العاص إن أول من ملك الإسكندرية فرعون واتخذ فيها مصانع ومجالس، وهو أول من عمرها ثم تداولها الملوك بعده، وإن سليمان بن داود عم اتخذها مسكنا وبنى فيها قصورا ومصانع عجيبة من بناء الجن، وبنى فى المنار مسجدا متقنا وهو باق إلى الآن. والأصح أن الإسكندر بناها من أولها واختط أساسها وبنى المنار فيها وعمل المرآة فى أعلاها، فيقال إنه ما ظهر العدو فى البحر ولا ضرب بأسيافه الإسكندرية إلا بعد زوال تلك المرآة، وكان زوالها فى خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان. وذلك أن ملك الروم أعمل الحيلة فى زوال المرآة من المنار، فبعث خادما من خواص خدمه ذا دهاء ورأى ومعرفة بما يتناول من أشغاله، فجاء مستأمنا إلى بعض الثغور. فحمل إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان فأعلمه أنه كان من خواص ملك الروم وأنه أراد قتله لموجدة لم يكن لها حقيقة، وأنه هرب منها ورغب فى الإسلام فأسلم بين يدى الوليد؛ وأظهر له النصح فى أشياء خدمه فيها. ثم إنه استخرج له دفائن فى بلاد دمشق وغيرها من بلاد الشام بكتب كانت عنده، فلما رأى ذلك الوليد شرهت نفسه وتمكن طمعه وباحثه عما عنده من هذا الفن؛ فقال له إن الإسكندر استولى على ممالك العالم، واحتوى على الأموال والذخائر التى كانت لشداد بن عاد وغيره من ملوك العرب والعجم والفرس وغيرهم من الأمم؛ فبنى لها الآزاج والأسراب والأخباء، وأودعها تلك الذخائر والأموال والجواهر ثم بنى فوقها تلك المنارة التى بالإسكندرية. فلو هدم ذلك المنار استخرج من تحته من الأموال والذخائر والكنوز وما لا عين رأت؛ فصدق ذلك الوليد وطمع فيه، وبعث معه من خواصه وثقاته من يقف على هدم المنار، وأمر صاحب الإسكندرية أن يعينه على جميع ما يريد، فهدم ذلك الرومى قدر نصف المنار وأزال المرآة التى كانت غرضه وأراد هدم الكل، فضج أهل
الإسكندرية، وعلموا أنها مكيدة وحيلة. فلما استفاض ذلك خشى الرومى على نفسه، وهرب فى الليل فى مركب كان قد أعده لذلك الوقت؛ وبقيت المنارة على ذلك المقدار إلى هذا الوقت.
صفة المنارة اليوم: هى اليوم أحزم؛ أما الحزام الأول فهو مربع البناء، قد عمل أحسن عمل بحجارة مربعة قد خفى التصاقها حتى صارت كالحجر الواحد لم يغيره الزمان، ارتفاعه ذراعا. ثم ترك فى أعلاه قدر غلظ الحائط وهو أصابع ونحو أذرع سوى ذلك الغلظ؛ ورفع على ما بقى من البناء بناء مثمن الشكل طوله ذراعا. ثم ترك قدر غلظ حائطه وهو أقل من غلظ الأسفل وهو نحو أذرع سوى ذلك [الغلظ]؛ ثم أقيم عليه بناء مربع الشكل ارتفاعه ذراعا ونحوها. وفى أعلا ذلك مسجد محكم البناء ويقال إنه مسجد سليمان. وفى الناحية الشمالية من البناء كتابة من النحاس لم يقدر أحد على فكها ولا معرفة ما هى. وباب المنارة حديد لا يعلم له عهد، ويرقى إلى الباب من أسفل المنارة فى علوة لا تتبين، وكذلك إلى أعلا الحزام الأول فى طريق يمشى فيه فارسان متناكبان فى أرض سهلة لا يكاد الراقى يعلم فيه
هل هو راق أو ماش؛ فى كل عطف من هذا المصعد باب دار داخلها بيوت مربعة، سعة كل بيت منها ذراعا إلى أذرع، قد فتح له مضاو ومنافس للهواء لئلا تهدمها الرياح. وعدد ما فى المنار من البيوت بيتا»
، وعطف مطالعها من أسفلها إلى أعلاها عطفا وفى كل عطف درجة. وبيوتها كلها آزاج معقودة، وبناء المنار كله معقود بخشب الساج، وعدة أبوابها الظاهرة خارجا بابا، فتحت لتخرقه الرياح ولولا ذلك لهدمته. وهذا المنار من دخله ولم يعرف مسالكه تاه فيه وضل لأن فيه طرقا تولى إلى أسفله وإلى سرطان الزجاج المتقدم الذكر وإلى البحر. ويقال إن جيش صاحب المغرب حين وصل الإسكندرية وذلك فى خلافة المقتدر، دخل جماعة منهم المنار على خيولهم ليروا ما فيه من الغرائب، فتاهوا وتهوروا هم ودوابهم وفقد منهم عدد كثير. وقد كان البحر أثر فى أسفل المنارة من غربيها كالكهف العظيم فسد بعض أمراء مصر- أظنه من العبيديين - ذلك الثلم بأساطين الرخام بعضها فوق بعض. فالبحر يضرب اليوم فى تلك الأساطين فلا يؤثر فيها شيئا.
وفى جهة الشمال من المنار بناء عظيم عريض ارتفع من قعر البحر حتى ظهر على وجه الماء، يدل على أنه كانت عليه مصانع قد ذهبت، ويسمى ذلك البنيان الفاروس؛ تحته ترسو السفن لأنه يكف عنها الرياح والموج. وقد زعم قوم أن ذلك الظاهر ليس بيتا وإنما هو ما هدم من حجارة المنار الذي ذكرنا.
قال بعض العارفين إذا أردت أن تبصر ارتفاع المنار وعلوه من الجو فاخرج من الإسكندرية من باب أشتوم، وتسير على ضفة البحر نحو نصف ميل ثم تسير نحو الشمال مقدار ذلك ثم تسير على بناء فى البحر كالقناطر ولها منافس والبحر يضرب من ناحيتها نحو خطوه، فإذا خرجت من ذلك البناء سرت
فى فضاء داخل فى البحر كأنه جزيرة والمنارة فى أعلا هضبة منها. وقد أحاط البحر بالمنارة من جهات: من ناحية الشمال والغرب والجنوب؛ فتنظر حينئذ إلى المنارة فتراها كأنها سحابة قد ارتفعت فى الجو، فتظن أنها ترتعد من انعكاس شعاع الشمس وضرباته فى المنارة.
ولهذه المنارة بالإسكندرية مجتمع فى العام يسمونه بخميس العدس، وهو أول خميس فى شهر مايه لا يختلف فى مدينة الإسكندرية عن الخروج إلى المنار فى ذلك اليوم أحد. وقد أعدوا لذلك اليوم الأطعمة والأشربة، ولابد فى ذلك الطعام من العدس. فيفتح بابها للناس ويدخلون فيها، فمن ذاكر لله تعالى ومن مصل ومن لاه ومتفرج، فيقيمون إلى نصف النهار ثم ينصرفون.
ومن ذلك اليوم بعينه يحترس البحر. وفى المنارة قوم مرتبون يوقدون النار الليل كله فى الحزام الأول، فيؤم أهل السفن سمت تلك النار من جميع البلاد؛ ويوقد صاحب السفينة النار فى سفينة فإذا رأى المحترسون النار فى البحر، زادوا فى وقود النار وأوقدوها من جهة المدينة؛ فإذا رأى ذلك محترسو المدينة ضربوا البوقات والأجراس حذرا من العدو.
وكان حول المنار مغائض يستخرج منها أنواع من الأحجار يتخذ منها فصوص الخواتم، مثل الاسبادشيخ ومثل الكركهن والباقلمون وغير ذلك من الأحجار الغريبة التى لا توجد فى هذا الزمان ولها خواص. وهذا الباقلمون حجر يتلون ألوانا مختلفة عند النظر إليه كلون ريش الطواويس الهندية؛ فإن ألوان ريشها أحسن ألوانا من هذه الطواويس التى بهذه البلاد. ولطواويس الهند جمال عظيم وخلق عجيب، تتمازج ألوان ريشها وتترادف فيها فيرى لها منظر عجيب؛ وأصلها من الهند وما خرج منها من ديار الهند صغر حجمه وكدر لونه كما يفعل ما نقل من النارنج والأترج من بلاد الهند، فإنها تصغر وتعدم تلك الروائح العطرية لعدم ذلك الهواء والتربة. قيل وكان حول المنار من تلك الجواهر كثير، فيقال إن الإسكندر أغرق ذلك حول المنار فيوجد هناك إذا طلب، ويكون ذلك الموضع أبقى لها ويرى الناس على مر الدهور عظيم ملكه
وما قدر عليه لوجود ما عز عند غيره مطلبه. وقيل أيضا إنها كانت آلات شراب الإسكندر، فيما مات كسرتها أمه ورمت بها فى تلك المواضع غيرة أن ينتفع بها أحد. والقصر الأعظم الذي كان بالإسكندرية، لم يكن له على معمور الأرض نظير، هو اليوم خراب. وهو على ربوة عظيمة بإزاء باب المدينة طوله ذراع وعرضه على النصف من ذلك ولم يبق منه إلا بعض سواريه؛ وبابه من أحكم بناء وأتقنه على عضادة من حجر واحد، وعتبته حجر واحد؛ فيه نحو أسطوانة قائمة غلظ كل واحدة نحو عشرة أشبار.
النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع