من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)
ذكر المشهور من مدن أرض مصر
الصفحة ٢ من ٢
وفى نحو الشمال منه أسطوانة عظيمة لم يسمع بمثلها، غلظها شبرا وهى من العلو بحيث لايدرك أعلاها قاذف بحجر، وعليها رأس محكم الصناعة يدل على أن بناء كان عليها، وتحتها قاعدة من حجر أحمر مربع الشكل محكم عرض كل ضلع من أضلاعه شبرا فى ارتفاع أشبار. والأسطوانة منزلة فى عامود من حديد قد خرقت به الأرض، فإذا اشتدت الرياح رأيتها تتحرك وربما جعلت تحتها الحجارة فتطحنها لشدة حركتها. وهذه الأسطوانة من إحدى أعاجيب الدنيا، ويقال إن الجن صنعتها لسليمان بن داود عم. وكانت وسط قبة وحولها أساطين، وأعلا الكل قبة تشبه الصحفة من حجر واحد رخام أبيض بأحسن صنعة وأغرب إتقان. فلما مات سليمان بن داود عم، رفعت الجن تلك القبة ورمت بها فى البحر، فإنها كانت من غرائب ما عملت الجن لسيدنا سليمان بن داوود عم. قال حمزة بن محمد المصرى إن بعض ملوك مصر دخل الإسكندرية ورأى قصرها فنظر إلى قصر عجيب الشأن غريب البنيان من بناء الأولين، فعا الصناع وسألهم أن يبنوا له مصله فقالوا له لا نقدر على ذلك، فعزم عليهم فقالم إليه شيخ وقال: أنا أبنى لك مثله وأحسن منه إن فعلت لى ما أريد، قال بلى، قال: ايتوني بثورين مطيقين وعجلة فأمر له بذلك فدخل
مقابر الأولين واحتفر قبرا منها واستخرج جمجمة عظيمة، فوضعها فى العجلة فما جرها الثوران إلا بعد مشقة وجهد، فجاءه فقال أصلح الله الأمير إن أعطيتنى من تكون رؤوسهم مثل هذا الرأس بنيت لك مثل هذا القصر، فعلم أنه لا يقدر على ذلك. وقال حمزة بن محمد أيضا: رأيت بالاسكندرية قصابا عنده ضرس يزن به اللحم زنته أرطال. وكان بالإسكندرية دار ملعب قد تهدم أكثرها، وكانت قد بنيت بضروب من الحكمة، وكانوا يجلسون فيها لقضاء حوائجهم، فكان كل جالس فيها إنما جلسوه تلقاء وجه صاحبه ولا يخفى على أحد منهم شئ من حال غيره، يتساوى قريبهم وبعيدهم فى ذلك. وكان لهم يوم مهرجان يجتمعون فيه فى هذا الملعب، ويحضره رؤساؤهم وأبناء ملوكهم وعامتهم، ويلعب فيه الصبيان والفتيان بالصوالج وبينهم كرة. فإن دخلت تلك الكرة كم رجل ممن حضر فى ذلك اليوم فلابد له من ولاية مصر؛ كان هذا عيدهم معروف لا ينكره أحد. وكان عمرو بن العاص ﵀ قد سافر إلى الإسكندرية فى الجاهلية تاجرا بالقطن والأدم، فحضر ذلك الملعب فى ذلك اليوم، فلعبوا فيه بالكرة فدخلت كم عمرو بن العاص حتى أتى الله بالإسلام فكان ما قدر الله تعالى من دخول عمرو مصر وولايتها مرات.
والإسكندرية تعجب كل من رآها لبهجتها وحسن منظرها، وارتفاع مبانيها وإتقانها وسعة شوارعها وطرقاتها. وهى برية بحرية، وفيها من النعم والأرزاق والفواكه ما ليس ببلد مع طيب هوائها وتربتها. وقد ذهب بعض المفسرين
إلى أن إرم ذات العماد هى الاسكندرية. وقال الناظرون فى الأعمار فى جميع الأقاليم والأمصار: لم تطل أعمار الناس فى بلد من البلدان كطولها بمريوط ووادى فرغانة؛ ومريوط قرية من قرى الإسكندرية بالقرب منها؛ وهى كبيرة ولها بساتين كثيرة ومنها تجلب الفواكه إلى الإسكندرية. ويروى أن عوف بن مالك حين دخل مدينة الإسكندرية قال لأهلها: «ما أحسن مدينتكم»، فقالوا له إن الإسكندر حين بناها قال: «أبنى مدينة إلى الله فقيرة وعن الناس غنية» فبقيت بهجتها على مر الدهور. وكان الفرما أخو الإسكندر بنى مدينة الفرما وقال: «إنى أبنى مدينة عن الله غنية وإلى الناس فقيرة»، فذهبت بهجتها ولا يزال ينهدم منها كل يوم شئ لا يجبر أبدا ويقال إن عمر بن عبد العزيز لما دخل الإسكندرية، وكان إذ ذاك والى مصر، ورأى عظمتها وسعة آثارها وعلم أنها كانت مدينة كبيرة قال لعاملها وكان من أهلها: «أخبرنى كم كان عدد سكان الإسكندرية فى أيام الروم»؛ فقال له: «والله لا أدرك علم ذلك أحد إلا الله وحده، ولكنى أخبرك كم كان عدد رؤسائهم ورؤسائها وملوكها فإن ملك الروم أمر بإحصائهم، وكتب ذلك فى تواريخهم وكتبهم، فوجدهم ألف ملك.
والدليل على عظم شأنها وكثرة ملوكها أن المطر إذا نزل فيها نزولا شديدا وسال ترابها مع الماء، خرج من فيها من الرجال والنساء والصبيان والضعفاء يلتمسون حواليها، فيجدون قطع الذهب والفضة من الحلى وغيره والياقوت والزمرد وأنواع الجواهر، وليس يرجع أحدا منهم بغير شىء.
ومدينة الاسكندرية أعظم مدن مصر؛ وبلاد مصر كلها فيها من العجائب والغرائب ما يعجز عنه الواصفون. ذكر أن أحمد بن طولون كان صاحب مصرفى سنة نيف ومائتين وكان مولعا بمعرفة هذه الآثار القديمة والعجائب، فذكر له أن رجلا من الأقباط بأرض الصعيد، وهى من أعالى بلاد مصر، له نحو سنة، وهو ممن عنى من لدن حداثته بالعلم والإشراف على الآراء وانتحل من مذاهب المتفلسفين وغيرهم، وأنه علامة بالممالك والملوك ومعرفة بهيئة الأفلاك والنجوم؛ وكان نصرانيا على مذهب اليعاقبة. فبعث ابن طولون إليه قائدا من قواده فحمله إليه فى النيل مكرما؛ وكان الشيخ قد انفرد عن الناس فى بنيان قد اتخذه وسكن فى أعلاه، وكان قد رأى الرابع عشر من ولده. فلما وصل إلى أحمد بن طولون أكرمه وأبره وأسكنه بعض مقاصيره ومهد له موضع جلوسه وحمل إليه لذيذ المأكل والمشرب، فأبى الشيخ أن يتغذى أو يلبس إلا ما حمل مع نفسه من كعك وسويق ونحوها، وقال هذه بنية قوامها بما ترون من الغذاء والملبس فإن أنتم سمتمونى النقل على العادة كان ذلك سبب انحلال البنية ويفوتكم منى ما تطلبونه، فتركه ابن طولون وما يريده. ثم أحضره مجلسه مع أهل الدراية من أصحابه وخواص مجلسه وصرف إليه همته وغرضه؛ فلما سأله عن بحيرة تنيس ودمياط المتقدم ذكرهما، قال كان موضع البحيرة أرضا لم يكن بديار مصر مثلها لطيب التربة وذكاء الربيع؛ وكانت جنات متصلة ولم يكن بمصر كورة يقال إنها تشبه الفيوم إلا هى وحدها، وكانت أكثر فاكهة منه؛ وكان الماء ينحدر إلى قرى موضع البحيرة صيفا وشتاء يسقون منه متى شاءوا، وفضلة الماء تصب فى البحيرة. وكان بين العريش وقبرص طريق مسلوكة فى يبس، وبينهما اليوم مسير طويل فى البحر، فلما كان قبل استفتاح المسلمين بلاد مصر ب سنة طما ماء البحر وزاد فأغرق القرى التى كانت فى موضع البحيرة، وما كان منها فى البقاع المرتفعة فهى باقية إلى الآن قد أحاط بها الماء. وقال وعند هذه الزيادة التى زادها ماء البحر، طغى الماء على القنطرة التى كانت بين بلاد الأندلس وبين
ساحل طنجة من أرض المغرب. وكانت قنطرة عظيمة لا يعلم فى معمور الأرض مثلها، مبنية بالحجارة، تمر عليها الإبل والدواب من ساحل المغرب إلى الأندلس، وكان طولها ميلا فى عرض واسع وسمو كبير؛ وربما بدت هذه القنطرة لأهل السفن تحت الماء فعرفوها.
وسئل عن ممالك الحبشة والأحابيش التى على النيل، فقال ألفيت منهم ملكا كل ملك منهم ينازع من يليه. قال وبسبب استحكام النارية فى بلادهم، تكون عندهم معادن الذهب كثيرة، فإن حرارة الشمس ويبسها يغير الفضة ذهبا، فإذا طبخ ذلك الذهب بالملح والزاج والطوب، خرج ما فيه من الفضة.
وسئل عن منتهى النيل فى أعلاه، فقال أصله من البحيرة التى لا يدرك طولها ولا عرضها، وهى تحت خط الاستواء تحت قنطرة الفلك المستقيم؛ وهو الموضع الذي فيه الليل والنهار متساويان الدهر كله.
وسئل عن الأهرام، فقال إنها قبور الملوك؛ وكان الملك إذا مات وضع فى حوض من رخام ثم أطبق عليه وبنى له هرم على قدر همة وليه، ثم يوضع الحوض فى وسط الهرم ويصنع باب الهرم تحت الحوض، ثم يحفر له طريق فى الأرض ويعقدونه آزاجا. فقيل له فكيف هذه الأهرام المملسة وكيف كانوا يصعدون لبنائها؛ فقال كانوا يبنون الهرم مدرجا ويصعدون لبنائه فإذا فرغوا من عمله نحتوه. قيل له وكيف كانوا يصنعون بهذه الحجارة العظيمة التى لا يقدر رجل منا أن يزحزحوا منها حجرا واحدا؛ قال كانت لهم فراقل قد دبروها بأخلاط من المعادن وأنواع من الحكم، فكانوا يضربون بها الحجر الكبير فينقسم لهم على القدر الذي يريدون ويتأتى لهم النحت، ومع هذا فإنه كان لهم صبر وجلد على أعمالهم ليس لمن بعدهم. قال الوصيفى، قال رجل قبطى، وقد أجرينا من هذا الذي ذكرنا، إنهم أصابوا فى بعض الكنائس فى طاق سفطا فى سلة ففتحوها فوجدوا فيها فرقلة فعجبوا منها ولم يدركوا لها معنى، فطرحوها فى النار فكانت تثب من النار حتى تبلغ سقف الكنيسة فكسروها، ثم ندموا على فسادها.
قال: الناظر هذه مدينة الإسكندرية يطمع فيها عدو صقلية أبدا، ويجشم مراكبه بأهوال تصيبه عليها؛ فمنها ما أدركته عشية العاشر من محرم سنة [- أغسطس]. وذلك أنه احتفل فى مراكب كثيرة ونزل فى ساحلها وحصن ما قدر وعزم على محاصرة البلد، فما كان إلا أن عزم على المقارعة حتى صاح فى الأعداء صائح وصرخ بينهم صارخ فولوا مدبرين، وقتل بعضهم والحمد لله رب العالمين.
وفتح الله تعالى ببركة هذا الأمر العزيز على المسلمين بديار مصر، عندما سمح بخاطر أمير البلاد بها، وهو يوسف بن أيوب الكردى، المخطط بصلاح الدين، أن يخاطب الخليفة الإمام أبا يوسف يعقوب بن الإمامين الخليفتين رضه أجمعين؛ فهزم روم الشام واستأصل شأفتهم، وفتح بيت المقدس شرفها الله، وجميع تلك البلاد التى كانت بأيدى أعداء الله. ونص الرسالة الواردة بصورة فتح، كلام مختصر من كتاب وصل من الإسكندرية، تاريخه فى العشر الوسط من شعبان المكرم سنة [- أكتوبر]، يصف ما سناه الله تعالى ويسره بقدرته من الفتوحات فى الروم دمرهم الله تعالى. وذلك أن رسل ملكهم وصلوا إلى دمشق فى الصلح، فأراد يوسف بن أيوب أن يصالحهم ويعقد لهم الصلح على أن يدفع لهم ألف أردب من القمح مع المضاف إليه، وكان بن أخيه، المخطط عندهم بتقى الدين، قد تصاهر مع أمير التركمان وجاء بخلق كثير من الأتراك، فلما عاين عمه يريد الصلح عز عليه ذلك وغضب. فسأله عمه عن شأنه فقال له: يأتى الناس متطوعين مسارعين للجهاد وتصالح أنت الأعداء الروم، ماذا يقوله أهل العراق وأهل الأمصار عنا. فقال يوسف لابن أخيه: تعرف ما صنع أصحابنا
يوم الرملة؛ وقد كان خرج معهم إلى لقاء الأعداء الروم فهربوا وتركوه، وكاد أن يقتل أو يؤسر، وأخذ له جميع ما كان معه من عدد وأمتعة، وذلك سنة.
فلما سمع الأجناد قالوا: صدق ونحن تائبون ونحلف له. فدخل تقي الدين مع الأمراء وأشياخ الأجناد على يوسف، وحلفوا له كلهم فى المصاحف أنه لا يشرب أحد منهم كأس خمرة أبدا ولا يرتكب معصية. فلما حلفوا كلهم.
فرح يوسف بذلك وأرسل إلى الرسل، فاجتمع الرسل مع تقي الدين ومع على بن يوسف بن أيوب وجماعة أشياخ الأجناد فاشترطوا شروطا كثيرة فى مصالحتهم: منها ألا يؤخذ من أحد مكس؛ وأن ترد بعض البلاد. فغضب الرسل ووقع بينهم كلام كثير وقالوا بيننا وبينكم السيف، فاستخف الرسل بكلامهم وفارقوهم، فقامت قلوب المسلمين وليقضى الله أمرا كان مفعولا.
وخرجوا بنيات صادقة وعزائم ناجحة، فأخذوا طبرية من فورهم، وبقيت قصبتها لأنها مانعة جدا. ووصل الروم دمرهم الله فى جمع حفيل طامعين فى المسلمين، فمنعهم المسلمون الماء، فعزموا على المقاتلة؛ وصفت الصفوف غرة جمادى الأول، وقيل إن المقابلة كانت فى يوم الجمعة ال من ربيع الآخر [ يونيه]، فكان يوما عظيما، دفع عليهم الروم دمرهم الله دفعة والمسلمون بحمد الله ثابتون، فدفع عليهم المسلمون دفعة واحدة فلم يقف منهم أحد، فهم بين أسير وقتيل؛ وأحصى عدد من قتل وأسر ألفا. وأخذ ملوك الروم أسارى وأعيانهم وصاحب الكرك والشوبك، وقد كان هذا اللعين صالح يوسف ابن أيوب وغدره، فلما مثل بين يديه فى جملة الأسارى، لم يتمالك أن قام يوسف بن أيوب فقتله بخنجر كان بيده. ثم قاتل يوسف قصبة طبرية فرغبوا فى المصالحة، فحصن البلد وقصبته وبعث الأسارى إلى دمشق؛ وأسرع السير إلى عكة فدخلها صلحا وأخرجهم منها دون سلاح ولا عدة.
وقد كان سيف الدين، أخو يوسف المذكور، حصر يافا ودخلها صلحا،
فوجد أهلها قد قتلوا أسارى المسلمين؛ فقتلهم أجمعين، ونزل على عسقلان، واتصل به أخوه يوسف بعد أن ترك على صور عسكرا يحصرها، ودخل عسقلان آخر جمادى الثانى [- سبتمبر].
النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع