تجاوز إلى المحتوى

من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)

ذكر أول من نزل مصر بعد الطوفان

يقال إن أول من نزل مصر بعد الطوفان مصر بن ينصر بن حام بن نوح عم، بدعوة سبقت له من جده نوح عم. روى عن ابن عباس أنه قال دعا نوح عم لمصر بن ينصر بن حام، وهو أبو القبط، فقال: «اللهم بارك فيه وفى ذريته وأسكنه الأرض المباركة، التى هى أم البلاد وغوث العباد، التى نهرها أفضل أنهار الدنيا؛ واجعل فيها أفضل البركات وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم وقوهم عليها». قيل وكان السبب فى نزول مصر أرض مصر، وبه سميت، أن فليمون الكاهن صدق نوحا عم وآمن بالله تعالى، وسأل نوحا أن يحمله بأهله وولده معه فى السفينة فحمله. قال فلما انجلى الطوفان، قال فليمون لنوح عم يا نبى الله اجعل لى رفعة وقدرا أذكر به بعدى؛ فزوج نوح [مصر بن] ينصر بن حام من بنت فليمون فولدت له ولدا فسماه فليمون على اسم جده لأمه. فلما أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له فليمون: يا نبى الله إن بلدى خير البلاد وأولى الناس به ابنى مصر، فابعثه معى إليه أظهره على كنوزه وأوقفه على علومه ورموزه. قال فأنفذه معه فى جماعة من أهل بلده، قيل إن عددهم كان رجلا فقطعوا الصخور وبنوا المصانع والمعالم، وبنوا مدينة سماها ماقة، ومعنى ماقة بلغتهم وهى مدينة منف. وأطلع فليمون صهره مصر بن ينصر على

كنوز مصر وعلومها، وعلمه خط البرابى، وأخرج له المعادن من الذهب والفضة والزبرجد والفيروز وغير ذلك من الجواهر، وأطلعه على عمل الصنعة فى الجبل الشرقى فسمى به المقطم.

وتزوج الملك امرأة من بنات الكهنة، فولدت له أربعة من الولد منهم قطيم وإليه عهد بعد موته. فلما حضرته الوفاة أمر أن يحفر له سرب بين جبلين طوله ذراعا، ويفرش بالمرمر، ويجعل فى وسطه مجلس مصفح بالذهب له أبواب، على كل باب تمثال من الذهب عليه تاج مرصع بنفيس من الجوهر، جالس على كرسى من الذهب قوائمه من الزبرجد. ونقشوا فى صدر كل تمثال آيات عظاما وأسماء من أسماء الله تعالى مانعة من أخذه، وجعلوا جسده فى تابوت من زبرجد مصفح بالذهب، وجعلوا معه فى ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف تمثال من الجوهر النفيس، وألف إناء مملوءة من در الدر الفاخر. ووضعوا هنالك الصنعة الإلهية والعقاقير السرية، ومعها الطلسمات العجيبة، وأكوام من سبائك الذهب بعضها فوق بعض، ثم كتبوا على المجلس: «مات مصر بن ينصر بن حام بن نوح عم بعد سنة مضت من أيام الطوفان، ولم يعبد الأصنام إذ لا هرم ولا أسقام، ولا عوز ولا اهتمام، وحصن مجلسه بأسماء الله تعالى العظام، التى لا يصل إليها أحد من الأنام، وكان يدين للملك الديان، ويؤمن بالمبعوث بالقرآن، الداعى إلى الإيمان، الظاهر فى آخر الزمان». ثم دهموا ذلك بالصخور العظام وجعلوا فوقها الرمال، وذلك بين جبلين متقابلين، وجعلوا فيها علامات.

ثم ولى ابنه قطيم وهو أبو الأقباط؛ وكان جبارا عظيم الخلق وفى أيامه هلكت عاد بالريح، فكان ملكه سنة. وكان قد عمل

لنفسه قبل موته سربا تحت الأرض معقودا على آزاج فى الجبل الغربى.

وجعل فيه من الذخائر والغرائب والتماثيل، ومن الطلسمات والعجائب التى يطول وصفها، كما كان فى نواويس آبائه.

قال، فما زال هؤلاء الملوك من ذرية. مصر بن ينصر يتوارثون الملك خلف عن سلف، إلى أن كان منهم ملك يسمى عديم، وكان عاقلا عالما، وهو أول من صلب. وكان سبب ذلك أن امرأة ورجلا زنيا فى أيامه، فأمر بهما فصلبا على منارين بناهما لهما، وجعل ظهر كل واحد منهما إلى ظهر الآخر، وطلاهما بأطلية مانعة لفناء جثتيهما، وزبر على المنارين اسماهما وما فعلا، وتاريخ الوقت الذي عمل بهما ذلك فيه؛ فانتهى الناس فى أيامه عن الزنا. وناووس عديم هذا من أعاجيب الدنيا، وهو فى صحراء قفط على وجه الأرض، وهو قبة عظيمة من زجاج أخضر براق، معقودة على ثمانية آزاج، قدر قطرها ذراع وارتفاعها فى الهواء ذراع، يخضر بخضرتها ما حولها من الأرض وعلى رأس القبة طائر من الذهب منشور الجناحين موشح بجوهر نفيس، وهو طلسم تلك القبة؛ يمنع الوصول إليها وإلى ما فيها. وذكر أن قوما قصدوا ذلك الناووس فى صحراء قفط، ورأوا القبة وعاينوا ما فيها، وأقاموا عليها أياما لا يقدرون عليها؛ وكانوا منها على قدر أذرع، وكانوا إذا قصدوها دارت القبة على يمينهم وشمالهم. وذكروا أنهم عاينوا ما فيها من العجائب، وأنهم رأوا الملك وهو على سرير من ذهب، مشبك عليه ثياب منسوجة بالذهب منظمة بنفيس الجواهر، وهو مكشوف الوجه، فقدروا وجهه بذراع ونصف، وقدروا طول بدنه ب أذرع، وله لحية كبيرة. وفى جانب القبة مصحفا من مصاحف الحكمة، وفيها موائد على كل مائدة أوانيها: فمنها مائدة در رمانى وآنيتها منها، ومنها مائدة ذهب أحمر يختطف الأبصار وهو الذهب الذي يعمل منه تيجان الملوك وآنية المائدة منها، ومنها مائدة من حجر الشمس المضىء وآنيتها منها، ومائدة من الزبرجد الذي إذا نظرت إليه الأفاعى سالت عيونها، ومنها مائدة كبريت أحمر مدبر على ما ذكروه من تدبيره فى مصاحف حكمتهم وآنيتها منها، ومائدة ملح أبيض براق يكاد نوره أن يخطف الأبصار

وآنيتها منها، ومنها مائدة زئبق معقود وحافاتها وقوائمها زئبق أصفر معقود وآنيتها من زئبق أحمر معقود. وقيل وجعل معه فى القبة جواهر عظيمة، وأوانى من الفضة المدبرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وسبعة كاهنية، وفى القبة معه تماثيل أفراس من ذهب، وعليها سروج من ذهب، وعدة توابيت مملوءة بالدنانير التى ضربها وصور عليها صورته. وفى تلك القبة أشياء من العجائب والغرائب يطول وصفها.

وقيل إنه ملك من ذرية هؤلاء الملوك ملك يسمى ساوس، وهو أول من عبد البقر. وقيل إن السبب فى ذلك أنه اعتل بعلة يئس فيها من نفسه، وأنه رأى فى منامه صورة روحانى عظيم الخلق يخاطبه ويقول له: لا يخرجك من علتك إلا عبادة البقر، لأن الطالع كان حلوله بك فى صورة ثور. فأمر ذلك الملك بأخذ ثور أبلق حسن الصورة، فبنى له مجلسا فى وسط قصره عليه قبة مذهبة، ووكل به سادنا، وكان يبخره له ويطيبه. وكان يعبده سرا من أهل مملكته، فبرأ من علته وعاد إلى أحسن حاله. وقال آخرون وكان السبب فى ذلك أن هذا الملك كان يتفقد بلاده ويطوف عليها؛ وهو أول من عملت له العجل، وعملت عليها قباب من خشب مذهبة وفرشت بالفرش.

وكانت البقر تجره فيطوف على جميع بلاده، فإذا مر بالمكان الخرب أمر بعمارته.

فقيل إنه نظر ذات يوم إلى ثور من تلك البقر التى كانت تجر تلك العجلة التى كان فيها الملك، وكان ثورا أبلقا حسن الهيئة، فأعجبه فأمر بإزالته من جر العجلة وسوقه بين يديه، وجعل عليه حللا من فاخر الديباج. فتفرد به يوما ينظر إليه، فبينما هو قائم بين يديه خاطبه الثور فقال له: لو رفعتنى أيها الملك كفيتك جميع أمورك، وأعنتك على ما تريد، وقويتك على ملك وأزلت عنك جميع عللك.

فارتاع الملك من كلامه، وأمر به حينئذ وغسل وطيب وبنى له هيكلا، وأمر بعبادته. وكان فى ذلك الثور آية أنه لا يروث ولا يبول ولا يأكل إلا أطراف ورق الشجر مرة واحدة فى الشهر. قال فافتتن الناس به، وصار ذلك أصلا لعبادة البقر بأرض مصر. وصار ذلك الثور يعبد مدة ثم إن ذلك الثور أمرهم أن يصنعوا صورة مثل صورته من ذهب مجوفة، ويؤخذ من رأسه شعرات ومن ذنبه ومن تحت قرونه ومن أظلافه ويجعل فى ذلك التمثال. وعرفهم أنه لاحق

بعالمه، وأمرهم أن يجعلوا جسده فى حرز من حجارة وينصب فى الهيكل، وينصب تمثاله عليه، ويكون ذلك وزحل فى شرفه، والشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث، والقمر زائد، وتنقش على التمثال علامات الكواكب السبعة. فأمر الملك فعملت صورة الثور من ذهب، وكللت بأصناف الجوهر، وصنعوا سائر ما أمرهم به ذلك الثور، وفى الوقت الذي حدد لهم. وكان ذلك التمثال يخبرهم ما أمرهم به ذلك الثور، وفى الوقت الذي حدد لهم. وكان ذلك التمثال يخبرهم بالعجائب وما يحدث وقتا وقتا، ويجيبهم عن جميع ما يسألونه عنه، فعظم أمر ذلك التمثال، فنذرت له النذور وقربت له القرابين، وقصده الناس من الآفاق فكان يخبرهم بما يريدون. وبقيت عبادة البقرسنة فى دولة ذلك الملك يتوارثونها خلف عن سلف، إلى أن ملك منهم ملك يقال له ما ليق، وكان موحدا على دين من سبق من أجداده، قطيم ومصر، فكانت القبط تذمه لذلك؛ وكانت القبط تعبد الكواكب والبقر. وكان هذا الملك يستعمل الغزو والجولان على البلاد؛ وزعم بعض أهل مصر أن الله تعالى أيده بملك من الملائكة يوعظه ويرشده، وربما أتاه فى نومه فأخبره بالأشياء وأمره ونهاه. فجمع جيوشا عظيمة وأتخذ سفنا كثيرة فى البحر، وغزا جموع البربر برا وبحرا وهزمهم وأستأصل أكثرهم، وبلغ إفريقية وقتل أكثر أهلها وكانوا على الكفر. واتخذ فى بحر الروم سفينة، وكان لا يمر بأمة إلا أبادها إلى أن غزا بلاد الأندلس. ومشى إلى بلاد الافرنج وكان بها ملك عظيم، فحشد أمم نواحيه وأقام يحاربه شهرا ثم طلب السلامة والأمان، وأهدى إليه هدايا كثيرة. فسار عنه ودوخ الأمم المتصلة بالبحر الأخضر وأطاعه أكثرها، وعمل أعلاما على البحر الأخضر، وزبر عليها اسمه وتاريخ الوقت الذي عملها فيه. وخرب مدن البربر حيث كانت حتى الجأهم إلى ذرى الجبال، ثم رجع إلى مصر، فتلقاه أهل مصر بصنوف اللهو والطيب، وفرشت له الطرقات بأنواع الرياحين والأزاهير، ودخل قصره وهو غانم موفور؛ وذلك صنع الله لمن وحده ولم يشرك به شيئا. وأمر أن يبنى له ناووس فكان يتعبد فيه، فلما حضرته الوفاة أمر أن يدفن فيه، وألا يدفن معه ذهب ولا فضة ولا جوهر. فلم يدفن معه سوى الطيب، وصحيفة مكتوبة بخطه: هذا ناووس فلان

ابن فلان الملك، مات مؤمنا بالله لا يعبد معه غيره، بريئا من الأصنام وعبادتها، مؤمنا بالبعث والحساب والمجازاة على الأعمال، فمن أحب النجاة من عذاب الآخرة فليؤمن بما أومن به.

وكان من ذرية هؤلاء الملوك، كلكن الملك الجبار، كان يعقد التاج على رأسه، وكانت دار مملكته منف، وهى كانت دار الملوك قبله. وكان يحب الحكمة؛ وإظهار الحكمة والعجائب، ويقرب العلماء والمنجمين وأهل الصنعة، فلم تعمل الكيمياء قط فى وقت من الأوقات كما عملت فى أيامه، حتى أستغنى أهل ذلك العصر عن معادن الذهب فلم يشتروها، ولم يكن الذهب أكثر منه فى أيامه، ولا الصنعة أقوى منها فى وقته. كان يطرح المثقال من مثاقيل الكيمياء على القناطير الكثيرة من الفضة فيصبغها. ويحكى القبط عنه أنه اخترع أشياء تخرج عن حد العقل حتى أنهم يسمونه حكيم الملوك؛ غلب جميع الكهنة فى علمهم حتى كان يخبرهم بما غاب عنهم فخافوه. وفى وقته كان نمرود ابراهيم الخليل عم؛ وكان نمرود جبارا شديد البأس، وكان ملكه بالعراق، وكان قد أوتى قوة وبطشا فغلب على أكثر الأرض، فأراد أن يستوزر كلكن الملك. وبعث إليه فى ذلك فخافه كلكن وأجابه إلى ذلك، ووجه إليه أنه يريد أن يلقاه منفردا من أهله وحشمه، ليريه من حكمته وسحره؛ فسار النمرود إلى موضع يلقاه فيه كلكن. فأقبل كلكن تحمله أربع أفراس ذوات أجنحة، وقد أحاط به نور كنار، وهو فى صورة مهيبة؛ فدخل بها وهو متوشح تنينا عظيما، والتنين فاغرفاه، ومعه قضيب آس؛ فكلما رفع التنين رأسه ضربه بالقضيب الذي بيده، فلما رأى النمرود هاله ما رآه، واعترف له بجليل حكمته وسأله أن يكون له ظهيرا ففعل. وتزعم القبط أن كلكن الملك كان يجلس إلى الهرم الغربى، وهو أعظم الأهرام، فى قبة على رأس الهرم. وكان يجمع إليه رعيته وحشمه ويأمرهم وينهاهم من أعلى الهرم، ويقيم

بذلك الموضع أياما كثيرة لا يأكل ولا يشرب؛ ثم إنه غاب عنهم فلم يقفوا على موته ولا على شىء من أمره. وكان عهد إلى أخيه ماليا فلما غاب عنهم أقاموا ماليا أخاه مقامه، فكان همه فى الأكل والشراب والرياسة، غير ناظر فى شىء من الحكمة، وانما استقام له الأمر بهيبة أخيه كلكن، وتقديرهم أنه لم يمت وأنه سيرجع إليهم. وكان لماليا ولد كان أكبر ولده، وكان جبارا جريئا شديد البأس، وكان يستجهل أباه لخلوده إلى الراحة، فأعمل الحيلة فى قتله وحملته على ذلك أمه وبعض وزراء أبيه، فهجم على أبيه فى رواقه وهو سكران فقتله، وقتل معه امرأة له من بنات الملوك كانت قد غلبت على أمره، فقتلها وصلبها وجلس على سرير ملك أبيه. وكان مهيبا شديد البأس كثير القتل، فتزعم القبط أنه أول الفراعنة بمصر، وأنه فرعون ابراهيم عم.

والفراعنة سبعة وهو كان أولهم. وقيل إنما سمى فرعون لأنه أكثر القتل حتى قتل قرابته وأهل بيته وخدمه ونساءه وكثيرا من الكهنة والحكماء. وكان حريصا على الولد فلم يرزق ولدا غير ابنة واحدة سماها حورية، وكانت عاقلة حكيمة، وكانت تسدد أباها كثيرا، وتمنعه من كثير من الشر والقتل. فلما رأت أمره يزداد فسادا خافت على زوال ملكه فسمته، فمات بعد أن ملك سبعين سنة.

فتنازعوا فى تمليكها عليهم ثم اجتمعوا عليها إلا أهل مدينة أبريت فانهم ملكوا عليهم رجلا منهم، وكان من ولد أبريت بن مصر الملك المتقدم الذكر، وبه سميت مدينة أبريت، يقال له أبراحش. فجرت بينهم حروب كانت الدائرة فيها على أبراحش، فهرب خوفا من حورية إلى الشام، وكان بها الكنعانيون من ولد عمليق؛ فاستغاث بملكهم فأخبره بأمره وقرب عليه مصر، وسول له تصييرها إليه.

فجهز ملك الشام مع أبراحش جيشا عظيما، وقدم عليه رجلا من قواده، فلما قرب من مصر بعثت حورية طيرا لها إلى جيرون تقول له: إن فلانة سمعت بك وأحبتك، وهى تريد زواجك وأن تكون لها أهلا، وتعطيك بلاد مصر. فسر جيرون بما سمع منها ورغب فيما قالت له، ثم عقدت معه أن يقتل أبراحش. فقال

لها وكيف أصنع؟ فأخرجت له سما، فسم به أبراحش فمات فى الحين. فلما أراد أن يصل إليها بعثت إليه أنه لا يجوز أن أتزوجك حتى تظهر فى بلادى قوتك وحكمتك لكى أعذر فى زواجك، وأريد أن تبنى لى مدينة عجيبة أدخل معك فيها، فإنى أكره الدخول عليك فى بلادى وبين أهل بلدى. وأن مدينة فى بلاد مصر كانت لأوائلنا قد خربت، فانظر موضعها واظهر حكمتك فيها، وبعثت معه من يريه الإسكندرية.

قيل فجد جيرون فى بنائها، وبعثت إليه حورية من مصر مائة ألف صانع، فأقام فى بنائها مدة وأنفق جميع ما كان معه من المال، فلما فرغ من بناء المدينة، وجه إليها يعلمها بتمام المدينة ويحثها على القدوم عليه. فوجهت إليه فرشا كثيرة فاخرة وآلات عجيبة، وقالت له: «قسم جيشك أثلاثا وابعث الثلث الأول، حتى إذا بلغت نصف الطريق فابعث إلى الثلث الثانى، فإذا بلغت الثلثين من الطريق، فابعث إلى الثلث الثالث حتى يكون الجيش من ورائى ومن أمامى، لئلا يرانى أحد إذا دخلت عليك؛ ولا أحب أن أجد معك سوى صبية تخدمك. ثم أقامت تجهز له الجهاز والأموال حتى أيقن بإقبالها، فوجه إليها ثلث جيشه. فعملت لهم الأطعمة والأشربة المسمومة وخرجت إليهم فى خيولها وخدامها، فلما لقوها أنزلتهم وأمرت حشمها فأقبلوا عليهم بالأطعمة والأشربة والطيب، كل ذلك من مسموم، فلم تصبح منهم عين تطرف. ثم سارت فلقيها الثلث الثانى من الجيش، ففعلت بهم كذلك. ثم سارت فلقيها الثلث الثالث، ففعلت بهم مثل ذلك، وهى تبعث إليه وتقول: إنى بعثت الجيش إلى مصر يحفظها بعدى، إلى أن دخلت على جيرون هى وطير لها وجوار كن معها، فرشقت طيرها عليه، فارتعدت مفاصله وخارت قواه، ولم يملك نفسه شيئا فأيقن بالهلاك؛ وقال جيرون: «من ظن أنه يغلب النساء فقد كذبته نفسه». فقيل إنها فصدته وأسالت دمه حتى مات، فقالت: «دماء الملوك شفاء النفوس».

وأخذت رأسه فوجهت به إلى قصرها فنصبته عليه، وحملت بيوت أمواله إلى منف دار مملكتها، وبنت حينئذ منار الإسكندرية، وزبرت عليه اسمها واسمه، وما أراد وما فعلت به، وتاريخ الوقت الذي كان فيه ذلك. ويذكر فى بناء منار الإسكندرية غير ذلك مما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى. قيل فلما اتصل خبر حورية بالملوك وما فعلت بالجيش الذي دخل بلادها، هابوها وعظمت فى أعينهم، فمن كان

ينازعها ويروم أخذ بلادها كف عن ذلك فاشتد ملكها وعظم أمرها، وبنت حصونا على بلاد مصر من ناحية النوبة، وعملت طلاسم كثيرة وأعلاما وأشياء كثيرة يطول وصفها.

قيل فلما ضعفت حورية عن الملك عهدت إلى بنت عم لها تسمى دليفة. فلما هلكت حورية ضعفت دليفة عن الملك، وخرج عليها أيموش يطلب ثأر خاله أبراحش، واستنصر بملك العماليق صاحب الشام فأجابه، وخرج فى نصرته لما كانت حورية فعلمت بقائده وبجيشه فيما تقدم. وقدم جيش أيموش، فخرجت إليه دليفة تحاربه فغلبها، فلما أيقنت بالغلبة سمت نفسها فهلكت فى الحين.

ثم إن ملك الشام العمليقى غلب على مملكة مصر، وكان اسمه الوليد بن دومع، وأصل العمالقة من العرب العاربة، وكان شديد البأس فأباد الأمم ودوخ البلاد حتى بلغ فيما يقال إلى جبل القمر الذي ينبعث من تحته النيل، وإنما سمى جبل القمر لأن القمر يطلع عليه أبدا لخروجه عن خط الاستواء، وبلغ هيكل الشمس وأرض الذهب، وهى أرض تنبت قضبان الذهب، واستعبد هذا الملك القبط وملكهم سنة ثم هلك. ويقال إنه ركب ذات يوم فرسا وخرج متصيدا فركض به الفرس فقتله، ودفن فى بعض تلك الأهرام. ثم ملك بعده ابنه الريان بن الوليد، وهو فرعون يوسف عم، والقبط تسميه نقراوش، وكان عظيم الخلق جميل الوجه عاقلا محسنا إلى الناس. لما ولى بعد أبيه أسقط الخراج عن الناس سنين، وفتح خزائن الأموال وفرق على الضعفاء فأحبه الناس وشكروه.

وكان يميل إلى الراحات وغلبت عليه اللذات، وملك أمر الناس رجلا من أهل بيته يقال له قطفير، وهو الذي يسميه أهل الأثر العزيز. وقد ذكره الله تعالى فى القرآن العظيم فى قصة يوسف عم، وكان رجلا عاقلا حصيف الرأى نزيه النفس مؤثرا العدل، وأمر أن ينصب له فى قصره سرير من الفضة يجلس

عليه والوزراء والكتاب بين يديه، وقام بجميع أمور الملك الريان وكفاه أحسن الكفاية؛ والملك مشتغل بلذاته عاكف عليها، قد صنعت له مجلس من الزجاج الملون ومن البلّور الشفاف والبلّور المصبوغ، وأرسل حواليها المياه ووضع فيها السمك، فكانت الشمس إذا وقعت على ذلك الموقع أرسلت شعاعا عجيبا يبهر العيون. وعملت له متنزهات على النيل وعلى غير النيل على عدد أيام السنة، وكان ينتقل كل يوم إلى متنزه منها، وكان فى كل متنزه من الفرش الغريبة والآنية العجيبة ما ليس فى غيره. وفى أيامه كان من أمر يوسف ﵇ ما قصه الله تعالى فى محكم تنزيله، وخبره مع امرأة العزيز وهى زليخة بنت صاحب عين الشمس، وعين الشمس مدينة عظيمة من مدن أهل مصر فيها عجائب.

وكانت زليخة بنت عم العزيز، واسم العزيز قطفير بلغة القبط، واسم الملك نقراوش بلغة القبط، وقد ذكر الله تعالى اسم العزيز فى كتابه العزيز.

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الاستبصار في عجائب الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.