تجاوز إلى المحتوى

من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)

نبذ من أخبار ملوك مصر من لدن عمارتها

يقال والله أعلم إن أول من ملك مصر عند قسمة الأرض بين ولد آدم، زمن أنوش، بوصية آدم ﵇، ملك يقال له نقراوش بن أضرم. وهو أول من اتخذ المصانع، وعمل الطلسمات وأقام الأساطين، وزبر عليها التواريخ، وبنى المدن. وهو الذي حفر النيل وعمقه ووسعه؛ وكان قبل ذلك ينقطع ويستنقع.

وعمل للتماسيح على شاطىء النيل فى آخر بلاد النوبه مبنيين، وزبر عليهما أحرفا منعت التماسيح أن تنحدر فى النيل. وكانت كتابتهم بالقلم الخلقطير وهو قلم آدم ﵇. وكان عالما كاهنا وكان له رأى من الجن؛ ويقال وقع إليه بعض العلوم التى كان رزآبيل الملك علمها آدم عم، فعمل بها عجائب: منها صورة طائر على اسطوانة عالية يصفر فى كل يوم مرتين، عند طلوع الشمس، وعند غروبها، تصفيرا مختلفا يستدل به على ما يكون من الحوادث. وعمل فى مدينة برسان، وهى التى بناها لابنه مصرام، قبة ذهب على منار عال، لا تزال على تلك القبة سحب تمنعها من الشمس. وعمل على باب المدينة أصناما موجهة إلى نواح مختلفة، إذا قصد أرضهم قاصد بسوء أرسلت عليه نارا فأحرقته. فكان ملكه سنة.

فلما مات جزع عليه قومه أشد جزع، فقاموا يطوفون به على أعناقهم سنة.

ثم ملكهم من بعده ابنه مصرام، وكان يعبد زحلا، وحارب أمة من الجن حتى أدخلهم فى طاعته بالعزائم الشداد. وبنى فى صحراء المغرب مدائن معلقة على أساطين رخام، تحيط بها شباك من ذهب، وجعل فيها خزائن الحكمة.

وجعل لها أبوابا تحت الأرض لا يدخل إليها إلا منها؛ وجعل لها أقفالا ومفاتيح مدبرات. وكانت مدن فى كل مدينة خزائن، فيها عجائب العلم وطرائف الحكمة ورموز الصنعة، وأجرام من الماء المعقود لا يتحلل، ومن الهواء المجمد لا يضمحل. وفيها مطهرة من ماء الحياة الإلهى الصنع، وفيها صورة الكواكب فى بيوت شرفها، وعلى رؤوسها أكاليل الغلبة، وبإزائها صور الحكماء المقيمين لأمورها بأيديهم مصاحف الصنعة، وجميع الطلسمات والعلوم، ومن دروب الأحجار الرفيعة والجواهر النفيسة والأجرام العجيبة: من الدر الخطير، وسبائك الذهب والفضة، والحجارة الرفيعة، والعقاقير المكنونة والأدوية المؤلفة. وصور هذه الخزائن فى كل بربى من برابى مصر، قد زبروا عليها بخطوطهم، وخبرها مشهور فى جميع مصاحفهم القديمة وهياكلهم المرسومة.

وبنى هذا الملك مدينة بالقرب من هذه المدن الثلاث على هيئة الجنة بزعمه، وجعل لها أسرابا تحت الأرض، يوصل منها إلى هذه المدائن الثلاث، وتوصل من بعضها إلى بعض.

أخبرنى رجل دخل بلادا كثيرة، أن الغاوى الذي بجبل ألموت إمام الحشيشية، يرى اغتيال الملوك عند مدينة تحت الأرض على هذه الصورة.

يدخل فيها المستجيب له، فإذا عاين ما أعد له فيها، يقال له: هذا لك إذا قتلت فلانا فى الموضع الفلانى. ويكون إدخاله فى تلك المدينة وهو قد سقى المرقّد، فينتبه فيها.

فإذا أريد إخراجه، سقى المرقد أيضا، ويخرج فينتبه فى منزله، ويتذكر ما رأى،

فيقصه على من أمامه. فيقول له: إنك رأيت هذا فى منامك وهو بشرى لك، فلا تنثى عما أمرت به ويبشره بالمثوبة عليه، ويرفع له خنجرا مسموما معدا عنده من حينه.

قال المؤلف فلما هلك الملك نقراوش المتقدم الذكر، ملك بعده ابنه سورت. وكان موحدا مؤمنا. فغلق هياكل الكواكب فقل النيل فى أيامه، فرفضه بنو أبيه وخلعوه وملكوا أخاه الأصغر مصرام المتقدم الذكر. وكان جبارا فزاد فى هياكل الكواكب، واحتفل فى شكرها وبر سدنتها وزاد فى دخلها وقرابينها. وكان له ربّى فأمره أن يحتجب عن الناس، وألقى على وجهه نورا حتى لم يتمكن أحد من النظر إليه؛ وذلل له الأسد فركبها، وادعى الإلهية ودعا الناس إلى عبادته، وغاب عن الناس نحو سنة. وركب فى غيبته أنواعا من الدواب العظام من الوحوش والسباع لها منظر يهول. ومضى به ذلك الربّى حتى أوقفه على البحر الأسود، فبنى فى وسطه صنما من حجر أسود أبيض، وزبر عليه اسمه وجعله قربانا للشمس، وعمل قلعة الفضة التى فى البحر الأسود وخبرها مشهور.

ذكر ذلك الموس الكاهن فى سير الملوك القدماء. وزبر على ذلك الصنم:

«أنا مصرام الحبار جامع الأخبار وكاشف الأسرار والعالم القهار: وأظهرت الحكمة العجيبة وكشفت الأمور الغريبة؛ ونصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة ليعلم من بعدى أنه لا ملك مثل ملكى». وقيل إنه ركب فى مدينة برسان شجرة تؤكل منها كل فاكهة، وعمل عجائب وغرائب يطول وصفها.

فلما هلك مصرام ملك بعده من بنيه عدة ملوك، كل واحد منهم يعمل فى وقته عجائب وغرائب فى البناء، وغير ذلك من الطلسمات والصور والأصنام المركبة من الجواهر الغالية؛ إلى أن ملك من بنيه شوندين بن سلمون صاحب الأهرام.

وكان ملكا عاقلا عالما محبا للعلماء، وكان أوتى من العلم والحكمة ما لم يسبقه إلى ذلك ملك ولا غيره، وكان يتعهد من مصالح الرعية ما لم يتعهده سواه من الملوك، وكان ينفق على الزمناء والضعفاء من ماله. واتخذ مرآة من أخلاط

وأقامها على منار فى وسط قصره، فكان ينظر فيها جميع الأمم والأقاليم وغير ذلك، ويقابل ذلك بما يصلحه. وكان قد عهد إلى رئيس كهنته ان يأمرهم بالنظر فى كل يوم ما يحدث فى العالم، ويخلد ذلك فى كتاب؛ فجمع إليه العلماء والكهنة والمنجمون من جميع أقطار الأرض، وحققوا له ما أراد وتم له ذلك. وعملت له الغرائب والعجائب فى البناء والطلسمات، وغير ذلك، وفى أيامه بنيت الأهرام التى بأرض مصر. فيقال إنه ليس على وجه الأرض حجر موضوع على حجر أغرب من بناء أهرام مصر.

وكان سبب بناء هذ الأهرام أن الملك شوندين رأى رؤيا هائلة، وذلك أنه رأى الكوكب المعروف بالبانية فى صورة طير أبيض وكأنه يختطف العالم ويلقيهم بين جبلين، وكأن الجبلين انطبقا عليهم، وأن الكواكب المنيرة مظلمة كاسفة كلها. فأخبر بذلك رؤساء الكهان والعلماء وأمرهم أن ينظروا ما تدل عليه الكواكب مما يحدث فى العالم، فأقاموا الكواكب فى مراكزها فى وقت مسألة فدلت على آفة نازلة من السماء وخارجة من الأرض. فلما بان لهم ذلك أخبروه به، فقال ما هو ذلك فنظروا فى خفى أمورها ودقائق علمها، فوجدوها مفسدة للأرض وأهلها وحيوانها وجميع ما فيها، وقالوا إن هذه الآفة محيطة بجميع أقطار الأرض إلا اليسير، وذلك إذا نزل قلب الأسد بأول دقيقة من السرطان، وتكون الشمس والقمر فى أول دقيقة من الحمل. فلما تيقن الملك شوندين من ذلك، وعلم أن تلك الآفة تكون ماء يغرق الأرض ومن عليها،. مر ببناء الأهرام - وهى البرابى لتخليد علومهم وصناعاتهم وسير ملوكهم وسننهم فى رعيتهم وأهل مملكتهم- وبنيان أعلام عظام تكون خزائن لأموالهم وكنوزهم وذخائرهم، وتكون أيضا قبورا لهم ولأهل بيتهم، تحفظ أجسادهم من الفساد وتبقى علمهم صحيحا، وأمر بأن يبنى ذلك كله من حجر صلد لا يغيره الدهر ولا يفسده الطوفان.

ويقال إنه أمر أن تبنى هذه الأهرام والبرابى من حجارة ومن طين. فإذا كان الحادث ماء ذهبت التى من طين وبقيت التى هى من حجارة، وإن كانت نارا ذهبت التى هى من حجارة وبقيت التى هى من طين. فكان ذلك الحادث ماء فذهبت الطين وبقيت الحجارة. ثم أمر الملك وزراءه فمشوا مع المنجمين والكهان فاختاروا موضعا لبناء تلك الأعلام، وهى الأهرام والبرابى، فاختاروا موضعا بقرب النيل فى الجانب الغربى فبنيت فيه مدينة مرقة، معناه بلسانهم «مطلب الحكمة». ثم أمر الملك بجمع الناس والفعلة فجمع لقطع الحجارة ونحتها، ومثلهم لهندستها، وأضعافهم للبناء. وعمل قضبان الحديد واستخرج الرصاص، فكانوا ينصبون البلاطة ويجعلون فى وسطها عامود حديد قد نفذها، والعامود قائم قد ضبط بالرصاص المسبوك، وتركب عليها بلاطة أخرى فى قدرها وهندستها، مثقوبة بقدر دخول القضيب فيها، ثم يسكب الرصاص حول العامود وعلى البلاطتين معا، حتى أتى بنيانا ما بني فى العالم قط مثله. وطول حائط الهرم ذراعا بأذرعهم، وفى عرضه مثل ذلك وارتفاعه فى الفضاء ذراع. ويقال إن عمقها تحت الأرض مثل ارتفاعها فوق الأرض؛ وعرض الحائط من حيطانها ذراعا بأذرعهم.

فلما تم بنيان هذه الأهرام والبرابى، أمر الملك أن يكتب على حيطان البرابى وسقوفها جميع الأشياء وغوامض الأمور: من دلائل النجوم وعللها وسائر الصنائع والطباع ومكنونها، والنواميس العظام وعمل الأدوية وتأليفها، ومعرفة العقاقير وأسمائها وصورها، وعلم صنعة الكيمياء وغير ذلك مما ينفع ويضر.

كل ذلك ملخص مفسر لمن عرف كتابتهم وفهمها. ونقش فى حيطانها وسقوفها جميع الطلسمات وكتب على كل طلسم خاصيته ونفعه وضرره، وكما وضع فى تلك الأهرام فنونا من الذهب والفضة والكيمياء وحجارة الزبرجد الرفيعة والجواهر النفيسة ما لا يحصّله وصف واصف. وكذلك فعل بنوه من بعده.

فلما تمت هذه الأهرام والبرابى على ما أراد الملك قال لهم أنظروا هل تفسد هذه الأعلام، فنظروا فوجدوها باقية لا تزول. فقال لهم هل يفتح منها موضع، أو هل يدخل إليها، فنظروا فقالوا له يفتح فى الهرم الفلانى فى الجانب الشمالى منه، فقال لهم حققوا النظر فى معرفة الموضع بعينه، فنظروا وعرفوه بالموضع.

فقال لهم عرفونى متى يكون ذلك، فنظروا فعرفوه أنه يكون ذلك لمدة دورة للشمس والدورة سنة. فقال لهم أنظروا مقدار ما ينفق فى فتح هذا الموضع؛ فنظروا فعرفوه بالقدر، فقال لهم اجعلوا فى الموضع الذي يوصل منه إلى داخل الهرم ذهبا بمقدار ما ينفق على فتحه. ثم حثهم على الفراغ من بناء الأهرام والبرابى، ففرغوا منها فى سنة. وأمر أن يكتب عليها: «بنينا هذه الأهرام فى سنة فليهدمها من يهدمها فى سنة، على أن الهدم أهون من البناء». ثم قال لهم أنظروا هل يكون بعد هذه الآفة كون مضر غيرها، فنظروا فإذا الكواكب تدل فى وقتهم وتظهرهم على آفة أخرى نازلة من السماء، وتكون فى آخر الزمان وهى ضد الأولى، وهى نار محرقة لأقطار العالم، فأخبروه بذلك. فقال لهم فهل من خبر آخر توقفونا عليه بعد هذه الأمور، فقالوا له ننظر فى ذلك؛ فنظروا على آلاف السنين، وقالوا له إذا قطع قلب الأسد ثلثى دورة، وهى آخر دقيقة من برج العقرب، لم يبق من حيوان الأرض متحرك إلا تلف، فإذا استتم دورة تحللت عقد الفلك. فقال لهم فى أى يوم تتحلل عقد الفلك، فقالوا له اليوم الثانى من وجود الفلك. قال فتعجب الملك من ذلك، وأمر بكل ما قاله العلماء من هذه الحكم أن تخلّد فى الكتب، وتستودع فى تلك الأهرام؛ فيقال إن فيها علم الأولين والآخرين.

نرجع الآن إلى حديث الثلمة: قيل فلما كان فى زمان المأمون بن هارون الرشيد، وفرغ من حرب التيماء وأقام بمصر، أراد هدم الأهرام، فعرفه بعض شيوخ المصريين أن ذلك غير متمكن، وقال له ولا يحسن بأمير المؤمنين أن يطلب شيئا ولا يبلغه؛ فقال له لابد أن أعلم ما فيها. ثم أمر بفتح هرم من أعظم الأهرام، ففتح فيه ثلم من جانبه الشمالى، لقلة دوام الشمس على من يعمل فيه؛ فلما ابتدءوا عمله وجدوا حجرا صلدا يكل فيه الحديد. فكانوا يوقدون النار عند الحجر، فإذا حمى رش بالخل ورمى بالمنجنيق فزبر الحديد؛ وأقاموا على ذلك أياما حتى فتحوا الثلمة التى فيه الآن، فمنها يدخل إلى ذلك الهرم. ووجدوا بنيانه بالحديد والرصاص ووجدوا عرض الحائط ذراعا؛ وبالقرب من الموضع الذي فتحوا مطهرة من حجر أخضر فيها مال على حول الدنانير العريضة، وزن كل دينار منها مثقالا وثلثى مثقال. فقال المأمون زنوه فوزنوا الجملة فوجدوا فيها مالا معلوما، وكان المأمون ﵀ فطنا، فقال ﵀ ارفعوا ما أنفقتم على فتح هذه الثلمة، ففعلوا فوجدوه موازنا لما وجدوا من المال. فعجب أمير المؤمنين من ذلك، ومن معرفتهم بالموضع الذي يفتح منه ذلك الهرم على طول الزمان، وازداد فى علم النجوم يقينا. قال فمشى المأمون حتى دخل الهرم، ومشى فيه فوجد صنما أخضرا مادا يده وهو قائم فلم يعلم خبره. ونظر إلى الزلاقة والبئر الذي فى الهرم، وأمر بالدخول والنزول فيه.

قال فنزل فيه قوم من رجاله من درجة إلى درجة حتى أفضوا إلى صنم أحمر، عيناه مجزعتان سواد فى بياض كأنهما حدقتا إنسان ينظر إليهم، فهالهم أمره وقدروا أن له حركة، فجزعوا منه فخرجوا وعرفوا أمير المؤمنين الحال.

قال فجرأه ذلك على طلب مخابىء كثيرة. ويقال إنه وجد فيه مالا كثيرا.

قيل فسأل المأمون عمن وجد بمصر من العلماء بتاريخ العالم: هل لهذه الأهرام أبواب يدخل إليها منها؟ فقيل له إن لها أبوابا تحت الأرض، فى آزاج مبنية بالحجارة، طول كل زج منها ذراعا، له باب من حجر واحد يدور بكوكب، إذا أطبق لم يعرف أنه باب، وصار كالبنيان لا يدخل الذر فى خصاصته، ولا يوصل إليه إلا بكلام وقرابين وبخورات معروفة. وإن فى هذه الأهرام قبورا من الذهب والفضة والكيمياء وحجارة الزبرجد الرفيعة النفيسة ما لا يسعه وصف واصف.

وفيها من الكتب المستودعة فيها طرائف الحكمة وكمال الصنعة، ومن التماثيل الهائلة من الذهب الملون على رؤسها التيجان الفاخرة مكللة بالجواهر النفيسة، ما يستدل به على عظيم ملكهم؛ وجعلوا على ذلك من الطلسمات ما يمنع منه، ويدفع عنه إلى أوقات معلومة وأمد لابد منه. وإنما قصدوا بذلك أن تكون تلك الأشياء ذخيرة لأعقابهم، ولمن يكون من بعدهم، علما على عظيم ملكهم. قال ووضعوا أساس تلك الأعلام فى وقت السعادة، وجعلوا فى أساس كل علم منها صنما، وزبروا فى صدورها دفع المضار والآفات عنها. وفى كل صنم منها آلة كالبوق، وهو واضعه على فيه. وفى وسط كل هرم منها شرفات موجهة إلى آزاج ضيقة المنافذ واسعة المداخل، تجتذب الرياح إليها على طول الزمان، وتخرج من وجه الداخل إليها، ولها صفير فمن لم يحس دفعها أهلكته. قال فعجب المأمون من ذلك ولم يتعرض إلى شىء من تلك الأعلام.

وقيل إنه عمل تحت تلك الأهرام أسرابا تخرج إلى نواح مختلفة: منها ما يخرج إلى الفيوم وهى على نحو يوم ونصف من مصر، وإلى ناحية المغرب على مسيرة يومين وأزيد، وفى أسفلها مسارب للماء تفضى إلى النيل. قيل ووكل بكل هرم من تلك الأهرام روحانيين، فجعل فى الهرم الغربى روحانى فى صورة امرأة عريانة مكشوفة الفرج لها ذؤابتان حسنة الخلق. وإذا أرادت تستفز الإنسان ضحكت إليه، واستجرته إلى نفسها، فإن تبعها أهلكته.

ذكر ذلك من رآها مرارا. ووكل بالهرم القبلى روحانى فى صورة غلام أمرد عريان حسن الخلق يفعل كذلك. وقد رؤى من خارج مرة بعد مرة ثم يغيب فى الهرم. وفى الهرم الملون صورة شيخ عليه ثياب الرهبان، وبيده مجمرة كأنه يتبخر. وكذلك وكل بجميع البرابى. وببلد إخميم يشاهد أهله أن روحانى

البربى الذي بها فى صورة غلام أسود بيده عصا، فلا يقدر أحد أن يدخل البربى من بعد العصر إلى الصبح. وكذلك بربى مدينة سمنود فيه روحانى فى صورة رجل طويل، أدم اللون صغير اللحية أشيب. وأما بربى قفط، فجارية سوداء معها صبى صغير أسود تحمله. ولكل بربى من البرابى قربان وكلام يطيع به ذلك الروحانى، ويدل على علوم البربى وكنوزه. ويقال إن ذا النون الإخميمى إنما قدر على ما قدر عليه من علوم البربى حتى عمل الصنعة الكبيرة، وهى الكيمياء والجوهر، وحمل من مصر إلى بغداد فى ليلة واحدة، وغير ذلك مما كان عنده من الغرائب وخبره مشهور.

فيقال إنه خدم راهبا كان بإخميم يقال له ساس مدة صباه، فعلمه قراءة الخط الذي فى البربى، وعلمه القربان والبخور واسم الروحانى؛ وأوصاه أن يكتم ذلك.

فلما علم ذو النون ما علم من علم الكيمياء وغيرها، عمد إلى طين الحكمة، فطمس به صنعة الكيمياء حتى لا يبلغ إليها أحد غيره؛ وهذا الطين لا ينقطع أبدا.

وهذا القلم هو المسطر فى كتاب السياسة الأوسط وهو كتاب مشهور:

اب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ط ظ ك ل م

ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ ولا ى.

وبها من الكيمياء. وفى بعض أخبار مصر أن قوما قصدوا الأهرام، فنزلوا فى تلك الآبار، وطلبوا أن يدخلوا فى تلك المضايق التى تخرج منها الرياح، واحتملوا معهم سرجا فى أوان رخام. فلما حصلوا فى تلك المضايق، خرجت عليهم ريح شديدة وأخرجتهم منها عنفا، وأطفأت أكبر سرجهم. فأخذوا أحدهم وكان أقواهم جأشا وأشدهم عزما وأصلبهم قلبا؛ فربطوا وسطه بالحبال، وقالوا ادخل فإن رأيت شيئا تكرهه جذبناك، فلما دخل المغرور وزاحم تلك الرياح، انطبق عليه ذلك الفتح، فجذبوه فانقطعت حبالهم، وبقى الرجل فى ذلك الشق وهم لا يعلمون له خبرا؛ فصعدوا هاربين حتى خرجوا من البئر، واغتموا لما أصاب صاحبهم. فجلسوا عند الثلمة مفكرين فى أمر صاحبهم، وفى أمرهم وما أقاموا عليه، فبينما هم كذلك إذ انفجرت من الأرض فرجة كالكوة، وأثارت لهم ذلك الرجل عريانا مشوه الخلق ميت الدم جامد العينين، وهو يتكلم بكلام عجيب لا يفهم، فلما فرغ من كلامه سقط ميتا. فازداد وجلهم وتضاعف حزنهم وجزعهم، وعلموا أنهم خالصون من أمر عظيم. قال فاحتملوا صاحبهم، واتصلت أنباؤهم بوالى مصر وهو ابن المدبر فى أيام المتوكل، فسألهم عن أمرهم؛ وأخبروه بذلك فعجب. وأمر أن يكتب الكلام الذي قال ذلك الرجل الذي مات، حسب ما قاله، وأقام ابن المدبر يطلب من يفسره إلى أن وجد رجلا يعرف شيئا من ذلك اللسان، ففسره: «هذا جزاء من طلب ما ليس له وأراد الكشف على ما يخفى، فليعتبر من رآه». قال فمنع حينئذ ابن المدبر أن يتعرض أحد للأهرام.

وفى خبر آخر أن جماعة دخلوا الأهرام فوجدوا فى بعض البيوت زلاقة إلى بئر، فنزلوا فيها فوجدوا سربا، فساروا فيه نصف يوم حتى انتهوا إلى حفير عميق وفى عدوته باب لطيف. وكانوا يتبينون منه شعاع الذهب والفضة والجواهر النفيسة. ومن رأس الحفير مما يليهم إلى ذلك الباب المحاذى لهم، الذي فيه الذهب والجوهر، عامود حديد قد ألبس محورا من حديد يدور عليه ولا يستمسك فى دورانه. فاحتالوا فى وقوفه وذهاب حركته فلم يقدروا على ذلك، فربطوا أحدهم فى حبل، وتعلق بالعامود ليصل إلى الجانب الآخر، فدار به المحور فتحير وسقط وانقطع الحبل الذي كان فيه، فخرجوا هاربين لا يلوون على شئ.

وفى خبر آخر أن قوما دخلوا بعض الأسراب التى فى الهرم، فانتهوا إلى صنم أخضر على صورة شيخ، وبين يديه أصنام صغار كأنه يعلمهم. ثم ساروا فوجدوا فوارة تحت قبة يقع فيها ماء من أعلى تلك القبة، فيكون له نشيش شديد كأنه يطفئ نارا، ثم يفيض هناك ولا يتبين. ثم داروا فوجدوا بيتا مسدودا لا يظهر له باب غير حجر صلد، وفيه دوى شديد لا يدرى ما هو؛ ووجدوا عنده شبه المطهرة الكبيرة فيها ماء ودنانير، منقوش فى الوجه الواحد صورة أسد وفى الوجه الثانى صورة طير، فأخذوا من تلك الدنانير شيئا، فلم يقدروا على حركة ولا كلام حتى تركوها فى موضعها.

وأما البرابى ففيها من الطلسمات والكتابة، وعمل الصناعات وتصوير جميع الآلات وتعليم جميع الصناعات، كل ذلك منقوش فى الحجر الصلد، وإن الناس يمشون إليها فيأخذون فوائد كثيرة. قال الوصيفى:

رأيت فى بربى إخميم صورة عقرب فألصقت عليها شمعا فلم أتركها فى موضع إلا أن انحاشت العقارب إليها من كل موضع، وإن كانت فى تابوت اجتمعت

حول التابوت وتحته. فطلبها منى بعض إخوانى فرجعت إلى إخميم فوجدت تلك الصورة قد نقرت وأفسدت. وفى هذا البربى، عند الباب الذي يدخل منه إلى المصعد على يسار الداخل، صورة رأس إنسان عظيم اللحية كثير الشعر كأنه رأس روحى بغير جسد، فذكر أن الأولين كانوا يبخرون ذلك الرأس، ببخور لهم معروف عندهم، فكل من بخره وجد عنده دينارا؛ فكان فى ذلك معونة لأهل المسألة. قال الوصيفى: تصفحت الموضع الذي بقرب ذلك الرأس، فوجدت أثر البخور والطيب بينا فيه. وذكر أن على باب إخميم طلسم، وهو قطعة من الحجر فى صورة القلنسوة، معقبة الرأس كأنه منقار طائر، يقال إن تحته مال عظيم، وقد جهد جماعة من الولاة على إخميم فى قلعها أو كسرها فلم يقدروا على ذلك، وتنكسر المعاول كلها ولا يتثلم منها شئ.

وأخبرنى رجل بأنه رأى هنالك صورة استحسنها، وهى صورة إنسان على رأسه طائر وإلى جنبه كلب رابض وتحت رجليه كتابة، قال فأخذتها وصورتها فى قرطاس كما رأيتها فأقمت ثلاثة أيام فلم أهجع ولم آكل ولم أشته شيئا من الطعام ولم أدر ما السبب لذلك حتى فكرت فى الصورة التى عندى فنزعتها عنى فاشتهيت الطعام وأكلت ونمت»

. وحدث رجل من أهل إخميم أن رجلا من أهل المشرق نزل عندهم وكان بصيرا بهذه العلوم فتذاكروا معه أمر البربى فقال ذلك المشرقى لبعضهم إن وجدت فيه صورة إنسان عريان مؤتزر بمئزر وفى يده اليمنى فأس له رأسان وفيه ورقة معلقة فأنسخه لى وما حوله من الكتابة.

قال ففعلت ذلك وأتيت بها إليه وسألته عن خاصيتها، فأطعمنى فيها وقال ليس ينتفع عندها أو تفسد البربى. قال فمشيت إليها فخدشتها بمنقار حتى أفسدتها وطمستها ثم سألته عن علمها فخلط على ولم يعطنى فائدة. فلما كان بعد ذلك تحدثت به مع قوم أهل المشرق فتلهف أحدهم فسألته عن أمرها فقال إن تلك الصورة إذا جعلت فى موقع فيه كنز ارتفع من الموضع غبار فيعلم أن فيه خيرا وهى دلالة على الكنوز فغمنى أن كنت أفسدتها. وكذلك يتحدث أهل سمنود عن البربى الذي عندهم بعجائب كثيرة منها أن بعض من دخله كتب على كفه صورة من تلك الصور أعجبته، فأطبقت عينه الواحدة حتى أتاه من كتب على كفه الصورة المحاذية لها فانفتحت عينه.

قال الوصيفى: وأخبرنى من أثقه أنه رأى ببربى سمنود صورة شيطانين تحوط بهما سلسلة بكتابة، وهما يمسكان طرفى السلسلة وبينهما كتابة، قال: فصورت ذلك كما هو، وأمسكته عندى إلى أن جاءنى من عرفها، فقال لى: هذا حرز عظيم من جميع السباع، ومن كل من يروم الإذاية، ولو جعل على هذا الطلسم لحم، وجوع كلب أو سبع وقرب منه لم يقدر على أخذ شىء منه بوجه ولا بحال، قال فعجبت من قوله فامتحنت الطلسم فوجدته كما قال. ومن المتعارف عند أهل إخميم، أنه كان فى البربى الذي كان عندهم، صورة شيطان قائم على رجل واحدة وله يد واحدة قد رفعها إلى الهواء، وفى جبهته وحواليه كتابة، وله إحليل ظاهر ملتصق بالحائط. فقيل من احتال لذلك الإحليل حتى ينقب عليه، وينزعه من غير أن ينكسر، ويعلقه فى وسطه لم يزل منعظا إلى أن ينزعه، ويجامع ما أحب ولا ينكس ما دام عليه. وقيل إن ابن الغمر لما ولى إحميم أخبر بذلك، فطلب تلك الصورة فى البربى فلم يجد منها غير واحدة قرب سقف البربى، فاحتال عليها حتى أخذ الإحليل، فكان يستعمله فيخبر عنه بعجب؛ وقيل إنه كان فى البربى منه صور كثيرة فلم [تزل] تؤخذ حتى فقدت.

قال الوصيفى: حدثنى من أثقه أنهم وجدوا فى بعض البرابى أشنانة زجاج أحمر مربعة الشكل موضوعة فى طاق وفيها ماء أصفر، فلم يدروا لم يصلح ذلك الماء فاهرقوه منها، وأخذ أحدهم تلك الأشنانة. قال فأقامت عنده مدة إلى أن رآها رجل غريب نزل عليه ضيفا، فاستظرفها فسأله عنها فأخبره بخبرها وبخير الماء الذي كان فيها؛ فتلهف ذلك الرجل على الماء، وقال أضعتم علما عظيما وخيرا كثيرا. وقال إنكم لو حميتم الفضة وغمستموها فى ذلك الماء لصارت ذهبا؛ قال فندمت على التفريط فى ذلك الماء. ثم قال لى أتريد أن أريك فى هذه الأشنانة عجبا؟ قلت نعم قال زنها، قال فوزنتها فوجدت بها أرطال سواء، فقال لى املأها ماء أو ما أحببت، قال ففعلت، قال لى زنها فوزنتها، فوجدت وزنها واحد وهى ممتلئة مثل وزنها وهى فارغة أرطال لا تزيد ولا تنقص شيئا،

فعجبت من ذلك. وشاع خبرها حتى اتصل ببعض الولاة فوجه إلى فأخذها منى.

وكان فى هذه البرابى عجائب من الطلاسم فى قبور شتى قد درس أكثرها، وتهدم أكثر البرابى. وأما الأهرام فهى باقية على حالها ما اختل منها شئ؛ فيقال إن كل ما تهدم من هذه الهياكل وتغير، مثل بربى بوصير وبربى سمنود وغير ذلك من الهياكل، أن المنجمين تركوا الاستقصاء فى أخذ الطالع وتصحيحه فى وقت وضع الأساس، وكذلك ما بقى منها فلقرب الطالع من الصحيح. ولا شك أن الذين بنوا هذه البرابى كانوا على بعد من الملوك، ولم يكونوا بحضرتهم ولا تحت نظرهم، فيستقصوا النظر كما اتفق فى بناء الأهرام، وكان بالقرب من صاحب مصر فكان يتفقدها. والبرابى أكثر إنما هى فى الكور. قيل ولكل بربى من هذه البرابى خاصة ومنفعة فى الموضع الذي يكون فيه وما والى جهته؛ وأهل تلك الديار لا يشكون أنه لما هدم بربى سمنود، وحملت حجارته إلى أشتوم دمياط، أن اليوم الذي فرغ فيه من هدم الحائط الغربى، دخل حباسة الإسكندرية وخربها، وكثرت الرمال فى أسباب البحر بها حتى انقطع النيل عنها فى شهور الصيف، وكان يمر عليها صيفا وشتاء؛ وقلت زكاة الزرع وكثر الفأر فيه والجراد والفساد الذي لم يعهد قبل ذلك. ومن العجائب المذكورة بأرض مصر فى قرية يقال لها بدرسانة، كنيسة قديمة للروم فيها بيت يصعد إليه قى نيف وعشرين مرقى، وهناك سرير عليه صبى ميت، وتحت السرير صورة ثور عظيم من زجاج فى جوفه باطية زجاج فيها أنبوبة نحاس موضوع فيها فتيل كتان، ويصب عليه يسير زيت فما تلبث أن تمتلىء

الباطية من الزيت حتى يفيض إلى جوف الثور، فيأخذ قيم الكنيسة ذلك الزيت دائما، فيسرج منه قناديل الكنيسة كلها، ولا ينقطع نماؤه وزيادته على مرور الدهور والأيام. فإن أزيل الصبى الميت، طفيت النار ولم يفض الزيت، فإذا أعيد عاد الزيت إلى ما كان عليه. وقد سار إلى هذه الكنيسة جماعة من الناس رأوا ذلك وأفرغوا الباطية تم أسرجوها بيسير من الزيت، ففاضت وبدا منها ما ذكرنا.

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الاستبصار في عجائب الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.