تجاوز إلى المحتوى

من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)

صفة قبور الشهداء بأحد رحمة الله عليهم

وقبور الشهداء فى أصل جبل أحد، أقرب ما يكون منها بأحد حظير مبنى من حجارة ارتفاعه إلى المحزم، فيه من القبور قبرا

مغطاة بالجندل. وقبر العروسين معاذ بن عمرو بن الجموح وصاحبه معاذ بن عمر اللذين أمر النبي ﷺ أن يدفنا فى قبر واحد، وهما بغربى ذلك الحظير، بينهما قدر رميتين بحجر؛ وعليه لوحان مكتوبان الواحد من مسن المدينة والآخر من خشب. وقبراهما مقبو عليهما، ارتفاعه قدر القامة عنده قبرا. وأسفل من الحظير قبر حمزة بن عبد المطلب، وقد بنى حوله حظير، وقطع منه مسجد وقبر. والقبر فى الحظير أمام المسجد غير ممهد، عند رأسه لوح من مسن المدينة فيه مكتوب: «هذا قبر حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ، أسد الله وأسد رسوله، سيد الشهداء وقائدهم إلى الجنة؛ شهد بدرا وقتل يوم أحد رضه». وعند ظهره لوح مكتوب فيه: «إن الله أشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون» إلى آخر الآية. وعند رجله لوح مكتوب فيه: «إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما». «هذا قبر حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله، شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا».

ومن ذلك الحظير على يساره إذا مضيت إلى أحد، عن يمينك قبل أن تبلغ قبر حمزة، مبنى ارتفاعه إلى المحزم، عليه لوح مكتوب من خشب: «هذا قبر سهل بن قيس بن سعد، صاحب لواء رسول الله ﷺ، شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: انتهى ما قصدته من ذكر مكة شرفها الله، وما سقته معها من ذكر المناسك، ووصف مسجد النبي عم بالمدينة. والآن أشرع فيما أشترطه من ذكر البلاد بمبلغ الوسع والاجتهاد، والله الموفق للصواب.

ذكر بلاد مصر وما فيها من العجائب

بلاد مصر فى أول الإقليم الرابع، لها من البروج الجوزاء، ومن النجوم عطارد. وهى من أسوان إلى الإسكندرية، وخصبها وزرعها وفواكهها كثير جدا، يسقى جميعا بالنيل. والنيل من عجائب العالم لا يعرف له منبع من تحت جبل القمر، وراء خط الاستواء بتسع درجات ونصف درجة، يخرج من عينا هنالك، يجتمع فى بحيرتين هناك كالبطائح، ثم ينبعث من كل بطحة أنهار، منها نيل مصر وغيره من الأنهار الكبار التى يأتى ذكرها إن شاء الله تعالى. وذلك فى البلاد المحترقة الجنوبية التى لا يكون فيها نبات ولا حيوان، لقرب الشمس من ذلك الموضع.

قيل ينبعث نيل مصر فى رمال وجبال، ثم يخترق أرض السودان مما يلى بلاد الزنج، ثم ينبعث منه خليج يشق بلاد الزنج يصب فى بحر الزنج. وتظهر فى هذا الخليج الزيادة التى تظهر فى نيل مصر؛ وفيه التمساح الكائن فى نيل مصر، ويسمى الورل الذي يكون فى الصحراء والبرارى إنما أصله من التمساح.

وذلك أن التمساح يخرج من النيل فيسرح على السواحل، فربما قبض عنه الماء فيبقى فى البر، فيتناسل فيكون منه الورل المشهور. والتمساح لا يوجد إلا فى نيل مصر، أو فى نهر أصله من ماء واحد مع نيل مصر.

وفى نيل مصر السمك الرعاد؛ من صاده لم تزل يده ترتعد ما دام فى شبكته أو فى صنارته. وعلى النيل جبل هامد، يراه أهل تلك الجهة، من انتضى سيفه ثم أولجه فيه، وقبض على مقبضه بيديه جميعا، اضطرب السيف فى يده

فارتعد، ولا يقدر على إمساكه ولو كان أشد الناس. وإذا أحدّ بحجارة هذا الجبل سكين أو سيف لا يؤثر فيه حديد أبدا، وجذب الإبر والمسال أشد جذبا من المغنطيس، ولا يبطل الثوم عمله كما يبطل المغنطيس. وحجر الجبل نفسه لا يجذب الحديد، فإن حدّ عليه الحديد، جذب ذلك الحديد؛ وهذا من العجائب.

ويقال إن نيل مصر يجرى على وجه الأرض فرسخ، ويجرى فى غير عمران مسيرة أشهر، وفى بلاد السودان مسيرة شهرين، وفى بلاد مصر مسيرة شهر، من أسوا نإلى أن يصب فى البحر بحلق رشيد بشرقى الإسكندرية. وذكر هورشيش الرومى فى تاريخه أن منبعه إلى موقعه ميلا. والنيل مخالف لكل نهر من أنهار الأرض: لأن كل نهر يستقبل الجنوب، والنيل يستقبل الشمال، فهو مخالف لجميع أنهار الدنيا؛ وعلة ذلك أن منبعه من الجنوب؛ قال الشاعر:

بلاد مصر شأنها عجيبونيلها تجرى به الجنوب

قيل وليس فى الدنيا نهر يسمى بحرا ويمّا غير النيل؛ قال الله تعالى: «فإذا خفت

عليه فألقيه فى اليم»؛ والعرب تسميه بحرا. وليس فى الدنيا نهر يفيض على الأرض ويزرع عليه ويغنى عن المطر غير النيل. وقيل إن بلاد مصر أشهر درة بيضاء، و أشهر مسكة سوداء، و أشهر زمردة خضراء، و أشهر سبيكة حمراء. وتفسير ذلك أن النيل إذا استوى، طما جميع أرض مصر فتبقى قراها وضياعها فى رواب وتلال كأنها الكواكب، ويتصرف الناس بينها فى الزوارق فتكون الأرض كدرة بيضاء. ويمكث عليها الماء أشهر، فإذا قبض عنها الماء أخذ الحراثون فى بذر الزرع، فتمكث الأرض سوداء إلى أن ينبت الزرع وتظهر خضرته أشهر، فكأن الأرض مسكة سوداء، وأيضا فإنها تفوح منها رائحة طيبة عطرة. فإذا كبر الزرع وظهرت خضرته، كانت الأرض كأنها زبرجدة خضراء. وبقيت كذلك أشهر، إلى أن يصفر الزرع وييبس ويتناهى، كانت الأرض عند ذلك كأنها سبيكة ذهب حمراء، وبقيت كذلك أشهر حتى يتم الحصاد.

وذكر أن مصر فى كتب الأوائل مصوّرة وسائر البلاد مادة اليها أيديها تستطعمها، ومعنى ذلك أنها أكثر بلاد الله زروعا. وذكر أن هارون الرشيد صورت له مدائن مصر ومدائن الدنيا فما استحسن منها غير عمل مدينة أسيوط؛ وهى بسيط واحد لو قطرت فيه قطرة فاضت على جميع نواحيه، يبذر فيها جميع الحبوب، فإذا اخضر فلا يكون على الأرض بساط أعجب

منه. والجانب الغربى من هذه المدينة جبل أبيض كأنه طيلسان، ويحيط بها من الجانب الشرقى النيل كأنه جدول فضة، قد تشبكت عليه فى الأرض الأشجار والكروم، فلا تسمع فيه الكلام من شدة أصوات الطيور.

ولنيل مصر فى زيادته ونقصانه عجائب كثيرة، عرضنا عن ذكرها لكثرة معرفة الناس بها. وليلة الغطاس بمصر من أعجب شىء؛ وتسمى فى هذا الزمان كسر الخليج، وهى لعشر تمضى من كانون الآخر وهو بلغة الروم ينّير؛ وذلك الوقت يستوى مد النيل ويأخذ فى الانحطاط. وأصفى ما يكون ما النيل فى ذلك الوقت. ولهذه الليلة بمصر شأن عظيم، وذلك أنه يخرج تلك الليلة جميع البشر ممن يقدر على الخروج تلك الليلة وقد أعدوا ما أمكنهم من الأطعمة والأشربة، ولبسوا أحسن ما عندهم من الملابس، وأظهروا ما أمكنهم من الجواهر وأوانى الذهب والفضة، وأحضروا جميع الملاهى. ويدخل الناس فى الزوارق، ومنهم من يدخل فى الدور المشرفة على النيل، ويشعلون المشاعل والشمع الكثير. ويشعل صاحب مصر الشمع على جانب النيل، فيحرق فى تلك الليلة بمصر من الشمع ما لا يحصى عدده؛ فترى الناس على شطوط النيل فى الزوارق، ومنهم فى الدور المشرفة على النيل بالطبول والأبواق وجميع الملاهى.

وهى أحسن ليلة تكون بمصر وأكملها سرورا؛ ويغطس أكثر الناس فى النيل، ومن لم يغطس يرش عليه من الماء، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض.

قال عمرو بن العاص: «ولاية مصر تعدل الخلافة»، لأنها جعلها الله متوسطة بين الإقليم الثالث والرابع؛ سلمت من حر الإقليم الأول والثانى، ومن برد الإقليم الخامس والسادس. وقال الجاحظ: «أهل مصر أعقل الناس صغارا

وأحمقهم كبارا». وقيل إن مصر لم يجعل الله فى أرزاق أهلها ولا فى أقواتهم نصيبا مما قسم على عباده: من الرحمة بالغيث الذي جعله الله عمارة البلاد.

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الاستبصار في عجائب الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.