تجاوز إلى المحتوى

من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)

ذكر ما نقله القبط من خبر يوسف عم

قيل إن فى كتب تواريخ القبط أنه أدخل مصر غلام من أهل الشام كان قد باعه أخوته، وكانت قوافل الشام تعرس بناحية الموقف اليوم، فأوقف غلام فنودى عليه وهو يوسف عم فبلغ زنته ذهبا، فاشتراه قطفير وهو العزيز ليهديه للملك. فلما أتى به منزله ورأته زليخه امرأته، قالت له أتركه لنا نربيه ففعل؛ فكان من أمر افتتانها به ما قصه الله تعالى إلى أن رأى الملك الرؤيا؛ فأخرج يوسف من السجن، وأمر بغسله وكساه الثياب الرفيعة، وحمل إليه فلما دخل عليه ورآه امتلأ به سرورا وألقيت عليه منه المحبة والهيبة، وسأله عن الرؤيا ففسرها له كما ذكر الله تعالى؛ فقال له الملك ومن يقوم لى بذلك؛ فقال له يوسف أنا، فإنى حفيظ عليم. قيل فرأى الملك امتحان يوسف عم ومعرفته فأمر له بعمل الفيوم، وكان موضعا يفيض فيه ماء النيل، فأقام تلك الأرض وأتى بتلك الحكمة

المعجزة والآية البينة فى أشهر، وقيل فى يوما، وشق تلك الخلجان الثلاثة فلما فرغ يوسف عم من عمل الفيوم وأعلم بذلك الملك، خرج هو ووزراؤه وأهل دولته ينظرون إلى ما صنع يوسف عم، فلما نظر الملك إلى حكمة صنع ذلك الموضع فى مدة يسيرة، قال الملك لوزرائه: هذا عمل ألف يوم؛ فسمى الفيوم من حينئذ. قيل فسر الملك بيوسف سرورا عظيما وخلع عليه وألبسه تاجا مكللا بفاخر الجوهر، وأمر الجيش أن يركب معه ويطاف به ويرد إلى القصر ويجلس على سرير العزيز. وكان العزيز قد مات فاستخلفه الملك على ملكه، وسماه العزيز وزوجه امرأته زليخة، فدخل بها يوسف عم فوجدها عذراء فقال لها هذا أصلح مما أردت، فقالت له اعذرنى فإن زوجى كان عنينا، ولم تكن تراك امرأة فى حسنك وجمالك إلا صبا قلبها إليك.

قيل فلما جاءت سنين الخصب أخذ يوسف فى توفير الغلات والاستكثار من الأقوات، وبنى لاختزان الزرع مخازن عظيمة، ويقال إن بعضها باق إلى الآن فإن الطعام كان يختزن بسنبله كما ذكر الله تعالى. فلما جاءت سنين الجدب ونقص فيض النيل وتوالى نقصانه فأحسن يوسف عم السياسة والتدبير فى تلك المجاعة، وقسط بيع الزرع بين الناس فلا يبيع لأحد إلا بقدر حتى ساوى بين الناس؛ ولولا ذلك لهلك الناس. وقيل إنه صار ليوسف جميع أموال أهل مصر بما باع منهم من الطعام، فإنه باع منهم بالذهب والفضه والحلى والثياب والدواب والأبنية والعقار، وبجميع ما بأيديهم من الأموال، حتى أنه يقال إنهم باعوا منه أولادهم ونساءهم وأنفسهم حتى صاروا له كلهم عبيدا، وتلك كرامة من الله أكرمه بها لأجل ما بيع ببلدهم. فمن ذلك الوقت صارت أرض مصر كلها للسلطان ليس للرعية فيها ضيعة ولا فدان. وقد اعترضهم بعض ولاة مصر فى أيام بنى عبيد الذين كانوا بها قبل اليوم ملوكا، وأراد أخذ ديارهم واحتج عليهم بهذا القول. قيل وقحط أهل الشام فى ذلك الوقت، فكان من أمر يوسف مع أخوته ما قصه الله تعالى فى كتابه. فوجه يوسف عم إلى أبيه وحمله من الشام إلى مصر بجميع أهله وولده، فلما قرب يعقوب عم من مصر خرج

إليه يوسف فى وجوه أهل مصر، وتلقاه وأدخله على الملك، وكان يعقوب عم نبيا جليلا فصيحا فأعظمه الملك وأحبه. قيل فدعاه يعقوب إلى توحيد الله تعالى ونبذ الأصنام، وكان يوسف قد قدر عنده ذلك فتمكن من استبصار الملك وآمن.

فيقال إنه كتم إيمانه خوفا من ذهاب ملكه، ثم لم يزل يعقوب ﵇ مكرما معظما حتى حضرته الوفاة، وذلك فى حياة الملك الريان بن الوليد، فأوصى يعقوب أن يدفن فى مكانه ومكان آبائه بالشام، فوضع فى تابوت وخرج به يوسف ووجوه أهل مصر حتى بلغوه إلى موضعه. قيل فمنعهم عيصوم أخو يعقوب أن يدفنوه هناك لأن إسحاق عم آباهما وهب لعيصوم ذلك الموضع حتى اشتراه يوسف منه ودفن فيه يعقوب. ثم انصرف يوسف إلى مصر، وولد له بعد ذلك أولاد كثير.

ثم هلك الملك الريان واستخلف ابنه دريموس بن الريان، وهو فرعون الرابع ويسميه أهل الأثر دارم، وكان الملك الريان قد أوصى ابنه دريموس أن يبقى يوسف على ما كان عليه من استخلاف وحجابة وأن يسمع من رأيه، فبقى يوسف على ما كان عليه. وكان الملك دريموس يسمع من رأيه غير أنه خالفه فى دينه وما كان اعتقده أبوه، فكان يخدم القمر لأنه كان طالعه، فكان يصنع له أصناف الفضة وينصبها فى قصر الرخام الذي بناه أبوه فى شرقى النيل. قيل وقبض يوسف عم بعد سنين من ولاية هذا الملك، فجزع عليه جزعا شديدا وكذلك أهل مصر، وأمر الملك أن يكفن فى ثياب الملوك، وجعل فى تابوت من رخام، ودفن فى الجانب الغربى من النيل عاما فأخصب ذلك الجانب ثم نقل إلى الجانب الشرقى عاما فأخصب أيضا ذلك الجانب، فلما ظهرت لهم بركته رأوا رأيا أن يجعل التابوت فى وسط النيل، فشدوه بالحبال ودلوه فى وسط النيل فأخصب الجانبان كلاهما جميعا.

ويقال إن الملك الريان بن الوليد صاحب يوسف ﵇ لم يمت وانه عاش إلى زمان موسى؛ وإنه فرعون موسى عم المذكور فى القرآن، وإنه لما أطال الله فى عمره أدركه الإعجاب فتأله ودعا الناس إلى عبادته، وقيل غير ذلك.

وتنازع الناس فى أمر فرعون موسى عم، فمنهم من رأى أنه من العماليق، ومنهم من رأى أنه من لخم من الشام، ومنهم من رأى أنه من الفرس من مدينة اصطخر، ومنهم من رأى أنه من ولد مصر المتقدم المذكور والقبط أثبتت ذلك، وزعم قوم من الأعاجم أنه من الأندلس من مدينة قرمونة، وذكر أن اسمه الوليد بن مصعب. وكان سبب ملكه أنه دخل مدينة منف من البادية يحمل خمرا للبيع على أتان له، وكان أهل منف قد اختلفوا فى تولية ملك عليهم فأجمعوا أن يملكوا أول من يدخل فى ذلك اليوم، فكان أول داخل ذلك اليوم على باب المدينة فرعون، فولوه الملك. ومدينة منف كانت فى ذلك الزمان قاعدة مدن مصر ودار مملكتها، فلما تمكن ملك فرعون ببلاد مصر بذل الأموال وجمع الجيوش وقتل من خالفه وناوأه ومدن المدن وخندق الخنادق فاستقر له الأمر، وكان جبارا معجبا يدعو الناس إلى عبادته، ويقول لهم أنا ربكم الأعلى كما حكى الله تعالى عنه فى كتابه العزيز. واستعبد بنى اسرائيل فكان من أمره مع موسى ما قصه الله تعالى. ثم ملك موسى بلاد مصر والشام لبنى اسرائيل يتوارثونها ملك عن ملك، ومنهم كان داود وسليمان عم إلى أن بعث الله تعالى عيسى عم، وظهر دين النصرانية، ملك أرض مصر النصارى وكانوا يتوارثونها ملك عن ملك إلى أن جاء الله تعالى بالإسلام، فدخل المسلمون بلاد مصر وملكوها فى أيام عمر بن الخطاب رضه.

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الاستبصار في عجائب الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.