من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)
ذكر فتح مصر
قال عبد الرحمن بن عبد الله بن [عبد] الحكم: لما كان سنة من الهجرة فى خلاقة عمر بن الخطاب رضه وقدم عمر رضه الجابية، خلا به عمرو ابن العاص وقد كان دخل مصر فى الجاهلية وجرى له بها خبر الكرة، فكان عمرو بن العاص يعرف أحوال مصر، فجعل يعظم عند عمر بن الخطاب أمرها، ويعرفه بكثرة جبايتها ويهون عليه أمرها وفتحها، حتى ركن لذلك عمر رضه.
فعقد له على وجهزهم معه، وقال له: «سر وأنا مستخير الله تعالى وسيأتيك كتابى سريعا بما أرى إن شاء الله تعالى، فإن أدركك كتابى آمرك فيه بالانصراف قبل أن تدخل أرض مصر فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابى فامض لوجهك واستعن بالله واستنصر به». فسار عمرو بن العاص فى جوف الليل ولم يشعر به أحد، ثم استخار عمر فكأنه تخوف على المسلمين فكتب إلى عمر ويأمره بالانصراف بمن معه، فأدركه الكتاب وهو فى رفح فتخوف عمرو إن قرأ الكتاب يكون فيه الأمر بالانصراف، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل عنها فقيل له إنها من أرض مصر، فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين ثم قال لهم: ألستم تعلمون أن هذه القرية من أرض مصر؟ فقالوا بلى. فقال لهم إن أمير المؤمنين عهد إلى إن لحقنى كتابه وأنا لم أدخل أرض مصر أن أرجع بمن معى، وإن كتابه لم يلحقنى حتى دخلت أرض مصر فسيروا على بركة الله. فساروا حتى توسطوا بلاد مصر فنزلوا بموضع على النيل وهو الفسطاط، ولم يكن فيه حينئذ مدينة وإنما بنى الفسطاط عمرو. وكان ملك مصر فى ذلك الزمان المقوقس وهو الذي أهدى
لرسول الله ﷺ مارية القبطية، فلما سمع المقوقس دخول المسلمين بلاده ونزولهم فى موضع الفسطاط ولم يكن له بهم علم راعه ذلك، ونظر فى توجيه الجيوش إليهم. فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضه يستمده، فأمده بأربعة الآلاف. ويقال إن أسقفا كان بالإسكندرية من أهل العلم بالكوائن، لما بلغه قدوم عمرو مع المسلمين إلى بلاد مصر كتب إلى القبط يعلمهم أن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقى عمرو والطاعة له؛ فأطاعه كثير من القبط فاستعان بهم على من سواهم. ثم سار عمرو إلى البلد الذي كان فيه الملك المقوقس، وكان حصنا عظيما مانعا وقد خندقوا حوله وجعلوا للخندق أبوابا وعلقوا شبك الحديد على تلك الأبواب، فكان عمرو يفرق أصحابه على جوانب الحصن ليرى العدو أنهم أكثر مما هم، ويغدوا بهم فى الأسحار ويصففهم على أبواب الخندق عليهم السلاح والدروع.
ثم إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضه بعث الزبير بن العوام فى الفا فتقوى المسلمون، فجعل عمرو يلح بالقتال ووضع المنجنيق، فلما أبطأ الفتح على المسلمين قال الزبير بن العوام رضه: أنا أهب نفسى لله وأرجو أن يفتح الله على المسلمين. فوضع له سلم إلى جانب الحصن فرقى ثم قال لهم إذا سمعتم تكبيرى أجيبونى، فما شعر أهل الحصن إلا والزبير على رأس الحصن يكبر والسيف بيده منتضى، فتحامل المسلمون على السلم حتى نهاهم عمرو خوفا أن ينكسر بهم، فهرب أهل الحصن جميعا. وعمد الزبير إلى باب الحصن ففتحه واقتحم المسلمون فيه، فلجأ الروم والقبط إلى الفوق وهو قصر منيع فى الحصن، فحاربهم المسلمون نحو شهر، وكان فى ذلك القصر المقوقس مع أكابر الروم والقبط، فخاف المقوقس على نفسه وعلى من معه فخرج من باب خفى وترك فى القصر جماعة يقاتلون، وسار إلى الجزيرة موضع دار الصناعة اليوم، وأمر بقطع الجسر. ثم أرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: «إنكم قوم قد دخلتم بلادنا وطال مقامكم بأرضنا وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد اضلتكم الروم وجهزوا إليكم الجيوش، وقد أحاط بكم هذا النيل وأنتم أسارى بأيدينا، فابعثوا إلينا رجلا منكم نسمع كلامه فعسى أن يتأتى الأمر بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب،
وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جيوش الروم فتندموا. فرد عمرو مع رسله أنه ليس بيننا وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما أن تدخلوا فى الإسلام فكنتم إخواننا وكان لنا ما لكم وعلينا ما عليكم؛ فإن أنتم أبيتم أعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون؛ أو جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم، وهو خير الحاكمين. فلما رجعت رسل المقوقس قال لهم كيف رأيتموهم، قالوا رأينا أقواما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم فى الدنيا رغبة، إنما جلوسهم على التراب وأكلهم على الركب وأميرهم كواحد منهم، يغسلون أطرافهم بالماء، فإذا حضرت صلاتهم لم يتخلف عنها أحد منهم ويتخشعون فى صلاتهم تخشيعا كثيرا. فقال المقوقس والذي يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لزلزلوها وما يقوى على قتال هؤلاء أحد، وإن لم يغننا صلح هؤلاء القوم وهم محصورون بهذا النيل فإنهم لن يجيبوننا إذا تمكنوا من الأرض. وكان ذلك وقت خروج النيل وفيضه، والمسلمون قد أحدقت بهم المياه من كل جانب لا يقدرون على النفوذ إلى الصعيد ولا إلى غيره. ثم بعث إليهم عمرو بن العاص رجال أحدهم عبادة ابن الصامت، وكان أسود اللون من العرب، وأمرهم أن يكون متكلم القوم فإنه كان فصيحا، وأمرهم أنه لا يجيبهم إلا إلى إحدى ثلاث خصال وهى المتقدم ذكرها.
فركبوا السفن ودخلوا على المقوقس؛ فتقدم عبادة للكلام فهابه المقوقس لسواده وقال نحوا عنى هذا الأسود وقدموا غيره، فقالوا جميعا إن هذا الأسود سيدنا وأفضلنا رأيا وعلما. فكلمه عبادة ثانيا، فقال المقوقس لأصحابه: لقد هبت منظره وإن قوله عندى لأهيب، وإن هذا وأصحابه إنما خرجوا إلى خراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها. وقال نعطى كل من فى الجيش دينارين ونعطى أميرهم دينار ونبعث إلى خليفتهم دينار؛ فلم يجبه عبادة إلا إلى إحدى ثلاث خصال. فقال المقوقس لأصحابه ماذا ترون؟
فقالوا: أما ما أرادوا من دخولنا فى دينهم فهذا ما لا يمكن ولا نترك دين المسيح إلى دين لا نعرفه، وأما ما أرادوا [من] أن يجعلونا عبيدا فالموت أيسر من ذلك، فإن رضوا بأن نضعف لهم ما أعطيناهم وينصرفوا عنا كان أهون علينا.
فانصرف عنهم عبادة بن الصامت وأصحابه ولم ينعقد بينهم صلح على شىء، فألح عليهم المسلمون بالقتال حتى أذعن المقوقس لإعطاء الجزية عن القبط خاصة.
وأما الروم فيخيرون فى المقام على الجزية والخروج إلى أرض الروم، وتم ذلك بينهم وبين المسلمين؛ قيل فأحصى يومئذ جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط فكانوا ألف ممن بلغ الحلم، سوى الشيخ الفانى والصغير الناشئ والنساء. وفرض على كل رجل منهم دينارين فى السنة فكانت فريضتهم ألف دينار، ورفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكدة ثم زادت بمن استقر بها من النصارى وغيرهم من النوبة دينار. فجعل عمرو يبحث عن الأموال ويضمها إلى بيت مال المسلمين، فذكر له أنه عند عظيم الصعيد مال كثير، فبعث إليه فيه فقال له ما عندى مال فسجنه. وسأل عمرو من كان يدخل إليه هل سمعوه يذكر أحدا، فقالوا له سمعناه يكثر ذكر راهب بالطور، فبعث عمرو فأتوا بخاتم المسجون فكتب كتابا على لسانه إلى ذلك الراهب بالرومية وختم عليه، وبعث به إلى ذلك الراهب فأتى بقدرة نحاس مختومة بالرصاص فإذا فيها كتاب فيه: يا بنى إذا أردتم ما لكم فاحفروا تحت الفسقية. فبعث عمرو الأمناء إلى الفسقية وهى الساقية، فحفروا تحتها فاستخرجوا أردب دنانير، والأردب نحو قنطار ونصف.
ثم أمر عمرو المسلمين ببناء دور يسكنونها بالفسطاط وهى مدينة مصر اليوم، وإنما سميت مدينة مصر بالفسطاط لأن عمرو بن العاص حين دخل مصر ضرب فسطاطه بذلك الموقع، فلما أراد التوجه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع الفسطاط فإذا فيه يمام قد فرخ، فقال عمرو لقد تحرم هذا منا بحرم، فأمر الفسطاط فأقر مكانه وأوصى عليه. فقام المسلمون من الإسكندرية بعد فتحها وقال الناس أين ننزل فقيل الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي تركه فى المنزل مضروبا بالموضع الذي يعرف اليوم بدار الحصى. ثم بدأ عمرو ابن العاص ببناء المسجد وكان موضعه حدائق وأعناب فقطعت، ووضعوا أيديهم على البناء فلم يزل عمرو ومن حضر من أصحاب رسول الله ﷺ قياما حتى وضعت القبة، فلما أتمه اتخذ فيه منبرا فكان يخطب عليه.
وقال أبو تميم الجهانى: فوصل ذلك عمر بن الخطاب رضه فكتب إلى عمرو ابن العاص: أما بعد فإنه بلغنى أنك اتخذت منبرا ترقى فيه على رقاب المسلمين
أما بحسبك أن تقوم قائما والناس من تحتك، فعزمت عليك إلا كسرته. ثم اختط عمرو داره التى هى اليوم عند باب المسجد بينهما الطريق، وكذلك اختط جميع من أراد السكنى بمصر من المسلمين دارا لنفسه. وكان الزبير بن العوام اختط دارا وجعل فيها السلم الذي صعد عليه إلى الحصن المتقدم الذكر، فلما ولى عبد الملك بن مروان اغتصبها من الزبير وأصفاها لنفسه، فلما [ولى] أبو جعفر المنصور من بنى العباس ردها على هشام بن عروة بن الزبير.
النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع