من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير العذارى
وهذا الدير أسفل الحظيرة، على شاطىء دجلة. وهو دير حسن عامر، حوله البساتين والكروم، وفيه جميع ما يحتاج إليه. ولا يخلو من متنزه يقصده للشرب واللعب. وهو من الديارات الحسنة، وبقعته من البقاع المستطابة.
وإنما سمي بدير العذارى، لأنه فيه جوار متبتلات عذارى، هن سكانه وقطانه، فسمي الدير بهن.
وذكر يموت بن المزرع، عن الجاحظ، قال: حدثني ابن فرج الثعلبي، أن قوماً من بني ثعلب، أرادوا قطع الطريف على مال السلطان فأتتهم المعانية، فأعلمتهم أن السلطان قد نذر بهم، فساروا ثم أزمعوا على الاستخفاء وقع حوافر الخيل في طلبهم. فلما أمنوا وجاوزتهم الخيل، خلا كل واحد منهم بجارية هي عنده عذراء، فإذا القس قد فرغ منهم، فقال بعضهم في ذلك:
وألوط من راهبٍ يّدعيبأن النساء عليه حرام
يحرّم بيضاء ممكورةًويغنيه في البضع عنها غلام
إذا ما مشى غض من طرفهوفي الدير بالليل منه عرام
ودير العذارى فضوحٌ لهنّوعند اللصوص حديث تمام
وببغداد أيضاً دير يعرف بدير العذارى في قطيعة النصارى على نهر الدجاج. وسمي بذلك لأن لهم صوم ثلاثة قبل الصوم الكبير، يسمى صوم العذارى. فإذا انقضى الصوم اجتمعوا إلى هذا الدير فتعبدوا وتقربوا. وهو دير حسن طيب.
ولابن المعتز في دير العذارى المقدم ذكره:
خليلي قم حتى نموت من السكربحانة خمار مماتاً بلا قبر
ونشرب من كرخيةٍ ذهبيةٍونصفح عن ذنب الحوادث والدهر
ألا ربّ أيام مضين حميدةًبدير العذارى والصوامع والقصر
وكم من ليال مسعدات لذي الهوىجسرت على اللذات فيهن بالجسر
خليلي فلا تطلب فلاحي وخلّنيفما لي على لمتني فيه من صبر
ولبعضهم، فيه:
قام عذري في ظبي دير النصارىحين أبصرت عاشقيه حيارى
فتنةٌ عمّت الخلائق واستولت على مسلميهم والنصارى
قال: ولما خرج عبيد الله بن عبد الله بن طاهر من بغداد إلى سر من رأى، وكان المعتز استدعاه، نزل هذا الدير، فأقام به يومين واستطابه وشرب فيه، ثم قال هذه الأبيات:
ما ترى طيب وقتنا يا سعيدزمنٌ ضاحكٌ وروض نضيد
ورياضٌ كأنهنّ برودٌكل يوم لهن صبغ جديد
وكأن الشقيق فيها عشيقوكأن البهار صبٌّ عميد
وكأن الغصون ميلاً قدودٌوكأن النوار فيها عقود
وكأن الثمار والورق الخضر ثيابٌ من تحتهنّ نهود
فاسقنيها راحاً تريح من الهم وتبدي سرورنا وتعيد
واحثث الكأس يا سعيد فقد حثّك نايٌ لها وجرك عود
وافترع عذرةً اللذاذات في دير العذارى، فعلّها لا تعود
وعبيد الله من أحسن الناس أدباً وشعراً وتصرفاً في سائر العلوم، مع كرم نفس وحسن خلق.
ولما وصل عبيد الله في سفرته المذكورة إلى المعتز، أمره بالمقام عنده في ذلك اليوم، فأقام. قال عبيد الله: فأرسل المعتز إلى شارية أن تخرج، فتعاللت عليه، فقال: عندي من يحب أن يسمعك وأحب لك وله ذلك، ولا بد من حضورك. فخرجت فجلست خلف الستارة، ثم قالت: لولا الزائر ما جئنا. فأول صوت غنته:
غشيت المنازل بالأنعمكمنعرج الوشم في المعصم
ثم غنت بعده:
لقد راعني للبين صوت حمامةٍعلى غصن بانٍ جاوبتها حمائم
فقال لي المعتز: كيف تسمع؟ قلت: أسمع شيئاً حظ العجب منه أكثر من حد الطرب. فاستحسن هذا الكلام مني. ثم أسمعني زمر زنام الزامر، وقد ضعف وأرعش وأزمنه النقرس. وأراني الآلة التي عملها أحمد بن موسى المهندس من صفر يرسل فيها الماء فيسمع لها زمر السرناي. ثم أدخلني إلى شباك، وأمر أن يجمع بين السبع والفيل، فرأيتهما كيف يتواثبان، ثم قال لي: أذكر أني أريتك اليوم أشياء طريفة. قلت: نعم يا سيدي. قال: أيها أظرف عندك؟ قلت: غناء شارية. فقال لي: صدقت! قال جحظة: دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يوماً، فجاءه مشيخة، فأمرهم بالجلوس عن يمينه. وجاء كهول، فأمرهم بالجلوس عن شماله. ودخل أحداث فوقفوا بين يديه ولم يأمرهم بالجلوس. فسألته عنهم، فقال: هؤلاء بني، وأومأ إلى الشيوخ، وهؤلاء بنوهم وأومأ إلى الكهول، وهؤلاء بنوهم وأومأ إلى الأحداث. قلت: بنوك لأم أو لأمهات شنى؟ قال: أم جميعهم شاجي، وأنشد:
زرعت وشاجي بيننا في شبيبتيغراس الهوى فاعتم بالثمر العذب
فشاب بنو شاجي لظهري وأدركواوشاب بنوهم وهي مالكة قلبي
قال: وهي معي مذ سبعون سنة. وكان بعض المنجمين حكم بموته قبلها، فماتت قبله، فقال:
فيا عجباً مني وممن رعيتهبأوكد أسباب الهوى ورعاني
وكنت أُرجّي أن أكون فداءهفلما أتى وقت الحمام فداني
وذكر ابن قدامة قال: حضرت جنازة شاجي، فلما انصرفنا، دخلت مع عبيد الله مساعداً له ومؤنساً، وهو مطرق ودموعه تجري على خديه، فلم أر باكياً أحسن منه. ثم رفع رأسه وأقبل علينا، فقال:
يميناً بأني لو بليت بفقدهاوبي نبض عرقٍ للحياة وللنكس
لأوشكت قتل النفس عند فراقهاولكنها مات وقد ذهبت نفسي
قال: ثم حضرت معه لزيارة قبرها، فلما هم بالانصراف، قال:
من زار دار أحبةٍ لحياتهمولما يؤمّل من لقاء يقدر
فليأت دار أحبةٍ سكنوا البلىكرماً وحفظاً واللقاء المحشر
قال: ومات ابن لعبيد الله من شاجي، فزار قبره، ثم أنشد:
أيا مجمع الأحباب بعد تفرقٍأراك قريباً والتلاقي شاسعا
فيا عجباً أني أزورك مكرهاًوفيك الأُلى أهوى وأجفوك طائعا
قال الصولي: لما ماتت شاجي، جزع عليها عبيد الله الجزع الذي لم ير مثله. فرثاها جماعة من الأدباء، ورثاها عبيد الله بعدة قصائد. فكان أحسن ما مر بي في ذلك، رسالة لعبد الله بن المعتز إليه وجوابها من عبيد الله بن عبد الله. وكانت نسخة التعزية: اتصل بي، أعزك الله، خبر المصيبة. فوالله لقد أشركني الهم بها معك، وألمني منها ما ألمك. فصبراً يا أخي على حكم القدر، ونهضاً من عثرة الجزع، وثباتاً للمحنة، وشكراً لمفيد النعمة بتقديم الحرم وتحصيل الأجر على حسن الصبر وإن كانت:
جليلة حظٍ من عفاف ومن تُقىًوقمريّةً في ذروة الغصن تسجع
تولت ولو لم تطعم الأرض غيرهاكفتها ولكن لا أرى الأرض تشبع
وقد أطال لله إمتاعك بها منذ وهبها لك، وجعل فقده لمثوبتك التي هي أكبر منها إذ ارتجعها منك. ومثلك، أيدك الله، لا يحض على حفظ دينه، لأنك تعلمه وترغب فيه وتسارع إليه. لكن المصائب ربما عصفت بالجازع حتى يذكر أو يذكر، فيراجع الرضا بحكم من لا يجور، ويسبق الصبر على المصيبة مختاراً، للسلوة التي لا بد من أن يصير إليها اضطراراً. ورب خيرة مرة، وحميد في مكروه، وهو الدهر الذي نعرفه ولا تؤتى من غرةٍ به. هذه سجيته وبهذا تقدمت سيرته كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ولولا علة عائقة عن لقائك، أعزك الله، لصرت إليك بدلاً من كل كتاب ورسول، وقضيت بذلك حقك ورأيته من واجبك. ورب حاضر لم يحضر وده، وغائب لم يغب غمه عنا. وأعظم الله أجرك، وأجزل ثوابك، ودل على سبيل العزاء قلبك، وكفاك مكارهك، ووفقك لما يوافقك، ورحم التي توفيت، وجعل ما اتصلت به من الآخرة خيراً مما انقطعت عنه من الدنيا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
فأجابه عبيد الله بن عبد الله: أطال الله بقاء السيد المؤمل للدنيا والدين، وابن السادة المنعمين، والخلفاء الراشدين، والآباء المنتجبين، وزاد الله السيد تشريفاً وتفضيلاً، وأدام له العز والسعادة والكرامة والغبطة والسلامة، وجدد له النعم الظاهرة والمنن المترادفة، وجعلني من كل سوء ومكروه فداه، وقدمني إلى كل مرهوب ومحذور قبله.
وصل كتاب السيد، أطال الله بقاءه، مملوءاً بالبر والفضل والانعام والتطول وفرائد الأدب وجوامع المحاسن. فتلقيته بحقه من الاعظام والشكر والمعرفة بعلو قدره وارتفاع درجته وارتقاء رتبته في حسن التأليف واتفاق المعاني وجليل الصواب وجميل الخطاب. ولقد رفع الله الأدب والعلم ونواظر أهلهما بالسيد، أيده الله بعنايته وقدرته. فأما المشاركة فمعهودة من تفضله، حتى لو قلت أن التعزية بهذه المصيبة التي لحقتني لو شوفوه بها وعزى عنها جرى الأمر مجراه ووضع القصد في أحق مقاصده. وأما الصبر فهو الذي لا بد منه اضطراراً أو اختياراً.
إذا ما أصابت ذا حياةٍ مصيبةفقابلها منه التحمل والصبر
فما بعدت من أن تحوّل نعمةًيحق عليها الحمد لله والشكر
وأما الجزع، فما أصاب وأوجع وألم وروع، فلا محيد عنه. وإذا لم يتعد العين والقلب إلى البدن واللسان فخطبه أسهل، وشكر المولى المخفف للمحن والمتمم للنعم، المفزع في النوائب والعصمة في المصائب. ولو كان طول الامتاع، أعز الله السيد، يسلى لا يسلو عنه إلا لمن ساعده ووهى عقده لما عمل عليه مميز نظار، ولو كان على أشد المضض وأمر الغصص ولوعة الأبد ودوام الكمد، وأقول:
أسرّ أمور الدهر صار أغمّهاوكل جديد صار بعدك باليا
فأعجب من شهدٍ تحوّل علقماًومن ضاحكٍ لم يعد أن ظل باكيا
وأما السلوة، أعز الله السيد، فليست من فعل الأحرار المخلصين لا في محيا ولا في ممات، إنما هو اغتنام الاحتساب واتصال الأكساب والعياذ بالله من فقد العزاء وفقد أجره. وبالله يا سيدي، إن الشخص لخاشع وإن الطرف لدامع وإن القلب لحران موجع. ولقد صادفت هذه الحال بدناً ما فيه عضو صحيح، أسقام متطاولة ومصيبة موصولة بما بقي من الزمن.
وبينا الفتى يبكي ويندب شجوهومألوفه إذ صار يبكى ويندب
وأما ما ذكره السيد، جعلني الله فداه، من أمر العلة التي لا كانت ولا سمع لها بذكر أبداً، فإنه لولاها لكان وكان مما لا ينطلق بذكره اللسان. وأنا أعيذه بالله العظيم الذي فضله بكل خلق كريم من تعنيف الفعل الذي لا يجزي أدناه أقصى الشكر ففيما سلف من المخاطبة والمشاركة ما يبلغ أقصى منازل الشرف، وحاول أعلى مآثر الفخر؛ وأنا أفاوض السيد، أطال الله بقاءه، الشيء بعد الشيء، مما نطق به الحزن، وأبثه إياه. فمن ذلك:
وقعت على الأحباب والترب دونهمبنفسي وجوهٌ تحت تلك المقابر
ومثل لي ما نال من حسنها البلىفسبحان ربّي عالماً بالسرائر
ثم بعث إليه بعدة قصائد قالها فيها.
قال: ولما اختلت حال عبيد الله، بعث إليه المعتضد يسأله أن يفسح لشاجي في زيارته، فشق ذلك عليه، واحتج بأنها عليلة ومختلة الهيئة. فلج في طلبها حتى ظهر منه تهديد له. فبعث بها إليه. فذكر عنها أنها قالت: احتقرت نفسي حين دخلت على جواريه، لما رأيت عليهن من حليهن وحللهن، وحقرنني هن أيضاً حتى غنيت وغنين، فانتقل إعظامي لهن إلي منهن. فلما خرجت، حمل معها المعتضد عشرة آلاف درهم وكسوة وطيب. فجاءت شاجي وعبيد الله واله. فلما رآها سري عنه، ثم قال لها: هل رأيت شيئاً لم تري مثله عندنا فاستحسنته؟ فقالت: لا والله، إلا عوداً من عود، وذلك أنه محفور لا مبني، فاستطرفته. قال جحظة: فما قولك فيمن يدخل دار الخلافة فلا يمد عينه لشيء يستحسنه فيها إلا عوداً.
قال: وكان مما صنعته وغنته ذلك اليوم للمعتضد
ماذا استعار الحسن من وجههوالغصن الناعم من قدّه
لقد تعاتبنا بأبصارنافيما جناه الخلف من وعده
حتى تجارحنا بتكرارناللّحظ في قلبي وفي خده
فأدرك الثأر وأدركتهوسرني بالصدّ عن صده
وكان مما غنته أيضاً:
هو الدهر لا يعطيك إلا تعلّةًولا يأخذ الموهوب إلا تغشّما
عزاءً إذا ما فات مطلب هالكٍوصبراً إذا كان التصبّر أحزما
قال أبو علي محمد بن العلاء الشجري: لما تقلد عبيد الله بن سليمان الوزارة للمعتضد، دفع عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إلي رقعة، سألني عرضها على عبيد الله بن سليمان، فكان فيها:
أبي دهرنا إسعافنا في نفوسناوأسعفنا فيمن نجلّ ونعظم
فقلت له: نعماك فيهم أتمّهاودع أمرنا، إن المهم المقدّم
فاستحسن عبيد الله بن سليمان ما كتب به، وقال: أما ترى كيف تلطف لشكوى حاله؟ ثم أخذ جميع رقاعه فوقع له فيها بجميع ما أحب.
قال: وقال أبو العيناء يوماً لعبيد الله أسكت أيها الأمير أم أقول؟ قال: إن سكت كفيت، وإن قلت أصغي إليك، وإنك لتقر منا إذا احتجنا إليك، وتبعد عنا إذا احتجت إلينا.
ومن شعره، قوله:
لعمري لئن حدثت نفسي أننيأفوتك أن الرأي مني لعازب
لأنك مني بالمكان المحيط بيمن الأرض أني استنهضتني المذاهب
ذكر أبو علي الأوارجي، أن أبا بكر محمد بن السري السراج النحوي، كان يحب جارية من القيان، فأنفق عليها مالاً جزيلاً. فلما ورد المكتفي من الرقة، خرج الناس ينظرون إليه. فخرجت أنا وهو وأبو القاسم عبد الله الموصلي، فجلسنا على روشن دار ابن جهشيار لنراه. فلما وافى ونظرنا إليه استحسناه كلنا. وكان أبو بكر بن السراج واجداً على هذه الجارية ومغاضباً لها. فقال: قد حضرني شيء، فاكتب، فكتبت:
قايست بين جمالها وفعالهافإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
والله لا كلمتها ولو أنهاكالشمس أو كالبدر أو كالمكتفى
ثم مضى للحديث مدة طويلة. وكان أبو عبد الله محمد بن إسمعيل زنجي الكاتب، يهوى قينة، وهو إذ ذاك يكتب لأبي العباس ابن الفرات فكان يحدثه بحديثه معها ولا يحتشمه، وكان اجتماعها معه في كل يوم جمعة، لأنه كان يوم نوبته في داره.
قال أبو علي: فحدثني زنجي، قال: غدوت يوم سبت على أبي العباس ابن الفرات، فقال لي: ما كان من خبرك أمس؟ فحدثته باجتماعنا، فقال لي: فما كان صوتك؟ فقلت:
قايست بين جمالها وفعالها
فقال لي أبو العباس: لمن هذا الشعر؟ قلت: لعبد الله بن المعتز. ثم ركب أبو العباس بن الفرات إلى الوزير القاسم بن عبيد الله، فحدثه بهذا الحديث، وأنشده الشعر، وسار معه إلى الثريا، ثم انصرف عنه جلس في ديوانه. فلما علم أنه قد قرب انصرافه، خرج فتلقاه، فلما لقيه، حدثه أنه انشد المكتفي الشعر وأنه سأله عن قائله، فعرفه أنه لعبيد الله بن عبد الله ابن طاهر. قال: فأمرني أن أحمل إليه ألف دينار. فقلت: إنما قلت لك أن الشعر لعبد الله بن المعتز، فنسبته إلى ابن طاهر. فقال: والله، ما وقع لي إلا أنك قلت إنه لعبيد الله. وهذا رزق رزقه الله عبيد الله، لا حيلة لأحد فيه. قال زنجي: فلما انصرف أبو العباس، حدثني بهذا الحديث وقال: خذ أنت الدنانير وامض بها إلى عبيد الله وقل له: هذا رزق بعثه الله إليك من حيث لم تحتسب! فحملت إليه الدنانير وحدثته الحديث، فحمد الله وشكر أبا العباس، فكان هذا من الاتفاق العجيب! وكان عبيد الله يقول: من صحب السلطان وخدمه، احتاج أن يدخل أعمى ويخرج أخرس.
ومن شعره، قوله:
إذا أنت لم تفضل على ذي مودةوكنت وإياه بمنزلةٍ سوا
فلا تك ذا تيهٍ عليه فإنمايعاقب بالذنب الفتى لا على الرضا
وقال أيضاً:
ألا إن قلبي منك بعد الذي مضىلملآن من أمرين يختلفان
هوى منك يتلوه أذىً لك والأذىعدو الهوى لن يوجدا بمكان
وقال أيضاً:
كفاك عن الدنيا الدنيّة مخبراًغنى باخليها وافتقار كرامها
وإن رجال النفع تحت مداسهاوإن رجال الضر فوق سنامها
وقال أيضاً:
وقالوا: غداً ينأى فما أنت صانعفما هو إلا أن تفيض المدامع
بلى زفراتٌ بينهن تنفّسٌيقطّعن قلبي والهموم النوازع
وذل وإطراقٌ وفكر وحسرةٌوأعظم منها ما تجنّ الأضالع
قال عبد الله بن المعتز: كتبت إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حين ولي ابنه خلافة يونس على شرط بغداد:
فرحت بما أضعافه دون قدركموقلت عسى قد هب من نومه الدهر
فترجع فينا دولة طاهريةكما بدأت والأمر من بعده الأمر
عسى الله، إن الله ليس بغافلٍولا بد من يسر إذا ما انتهى العسر
فأجابه عبيد الله بن عبد الله:
فنحن لكم إن مسّنا ضيم جفوةٍومنا على لأوائها الصبر والعذر
فإن رجعت من نعمة الله دولةٌإلينا، فمنّا عندها الحمد والشكر
ولعبيد الله شعر كثير وأخبار طريفة، اخترنا منها ما يليق بغرض الكتاب ولا يخرج إلى حد الاطالة.
وكانت وفاة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ليلة السبت، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلثمائة. ولما توفي، وجهت شغب والدة المقتدر بالله بأم موسى القهرمانة إلى ولده وحرمه فعزتهم عنه، وكفنته بكفن حظيري، وتصدقت في جنازته بألف دينار وألف درهم، وقامت بجميع أمورهم.
وأما أخوه محمد بن عبد الله بن طاهر، فكان كريماً سرياً جواداً سمحاً حسن الأخلاق مع أدب وحسن معرفة وافتنان في سائر العلوم، وضبط وسياسة وتقدم في التدبير. وكان المتوكل استدعاه من خراسان لما مات إسحق بن إبراهيم الطاهري ومحمد ابنه، وولاه خلافته ببغداد، فأقر أخاه طاهر بن عبد الله على خراسان، وكان أكبر أخوته.
ذكر الشاه بن ميكال، أن بعض البزازين، عرض على محمد بن عبد الله بن طاهر ثوبي وشي، فعرفهما وعلم أنهما من ثيابه، فأحضر إبراهيم بن هارون النصراني قهرمانه، فأمره أن يحضر الثوبين اللذين من صفتهما كيت وكيت، فذكر أنه لا يعرفهما، وأنه رجع إلى الاحصاء، فلم يجدهما فيه، ورجع إلى الديوان فوجدهما ثابتين فيه، أبتيعا بألف وخمسمائة دينار. قال: فسألت عن الخبر، فأخبرت أن الكاتب في الخزانة باعهما وأسقط من الاحصاء عددهما. فأمر بحبس الكاتب. وقال لابراهيم: ويلك! تستكتب من يقدم هذا الاقدام؟ فحلف أنه ما وقف على مثل هذه الحال منه ولا عرف له مثل هذه الزلة. فقال: إن كان الأمر كذلك فليطلق، وأمر له بخمسمائة دينار، وقال له: تعفف بهذه، فإني أظن الخلة حملتك على ذلك، ورد الثوبين على التاجر وأطلقه.
قال: وكنا يوماً عند إسحق بن إبراهيم بن مصعب، فقدمت المائدة، وكن قد تقدم بعمل هريسة، فقدمت إليه الهريسة، فنظر إليها، فرأى شعرة، فأومأ إلى بعض غلمانه بشيء لم نفهمه. فما لبث أن جاء بطيفورية عليها مكبة، فوضعها ورفع المكبة، فإذا يد الطباخ بدمها في الطيفورية. فرفعنا أيدينا، وتنغص أكلنا مما ورد علينا، وقمنا وليس منا أحد ينتفع بنفسه.
ثم اجتمعنا بعد ذلك بدهر على مائدة محمد بن عبد الله بن طاهر، وكان قد تقدم بإصلاح لون اشتهاه، فعمل له، وجاء به الطباخ بنفسه حرصاً على التقرب من قلبه. فلما قرب منه، عثر لعجلته، فأفلت الطيفورية على محمد، فصارت ثيابه وما تحته من فرش آية، فقام للوقت، فغير ثيابه واغتسل وعاد إلينا بوجه طلق لم يؤثر فيه ما جرى، وجلس على المائدة، ثم قال: علي بفلان الطباخ، فجيء به وهو لا يشك في حلول النقمة. فقال له: أحسبنا قد رعناك، أنت حر لوجه الله جل وعز. وفلانة الجارية لك وقد زوجتكما، وأمر له بصلة وكسوة. فأقبلنا بالدعاء له، وتعجبنا من فعله وذكرنا فعل إسحق.
قال: كان ابن أبي فنن، ويكنى أبا عبد الرحمن شاعراً مطبوعاً، وكانت له ضيعة في قطيعة محمد بن عبد الله بن طاهر. فكان الحاشر يصير إليه فيؤذيه، وربما أشخصه، فكتب إلى محمد يشكو الحاشر وما يلقى منه من الاعنات:
أبني حسين أننيأصبحت في كنف الأمير
ولنا معايش في قطيعته على الماء النمير
وبنيت بيتاً وسطهسميته بيت السرور
فإذا جلست إزاءهوشربت من حلب العصير
قلت العفا لما رويت على الخورنق والسّدير
لولا تردد حاشرٍكالكلب في يوم مطير
غادٍ علي ورائحيصل الرواح إلى البكور
فإذا بدا لي وجههأُخرجت صفراً من سروري
فهل الأمير بجودهمن قبح طلعته مجيري؟
فلما قرأ محمد الأبيات، وقع تحتها: قد أجراك أبا عبد الرحمن، وأمرنا باحتمال خراجك، وكان مبلغه ثمانية آلاف درهم، ووجه إليه بألف دينار، وحلف عليه أن يقبلها، وكان ابن أبي فنن لا يقبل من أحد شيئاً، وكان حسن الحال مستقلاً.
ولمحمد بن عبد الله من الأفعال الكريمة ما يطول الشرح بذكرها، وفيما ذكرنا كفاية.
ومن مليح شعره، قوله:
قالت بناظرها أقبل، فقلت لهمابالدمع: لبيك يا سمعي ويا بصري
حتى إذا علمت أن قد كلفت بهاأومت إلي بدمع غير مستتر
يا كاتمي خيفة الواشي محبّتهإني وعيشك أقراه من النظر
قولي بطرفك ما تهوين أعرفهواستنطقي ناظري يخبرك بالخبر
وكان مولد محمد بن عبد الله سنة تسع ومائتين، في الليلة التي فتحت في صبيحتها كيسوم، وفيها ولد عبيد الله بن يحيى بن خاقان وأحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وكلهم ولي الوزارة.
ومات محمد يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وسنة أربع وأربعون سنة. وكانت وفاته من بثرة خرجت في حلقه. وتوفي والقمر في الكسوف، وكان يقول: إذا تم الكسوف وبدأ في الانجلاء مت، فكان كذلك. واستخلف أخاه عبيد الله فأقره المعتز، ووجه إليه بالخلع مع مفلح خليفة باكياك. وكان طاهر بن محمد نازعه الأمر وأعانه مواليه والعامة حتى جاءت الرسل والخلع، فاستقر الأمر لعبيد الله.
ولابن الرومي، يرثي محمد بن عبد الله بن طاهر:
بات الأمير وبات بدر سمائناهذا يودعنا وهذا يكسف
قمرٌ رأى قمراً يجود بنفسهفبكى أخاه أخٌ مؤاس منصف
فتكت به الأيام وهي عليمةأن سوف يتلف منه ما لا يخلف
وقال فيه:
وسألت عنه، فقيل: بات لما بهقلت: الندى لا شك مات لما به
وكأنا................. به
فلمن أصون مدامعي من بعدهولمن ترى تنهلّ من أسبابه
لصوابه، لخطابه، لجوابه،لشبابه، للغرّ من آدابه
ولعبيد الله أخيه، فيه.
كسيف البدر والأمير جميعاًفانجلى البدر والأمير عميد
عاود البدر نوره لتجليهـ ونور الأمير ما لا يعود
وقال:
ذكرت أخي من غير نسيان ذكرهولكنها حالٌ تزيد وتنقص
على حسب أخلاق الزمان وأنهليصحبني عيشٌ عليه منغّص
ولما مات محمد بن عبد الله بن طاهر، اشتد وجد المعتز عليه، وكان يرى أن الأتراك يهابونه من أجله ولمكانه، فقال فيه:
ذهبت بهجة الخلافة عنّاحين أضحى محمد في القبور
عن قليل تكون أحداث دهرٍمن سنا نارها يشب السّعير
وقال: وأما سليمان بن عبد الله بن طاهر، فكان ابن أخيه محمد بن ابن طاهر، أنفذه إلى العراق في سنة خمس وخمسين ومائتين خليفة له، فأمضى المعتز ذلك وخوله فأقره أياماً. وخرج إليه عبيد الله فخلع عليه وولاه شرطة بغداد وعزل سليمان بن عبد الله. فدخل عبيد الله إلى بغداد ومعه خلق عظيم من الأولياء والقواد، فتلقاه الناس وفرحوا بولايته. وخرج سليمان قبل وصول أخيه إلى البردان، فأقام بها إلى أن ورد موسى بن بغا من الجبل. فرد إليه أمر الشرطة ببغداد وسر من رأى وأمر السواد، وعزل سليمان، وذلك في سنة سبع وخمسين ومائتين، فتسلم عبيد الله الولاية في الأولى. ثم اضطرب أمر الطاهرية بخراسان ودخل يعقوب بن الليث نيسابور. فلما قرب منها، وذلك في سنة ثمان، وجه محمد بن طاهر إليه يستأذنه في تلقيه، فلم يأذن له. فبعث بعمومته وأهل بيته، فتلقوه، ودخل نيسابور ونزل طرفاً من أطرافها، فركب إليه محمد بن طاهر ولقيه في مضربه، فأقبل يوبخه على تفريطه في عمله. ثم وكل به وبأهل بيته وكتب إلى الحضرة يذكر أنه على السمع والطاعة والضبط لما يتولاه، ويطعن على محمد. فرد الموفق عليه أقبح رد، وأعلمه أنه لا يقاره على ذلك. ثم أقبل يعقوب بن الليث إلى بغداد، وسار المعتمد نحوه، فالتقوا وكان الموفق في المقدمة، وموسى بن بغا في الميمنة، ومسرور البلخي في الميسرة، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من رجب، وكان يوم شعانين، فقتل من الأولياء خلق كثير. واشتدت الحرب، وكشف الموفق عن رأسه وقال: أنا الغلام الهاشمي. ثم دارت الدائرة على يعقوب، فانهزم أقبح هزيمة، واتبعهم الموفق وموسى بن بغا فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وأطلق عليهم الماء فغرق أكثر ممن قتل. وكان محمد بن طاهر معه مثقلاً بالحديد، فأطلق من حديده وخلع عليه وأنزل دار عمه محمد بن عبد الله ابن طاهر، ورد إليه عمله بخراسان وأطلق له خمسمائة ألف درهم. ورجع المعتمد إلى بغداد، وسار الموفق إلى واسط، وعقد لعبيد الله على الحرمين.
وورد الخبر بموت يعقوب بن الليث وقيام أخيه عمرو، وأخذت البيعة على عمرو وقلد خراسان وفارس وكرمان وسجستان وأصبهان والسند. وكتب عمرو إلى عبيد الله بن عبد الله بتوليته الشرطة خلافة له، ووجه إليه بخلع وعمود ذهب، وأمضى الموفق ذلك وخلع على عبيد الله أيضاً.
ومات سليمان بن عبد الله بن طاهر، سنة ست وستين ومائتين في المحرم. فوقف أخوه عبيد الله على قبره متكئاً على سيفه، وقال.
النفس مني ترقى في مراقيهاودمعة العين تجري في مجاريها
لبقعة ما رأت عيني كقلّتهاولا ككثرة أحباب ثووا فيها
ثم استخلف صاعد بن مخلد أبا عبد الله محمد بن طاهر بن عبد الله ابن طاهر على مدينة السلام، في سنة سبعين ومائتين، فقبض على عمه عبيد الله وحبسه. ثم استخلف المعتضد غلامه بدراً على مدينة السلام، وانقرض أمر الطاهرية منها ومن خراسان.
وكان لسليمان شعر مليح وأدب وفهم ومعرفة. وأما عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر، فكان أصغر من أخويه، وكان له أدب وفهم وشعر مليح. فمن شعره إلى أخيه عبيد الله، وكان أخواه عبد الله وسليمان حساه.
قد كنت أحسب أني منك إن نزلتإحدى النوائب بي آوي إلى جبل
حتى إذا وقع الأمر الذي وجبتفي مثله نصرتي من غير ما فشل
أسلمتني لخطوب الدهر تلعب بيما هكذا كان تقديري ولا أملي
لو كنت في بلدٍ نائي المحل لماباليت عثرة أيامي ومثلك لي
إني أخوك الذي قد كنت تألفهما حلت عن عهدكم يوماً ولم أزل
إني أخوك وإن الله مطّلعٌعلى السرائر، فاقطع بعد أو فصل
ومن شعره أيضاً إلى أخيه لما حبس، وكان تهم بأنه كاتب السجستاني، فكتب من الحبس يحلف على بطلان ذلك، وكتب آخر الرقعة بهذه الأبيات:
تقول وقد ريعت سُليمى بمحبسيكما راع ثكلٌ فاجعٌ أم واحد
أبى الدهر إلا أن ينوبك صرفهكعادته النكراء في كل ماجد
فقلت لها: غضي عليك فإنماتصيب الرجال صائبات الشدائد
ولا تعجبي للحبس ويحك واعجبيلانكر ما حدثته في المشاهد
حبست لحرب ما شهدت كفاحهاوأصبح سجاني أخي وابن والدي
ومن مليح شعره:
يا أيها القمر المنير الزاهرالمشرق الحسن البهي الباهر
أبلغ شبيهتك السلام وهّنهابالنوم، واعلمها بأني ساهر
وكان المعتضد يستحسن هذا الشعر، فغنى فيه في طريقة خفيف الرمل، وكان أحد أصواته.
ذكر أبو عبد الله بن حمدون، أن محمد بن عبد الله بن طاهر، كان يحجب المتوكل بسر من رأى شهرين ثم ينحدر إلى بغداد فيقيم بها شهرين ويخلفه خلفاؤه بسر من رأى. فقدمها قدمة أخذ فيها معه أخاه عبد العزيز، وكان قد اشترى جارية، لها من قلبه محل. فاشتد عليه فراقها. قال: فسألني أن أستأذن أخاه له في الرجوع إلى بغداد على أن يعطيني شهرياً كنت رأيته تحته. ففعلت، فأذن له، فأعطاني الشهري. ثم أنشدني هذا الشعر:
أقول لما هاج قلبي الذكرىواعترضت وسط السماء الشعرى
كأنها ياقوتة في مدرىما أطول الليل بسر من را
يا ربّ فكّاً كفكاك الأسرىفإن تجد لي بنجاةٍ أخرى
اجعل أدنى خطواتي بصرىحتى أؤوب بالمطايا حسرى
كأنها من الكلال سكرىثم أعيش مثل عيش كسرى
ولم يدخل بغداد من ولد عبد الله بن طاهر غير هؤلاء الأربعة: محمد وعبيد الله وسليمان وعبد العزيز. فأما عبد الله بن طاهر، فكان من سروات الناس أدباً وفضلاً وسياسة وتدبيراً وسخاء وكرماً.
وكان المأمون تبناه ورباه. وكان مولده سنة اثنتين وثمانين ومائة. فذكر أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله أن أبا عبد الله بن طاهر انصرف ليلة من دار المأمون وذلك بعد خروج طاهر إلى خراسان، وكان قد غلب عليه النبيذ، فبات في القبة الطاهرية من دار طاهر بمدينة السلام. فتعلق طرف من الخيش، وقد يبس، بالشمعة، فاحترقت القبة، واحتمل عبد الله فأخرج منها. واتصل الخبر بطاهر، فكتب إلى عبد الله يعذله ويؤنبه ويقول: لو ورد الخبر بوفاتك كان أسهل علي من وروده بفضيحتك، وأن يبلغ بك النبيذ مبلغاً لا تحس معه باحتراق موضع أنت فيه؛ ويأمره بالتجهز والخروج إليه. فأقلق عبد الله ذلك وكتمه عن جميع الناس وختم الكتاب وجعله تحت مصلاه وتبين الهم عليه. فسأله المأمون عن خبره فكتمه. ثم سأل من يخصه، فأعلمه أن كتاباً ورد عليه لا يعلم ما فيه، فأقسم عليه المأمون في إحضار الكتاب، فأحضره. فكتب المأمون إلى طاهر يعاتبه على ما فعل، ويعلمه منزلته عنده وإحلاله محل الولد، وأنه لا يد لطاهر عليه إلا بحق خلافته، فإن صرفه عنها فليس له أن يزعجه عن الحضرة. فأجاب طاهر بالشكر لتطوله إذ كان هذا محله عنده. وأعيد بناء القبة، فلم تزل إلى أن نقضت في سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
وخرج عبد الله إلى الشام في سنة تسع ومائتين، فحارب نصر بن شبث إلى أن ظفر به.
قال عبيد الله بن عبد الله: حدثني نصير وياسر وجماعة من مشايخ موالينا، إن أبا العباس عبد الله بن طاهر، لما أشرف على كيسوم، تحصن بها نصر بن شبت، فركب من الغد وقد عبأ جيشه للقاء، فوافى نصراً وقد خرج من الحصن، فصف بإزائه وواقفه إلى الليل على غير حرب، ثم أوقد نصر النيران، فشاور عبد الله قواده، فقالوا: هذا الليل، فننصرف ونبيت في معسكرنا، ثم نغاديه الحرب فقال: إن انصراف المحارب نكوص، ولست أبرح من موضعي. فنزل، وكان يحم حمى ربع، وكان نوبتها تلك الليلة، فوعك وعكاً شديداً، فالتمس ما يدفئه فلم يكن معهم، فقالوا: أحفروا حفيرة بأسيافهم، وأمر أن يجمع من مخالي الدواب التبن فيلقي في الحفيرة، ففعل ذلك، ثم جلس فيها. وجاءت السماء بهطل ووبق شديد. فقال: استروني بتراسكم، فلم نزل كذلك ليلتنا أجمع نستره حتى أصبح، وصلينا وصلى وأعاد سلاحه وركب فرسه وتطرف، ونحن معه، فنظر فإذا ليس خارج الحصن أحد. فقال: خدعنا الخبيث وأوهمنا أنه بإزائنا ودخل حصنه ووكل به من يوقد النيران، والساعة يخرج عليكم بحدته. فخذوا حذركم. ودعا العزيز فقال: إمض في ألفي فارس فأريحوا واستريحوا، وسمى لهم موضعاً يكونون فيه، ولا يبرح منكم أحد أو يأتيه طاهر بن إبراهيم بن مدرك برسالتي. فإذا أتاك، فإن قدرت أنت وأصحابك أن تكونوا في أجنحة الطير حتى توافوني فافعلوا، فمضى. ولم يستتم الكلام حتى خرج نصر وحمل عليهم، فبرز إليه عبد الله يقدم أصحابه، فلم تزل الكرات بينهم والجلاد، وعبد الله يفدي اصحابه ويعدهم ويرمي نفسه كل مرمى، إلى أن صارت الشمس في كبد السماء، وكل من معه وتبين فيهم الضعف والعجز، فأرسل طاهر إلى العزيز يأمره بالاسراع، فوافى. فلما رأى نصر ومن معه الرايات السود والأسود السود، وكان عبد الله من اتخذها، جزعوا وتبين فيهم الفشل، وقال عبد الله للعزيز: شأنك وأصحابك نحو القوم! فلم يكن إلا ساعة حتى انهزم نصر ولجأ إلى حصنه. فدعا أبو العباس بالنقابين وأمر بنصب العرادات والمجانيق والسلاليم، واطلعوا، فلم يروا في الحصن أحداً، وإذا نصر قد نقب نقباً من وراء الحصن وخرج منه؛ وأمر الرجال ففتحوا الباب، ودخل فغنم وأصحابه جميع ما في الحصن، وبشر في ذلك الوقت وهنيء بالفتح. فأنشده عوف بن محلم الخزاعي:
أُشكر لربّك يوم الحصن نعمتهفقد حباك بعز النصر والظفر
وهي قصيدة طويلة.
ومضى نصر، فلجأ إلى جبال لم تحصنه، فعاذ بالأمان. فكتب عبد الله إلى المأمون يخبره، فكتب إليه: أعطه الأمان على أن يطأ بساط أمير المؤمنين وينفذ فيه حكمه. فرضي بذلك، ووجه به عبد الله مع محمد بن الحسين بن مصعب إلى حضرة المأمون.
قال: وكان نصر قد كبر، فرآه المأمون وغلامان له يحملانه على السرج: فقال: نصر يحمله اثنان! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ولا ينزله مائتان! ثم سار عبد الله بن طاهر إلى مصر في سنة عشر وفتحها واستأمن إليه ابن السري؛ وأقام بها إلى سنة إحدى عشرة. وقدم على المأمون وقد أصلح البلد وجبى أمواله واستقامت أحواله، فتلقاه أبو إسحق والعباس بن المأمون، وقدم معه بالمتغلبين على مصر.
قال: وقال المأمون يوماً: هل تعرفون رجلاً يزيد على جميع أهل دهره نزاهة وحسن سيرة؟ فذكر قوم ناساً فأطروهم، فقال: لم أرد هؤلاء. فقال علي بن صالح، صاحب المصلى: ما أعلم يا أمير المؤمنين أحداً له مثل هذا النعت إلا عمر بن الخطاب. فقال المأمون: اللهم غفراً، لم أرد قريشاً، فأمسك القوم جميعاً. فقال المأمون: ذاك عبد الله بن طاهر، وليته مصر وأموالها جمة، فوجد لعبيد الله بن السري من الأموال ما تقصر عنه الصفة، فما تعرض منه لدينار ولا لدرهم، ولم يخرج من مصر إلا بعشرة آلاف دينار وثلاثة أفراس وحمارين؛ ولكنه غرس يدي وخريج أدبي. ولأنشدنكم أبياتاً في صفته، ثم أنشد:
حليمٌ مع التقوى، شجاعٌ مع الرّدىندٍ حين لا يندى السحاب سكوب
شديد مناط القلب في الموقف الذيبه لقلوب العالمين وجيب
فتىً هو من غير التخلق ماجدٌوعن غير تأديب الرجال أديب
فأقام قبل المأمون سنة، ثم سيره إلى بابك، وقد كان ظهر وعظمت شوكته، فأقام بإزائه سنة، وكان شرط على المأمون أنه إن ظفر ببابك رجع إلى الباب. فيكون مقامه بحضرة المأمون ويختار لخلافته على خراسان من أحب من أخوته. فأقام بالدينور تسعة أشهر يستعد لقتال بابك. فبينا هو كذلك، إذ ورد على المأمون كتاب صاحب نيسابور يذكر أنا لمارقة أغارت على قرية منها يقال لها الحمراء على طريق الجادة، وأنهم أحرقوا وسبوا وقتلوا النساء والأطفال. فعظم ذلك على المأمون، ودعا إسحق بن إبراهيم وهو خليفة عبد الله بن طاهر على الشرط، ويحيى بن أكثم، وبعث بهما إلى عبد الله وكتب معهما كتاباً بخطه إلى عبد الله يقسم عليه أن يحول مضربه من وجه بابك إلى وجه خراسان، فإن خراسان أهم من المملكة كلها بعد الحضرة، وأن يشير عليه بمن يبعث به إلى بابك، فامتثل ما أمره به، وأشار بعلي بن هشام، وكاتب من بخراسان بما أحب وقدم أخاه محمد بن طاهر على مقدمته ووافاه علي بن هشام فوافقه على الطريق في محاربة بابك، ومضى لوجهه إلى خراسان، حتى وافى نيسابور وكتب إلى المأمون أن أمير المؤمنين انهضني إلى هذا الثغر بسبب ما قد غلب عليه من أمر الحمراء، وما أحدثه المارقة بها. وإني وافيت نيسابور فوجدت ما حولها عش المارقة، ووجدتها أهم الكور، والمهم أبدى وآدى. قال: فأعجب المأمون من الكتاب بهذه اللفظة، ولم يزل الكتاب يتذاكرونها بينهم. وكان مقامه بخراسان، إلى أن توفى بها، خمس عشرة سنة.
وذكر ابن جدان عن الجلودي، قال: جلس عبد الله يوماً بخراسان انصف فيه من وجوه القواد وأمراء الأجناد، وضرب الأعناق وقطع الأيدي والأرجل وعقد العقود، فلما زالت الشمس، دخل داره. قال الجلودي: وكنت أقرب من قلبه وأدل عليه. فتلقاه الخدم، فأخذ هذا قباءه، وأخذ آخر خفه، وآخر رانه، وبقي في غلالة وسراويل. فرفع الغلالة على كتفه وجعل يقول:
النشر مسك والوجوه دنانير وأطراف البنيان عنم
قال: فأغلظت عليه، ونزعت ثوبه عن عاتقه ورددته إلى حاله وقلت له: تجلس اليوم مجلس الاسكندر ودارا بن دارا، وتفعل الساعة فعل علويه ومخارق؟ قال: فنظر إلي نظر الصؤول، ورد ثوبه على كتفه وقال.
لا بدّ للنفس إذ كانت مصرّفةمن التنقل من حال إلى حال
ولما مات المأمون، أقر المعتصم عبد الله بن طاهر على خراسان وإسحق بن إبراهيم على خلافته ببغداد وكان سيء الرأي فيه، فكتب إليه: أما بعد: عافانا الله معاً. فقد كانت في نفسي عليك حزازات غيرها بقاء الانتقام عليك لك. وقد بقيت منها هنات أخاف منها عليك، فلا تقدم، وحسبك مما أنا منطو عليه لك إظهاري إياك على ما في ضميري. والسلام.
قال الفضل بن مروان: ذكر المعتصم يوماً عبد الله بن طاهر، فنال منه، وتابعته الجماعة ووصفوه بسوء الطاعة وأنا حاضر. فقمت وقلت: اكتب إليه في القدوم، فإنه لا يمسى حتى يشخص. فقال: اجلس واكتب إليه بالخبر.
فكتب إلى المعتصم كتاباً، أنفذه درج كتابي إليه. وسألني أن أوصله من يدي إلى يده، ففعلت. فقرأه المعتصم وأقبل يسألني عن الحرف بعد الحرف، فأفتح عليه: فإذا هو قد كتب يحلف أن الكتاب لو ورد عليه بالشخوص لما أمسى حتى يشخص.
قال أبو العميثل: دخل على عبد الله بن طاهر، فقال: إنك لناح الأدؤر قليلاً ما ترى، ومد يده إلي فقبلتها، فقال: ما عققتني به أكثر مما بررتني. قلت: بماذا؟ قال: بخشونة شاربك. قلت: إن شوك القنفذ لا يضر برثن الأسد. قال: هذا والله أحب إلي من مدح مائة قافية، وأمر لي بعشرة آلاف درهم.
وكانت وفاة عبد الله بن طاهر في سنة ثلاثين ومائتين، في أيام الواثق.
وذكر أحمد بن أبي داود، أن محمد بن عبد الملك، أشار على الواثق، لما ورد الخبر بوفاة عبد الله ابن طاهر، أن يخرج إسحق بن إبراهيم بن مصعب إلى خراسان، مكان عبد الله، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يكتب كتبه وينظر تجهيزه. قال: ووجه إلي الواثق فحضرت الدار، فرأيت محمد بن عبد الملك وإسحق بن إبراهيم جالسين، ومحمد يكتب الكتاب. فلما رآني، قلبه. فتفاءلت أن الذي هما فيه سينقلب. ودخلت إلى الواثق، فذكر لي خبر وفاة عبد الله بن طاهر، وأنه قد عمل على إخراج إسحق إلى خراسان، وأن يضم إليه خمسة آلاف رجل من الجند ويطلق أرزاقهم، وأن يطلق لاسحق خمسة آلاف ألف درهم معونة. فقلت: يا أمير المؤمنين، إسحق رهينة القوم عندك، فإن أخرجته لم يكن في يدك من القوم شيء؛ والجند، فأنت محتاج إلى الزيادة فيهم، فكيف تفرقهم، لا سيما مع ما ينفق فيهم، وإخراج هذه الأموال لا وجه له. وها هنا ما هو خير من ذلك. قال: وما هو؟ قلت: طومار بدرهمين تكتب فيه إلى طاهر بن عبد الله بالتعزية عن أبيه وبتجديد الولاية له، وتربح ما تنفقه، وتكون قد أتممت الصنيعة عند عبد الله وولده وأحسنت الخلافة فيه. فقال: الصواب ما قلت! وأمر محمد بن عبد الملك بذلك والاضراب عما كان عمل عليه.
وكانت مدة حياة عبد الله بن طاهر، ثمانياً وأربعين سنة.
فأما طاهر بن الحسين، فكان من سروات الناس، وذوي الراي والبأس، سماه المأمون بذي اليمينين، فكان يكتب وكاتب بها.
وسأل المعتصم جماعة من خواصه عن معنى تسمية طاهر بذي اليمينين فلم يعرفوه. فقال محمد بن عبد الملك: معناه: ذو الاستحقاقين، استحقاق بجده ودنو في الدولة، وكان أحد النقباء؛ واستحقاق بما له في دولة المأمون. قال الله تعالى: لأخذنا منه باليمين أي بالاستحقاق. وقال الشاعر:
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍتلقّاها عرابة باليمين
ذكر جبهان الشيعي، قال: كان الحسين بن مصعب جيد الرأي حسن الاصابة بالظن. قال: كنت يوماً في دار علي بن عيسى بن ماهان وقد أمر بطاهر بن الحسين، فشد بحبل إلى سارية، فقال لي الحسين: أما ترى هذا المشدود، يعني ابنه، ليقتلن صاحب هذا القصر. فجرى هذا القول عندي مجرى الهزل. ثم كان من أمرهما ما كان، فعجبت من قول الحسين.
قال: ولما أنفذ الأمين علي بن عيسى بن ماهان في الجيوش إلى خراسان، لأخذ المأمون وإنفاذه إليه، عقد المأمون لطاهر بن الحسين على أربعة آلاف، ووجهه إلى الري لحرب علي بن عيسى. فكتب إليه علي بن عيسى أن يقيم له الميرة ولم يكن يظن أنه يحاربه.
قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: فحدثني عبد الرحمن بن فهم، عن عمه، قال: شخصت أريد المأمون، فدفعت إلى عسكر طاهر يوم الوقعة، فرأيته يعبىء الصفوف، ويذهب ويجيء، وبيده كسر من خبز. ومع غلام له كوز من رصاص فيه ماء. فقلت: أيها الأمير، ليس هذا وقت أكل! قال: معذرة إليك وإلى من لا يعرف خبري. ما دخل جوفي طعام منذ ثلاث، لشغلي بهذا الأمر، وتخوفت أن أحتاج إلى نفسي فتخونني في هذا الوقت. ففعلت ما رأيت. فقلت: الأمير أخبر بما يعاني.
قال عبيد الله: وحدثني جماعة من شيوخنا، قال: لما أقبل جيش علي، كان صاحب علمهم حاتم الطائي، وكان قد ضرب ثمانمائة سوط حتى ذهب لحم اليتيه. وكان عظيم الخلق شديد البأس، وكان له أربعة غلمان يحملونه حتى يقعد في سرجه، فإذا استوى في سرجه عد بألف فارس. قال طاهر: فجعلته وكدي وحملت عليه. فلما دونت منه، إذا به كفراً في الحديد لا تخلص إليه الضربة. فرأيت أمراً هالني. فقلت: ليس إلا أن أضربه على البيضة، فإن عمل السيف فيها، وإلا فهو التلف. فجمع يدي ثم ضربته على رأسه. فقددت البيضة والرأس، حتى نشب السيف بين ثناياه. قال: فلما قتل حاتم، اضطرب القوم. وكان علي بن عيسى راكباً في قبة، فنزل عنها وقدم إليه شهري أصدأ أرجل ليركبه، فطعنه داود سياه قبل أن يتمكن في سرجه فقتله وهو لا يعرفه. وصار إلى طاهر فقال: قد قتلت قاضي العسكر، ثم أتى برأسه. فنادى منادي طاهر: من أخذ شيئاً فهو له، وبرئت الذمة ممن سفك الدماء. وكتب إلى المأمون وذي الرئاستين: كتابي، ورأس علي بن عيسى بين يدي، وخاتمه في إصبعي، والسلام.
ثم سار طاهر إلى بغداد، فكان من أمره ما كان.
قال: وكان المأمون عند دخوله إلى بغداد قد سخط على محمد بن أبي العباس الطوسي، فاستعاذ بطاهر بن الحسين، وكان له صديقاً، وسأله سؤال المأمون في الصفح عنه وكان يحجبه على النبيذ فتح الخادم، وياسر يتولى الخلع، وحسين يسقي، وأبو مريم غلام سعيد الجوهري يختلف في الحوائج. فركب طاهر إلى الدار، فدخل فتح، فقال: طاهر بالباب! فقال: أنه ليس من أوقاته، إيذن له. فدخل طاهر إلى المأمون وهو يشرب. فسقاه رطلاً وأمره بالجلوس. فقال: يا أمير المؤمنين ليس لصاحب الشرط أن يجلس بين يدي سيده. فقال المأمون: ذاك في مجلس العامة، فأما في مجلس الخاصة فالجلوس له مطلق ثم سقاه رطلين آخرين وبكى المأمون وتغرغرت عيناه. فقال له طاهر لم تبكي يا أمير المؤمنين، لا أبكى الله عينك، وقد دانت لك البلاد وأذعن لك العباد، وصرت إلى المحبة في كل أمورك؟ فقال: أبكي لأمر في ذكره ذل وفي ستره حزن. وما يخلو أحد من شجو. فتكلم بحاجة إن كانت لك! فقال: يا أمير المؤمنين، محمد بن أبي العباس أخطأ، فأقله عثرته وارض عنه. قال: قد رضيت عنه وأمرت بصلته ورد مرتبته، ولولا أنه ليس من أهل الأنس لأحضرته! فشكر ذلك، ودعا للمأمون وانصرف، وقد شغل قلبه بكاؤه. فقال لمروان بن جبغويه كاتبه: إن للكتاب لطافة، وأهل خراسان يتعصب بعضهم لبعض. فخذ معك ثلاثمائة ألف درهم، فأعط الحسين الخادم مائتي ألف، أعط كاتبه محمد بن هرون مائة ألف، وتسأله أن يسأل أمير المؤمنين لم بكى؟ قال: ففعل ذلك. فلما خلا الحسين بالمأمون من غد، وطابت نفسه، سأله عن سبب بكائه. فقال له: ولم سألت عن ذلك؟ فقال: لغمي به وتنغصي من أجله. فقال: يا حسين هو شيء إن خرج من رأسك قتلتك! فقال: يا سيدي، ومتى أخرجت لك سراً؟ فقال: لما رأيت طاهراً، ذكرت محمداً أخي وما ناله من الذلة، فخنقتني العبرة فاسترحت إلى الافاضة، ولن يفوت طاهراً مني ما يكره. قال: فأخبر محمد بن هرون طاهراً بذلك. فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد وهو الوزير فقال له: إن المعروف عندي غير ضائع والثناء مني ليس برخيص. فغيبني عن أمير المؤمنين. فقال له: بكر إلي غداً فإني سأفعل. فغدا عليه وغدا ابن أبي خالد على المأمون. فلما وصل إليه قال: إني ما نمت البارحة! قال: ولم ويحك؟ قال! لأنك وليت غسان بن عباد خراسان، وهو ومن معه أكلة رأس. فأخاف أن يخرج عليه خارجي فيصطلمه. قال: لقد فكرت فيما فكرت فيه. فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين. قال: ويلك يا أحمد، هو والله خالع. قال: أنا الضامن له. فلم يزل به حتى أجابه، ودعا بطاهر من ساعته، فعقد له وشخص من يومه. فنزل بستان خليل بن هشام، وذلك يوم الجمعة لليلة بقيت من ذي القعدة سنة خمس ومائتين.
فلما حصل طاهر بن الحسين بخراسان، وكانت الشراة قد كثرت هناك واشتد أمرهم، فكتب إليه المأمون كتباً كثيرة يحثه على مناهضتهم وينكر عليه تضجعه في أمرهم. فكتب طاهر يذكر غلظ أمرهم وقوة شكوتهم، وإنه يحتاج إلى زيادة عدة في رجاله ليلقاهم. فأحفظ ذلك المأمون، فكتب إليه يغلظ له ويقول: لهممت أن أردك إلى حيث أبيك. فذكر كلثوم بن ثابت بن أبي سعد وكان يكنى أبا سعدة، وكان يتقلد البريد على طاهر بن الحسين بخراسان، أنه جلس يوم الجمعة بالقرب من المنبر لما تبين ما حدث من طاهر عند ورود ما ورد عليه. فصعد طاهر المنبر فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له وقال: اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفها مؤونة من بغى فيها وحشد عليها من لم الشعت وحقن الدماء واصلاح ذات البين. قال: فعلمت أني أول مقتول، لأنني لم أكن أقدر على ستر الخبر ولم يكن يستتر كتابي عن طاهر. فانصرفت واغتسلت بغسل الموتى، وائتزرت بازار، ولبست قميصاً وارتديت رداء وطرحت السواد فحملت نفسي على أن كتبت إلى المأمون، فأتى الله من صنعه بقرب وفاة طاهر بما لم أحتسبه.
ولما ورد الخبر على المأمون بذلك، شق عليه، ودعا أحمد بن أبي خالد وقال له: قد كنت قلت لك في طاهر لما أشرت بتقليده خراسان ما كنت أعلم به، فضمنت ما يكون. وبالله، لئن لم تتلطف لاصلاح أمره كما كنت ضمنت فساده، لأضربن عنقك، فأهدى ابن أبي خالد إلى طاهر هدايا وألطافاً، وفيها كامخ أبيض مسموم لعلمه بإعجابه به. فلما وصلت الهدايا إلى طاهر، أكل من الكامخ بتدارج مشوية، فمات بعد يومين.
وكان مولد طاهر بن الحسين في المحرم، سنة تسع وخمسين ومائة. ووفاته سنة سبع ومائتين.
ولما مات، شغب الجند بخراسان، وانتهبوا خزائن طاهر. فقلد المأمون مكانه طلحة ابنه، ووجه بأحمد بن أبي خالد إلى خراسان ليعاونه في إصلاح الأمر. فصار إلى هناك، وأصلح الأمور، وسكن اضطرابها. ووجه إليه طلحة بثلاثة آلاف درهم وعروضاً بألفي ألف درهم، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتبه خمسة آلاف درهم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع