تجاوز إلى المحتوى

من «نفاضة الجراب في علالة الاغتراب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

فصل في ذكر جبل هنتاتة

وعملنا على الصعود إلى الجبل المطل عليها، والجارح المرفرف على دراجها مقتصرين على حدود هنتاتة، عنصر الدعوة، وأولياء الدولة المرينية، وحلفاء الطاعة المخصوصين برعي الجوار، والاستماتة من دون الحرمة، وشد عروة الوفاء، وسد الخلّة، واستحقاق لشُّفوف على غيرهم والمزية، إذ كان ذلك أقوى بواعث الوجهة، وأخلص مقاصد الرحلة.

وقدمت بين يدي وصولي إلى مراكش، المخاطبة إلى عميد تلك البقعة، وشاه تلك الرقعة، صدر هذه الحدود القصوى، المتميز بالرجاحة والرأي والسياسة، المتفق فيه على إفاضة العدل، وكف اليد، والتجافي عن مال الجباية، والمستأثر بحمد الجمهور من الرعية، وحب أولي العفاف والخيرية، إلى النُّبْل الذي لا يطيش نَبْلُه، والإدراك الذي لا يُفَلُّ حدُّه، والدهاء الذي لا يُسبَر غوره، والمعروف الذي لا يتجاوز محالَّ الضرورة حكمته، عامر بن محمد بن علي:

تقول ليَ الأظعان والشوق في الحشاله الحكم يمضي بين ناه وآمر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «تقول لي الأظعان والشوق في الحشا»
إذا جبل التوحيد أصبحت فارعاًفخيم قرير العين في دار عامر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «تقول لي الأظعان والشوق في الحشا»
وَزُرْ تربها المعصوم إن مزارهاهو الحجّ يمضي نحوه كل ضامِر
سنلقى بمثوى عامر بن محمدثغور الأماني من ثنايا البشائر
ولله ما تبلوه من سعد وجهةولله ما تلقاه من يٌمن طائر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «تقول لي الأظعان والشوق في الحشا»
وتستعمل الأمثال في الدهر منكمابخير مَزُور أو بأغبط زائر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «تقول لي الأظعان والشوق في الحشا»

لم يكن همي، أبقاك الله، مع فراغ البال، وإسعاف الآمال، ومساعدة الأيام والليال، إذ الشمل جميع، والزمن كله ربيع، والدهر مطيع سميع، إلا زيارتك في جبلك الذي يعصم من الطوفان، ويواصل أمنه بين النوم والأجفان، وأن أرى الأفق الذي طلعت منه الهداية، وكانت إليه العودة ومنه البداية. فلما حُمَّ الواقع) وعجز عن خرق الدولة الأندلسية الراقع (وأصبحت ديار الأندلس وهي البلاقع، وحسنت من استدعائك إياي المواقع، قوي العزم وإن لم يكن ضعيفاً، وعرضت على نفسي السفر بسببك فألفيته خفيفاً، والتمست الإذن حتى لا ترى في قبلة السدادة تحريفاً، واستقبلتك بصدر مشروح، وزنْد العزم مقدوح، والله يحقق السول، ويسهل بمثوى الأماثل المثول، ويهيئ من قبيل هنتاتة القبول بفضله.

فأكرم الوفادة، وأطرأ بين يدي الإمارة، واستدعي من محل سكناه بمراكش إلى دار الكرامة، وشرك في الطعام نبهاء الدولة وعلية الخاصة. وأطرف من استجلاء منزله بقرة العين، انفساح خطة، والتفاف شجرة، وجرية ماء، واستبحار بركة. واستكثر من كل طرفة، ونقل من جلسة إلى جلسة، وحرص على تتميم البر بكل حيلة.

وفي يوم الاثنين المتصل بيوم القدوم، توجهنا إلى الجبل في كنف أصحابه تحت إغراء بره، وفي مركب قرة عينه، فخرجنا نستقبل بين يديه السهل، ونساير الجهة، ونشاهد الآثار، ونتخطى المعاهد، ونَنْشَق النسيم البليل القريب العهد بمادة الثلج وعنصر البرد، ولما بلغنا درج الجبل، وانتحينا طريقه من السفح، وهي تركب ضفة الوادي الملتف بعادي شجر الحور والطَرْفاء وشجر الخلاف والدردار، وأمعنا) و (، وتسمو عن جانبها الجبال الشم، والشعبات التي تزلُّ بها العُصْم، وتفضي دروبه إلى أقوار فسيحة، وأجواء رحيبة، يكتنفها العمران، ويموج بها السنبل.

ولما كدنا أن نختم عدد نُوَب المجاز، ونأتي على عَنَتِه، تلقتنا الخيل راكضة أمام اليعسوب المتبوع عبد العزيز بن محمد الهنتاتي، صنوه وحافظ سيقته، وقسيمه في قعساء عزته، الحسن الوجه، الراجح الوقار، النبيه المركب، الملوكي البزة، الظاهر الحياء، المحكِّم الوَخْط إيثاراً للحشمة، واستكثاراً من مواد التجلة على الفَنَاء والجدَة. فرَّحب وأسْهَل، وارتاح واغتبط، وألطف وقدَّم. وصعدنا الجبل إلى حلة سكناه، المستندة إلى سفح الطَّوْد، وقد هيأ ببعض السهل الموطأ للاعتمار بين يدينا من المضارب كل سامي العماد، بعيد الطُّنُب، سوّي القامة، مقدَّر التفاصيل، بديع النقش والصنعة، ظاهر الجدة، مصون عن البِذْلَة، يظلل من مراتب الوطاء الرفيع، ولحف الحرر ومساند الوشي، وانطاع مزعفر الجلد ما تضيق عنه القصور المحجَّبةِ والأبهاء المنضدة. ولم يكد يقر القرار، ولا تنزع الخِفاف، حتى غمر من الطعام البحر، وطما الموج، ووقع البَهْت، وأُمِّل الطَّحْو، ما بين قصاع الشيزي أفعمها الثُرُد، وهيل بها السمن، وتراكبت عليها لِسمَان الحُملان الأعجاز، وأخونة تنوء بالعصبة أولى القوة، غاصة من الآنية بالمُذْهَبِ والمُحْكَم، مُهْدِيةً كل مختلف الشكل، لذيذ الطعم، مُهانٍ فيه عزيز التابل، محترم عنده سيدة الأحامرة الثلاثة إلى السمك الرضراض والدجاج فاضل أصناف الطيَّار، ثم تتلوها صحون نحاسية تشتمل على طعام خاص من الطير والكُبَّاب واللقالق، يقع منها بعد الفراغ إلمام ذلك الرئيس في نفر من خاصته بما يدل على اختصاص ذلك بنفسه. ويتلو ذلك من أصناف الحلواء بين مُسْتَبْطَن للباب البُر، ومعالج بالقَلْو، وأطباق مُدَّخر الفاكهة وأوعية العود المحكم الخلَق، المشتملة على مُجاج الشهد. وقد قام السماط من خدام وأساودة أخذتهم الآداب وهذبتهم الدُّربة، فخفَّت منهم الحركة وسكنت الأصوات، وانشمرت الأذيال. وقد اعتمَّ من الآنية النحاسية للوضوء والوقود كل ثمين القيمة، فاضل أجناسه في الطيب والأحكام والفخامة.

ولم يكد يفرغ من الأكل إلا وقد جن الليل، وتلاحق من الطعام السيل، مربياً على ما تقدم بالروية وانفساح زمن الاحتفال، وتفنن أصناف الحلواء، وتعدَّى عسليّها إلى السكر، وكان السَّمر والمجالسة في كنف لألاء الشموع الضحاكة فوق المنصات النحاسية، والأتوار اللاطونية فاستعيد الكثير من تاريخ القطر وسيره، وخبر لجأ السلطان المقدس أمير المسلمين أبي الحسن إلى قنتة، والتحرم بمنبع وعز جواره على تفئه هيض جناحه، وَتَبرّى أثيره عميد العساكر منه، وإطراق العيون عند نجدته، وتصامم المسامع عند هاء استغاثته، وقد خَذل النصير، وزلت الأقدام، وساءت الظنون، وما كان من إجابة هذا النَّدْب عبد العزيز لندائه، والتبجح بمنعة جبله، ووفور عدته، وأصيل وفائه، واستصحابه إلى مقر أهله ومفزع ولده، ودفتعه عنه بنفسه وقبيله، ورضاه بتغير ما تناله الأيدي بالسهل من نعمته، فعادت قاعاً صفصفاً بمرأى من عينه، فعاثت فيها ألسنة النار بأرض البوار عن طيب من نفسه حتى لكادت الكرة أن تتاح، والدولة أن تدول، والملك أن يثب، والعثرة أن يقال لها لعاً. لولا طارق الأجل الدى فَصَل الخطة وأصْمت الدعوة، ورفع المنازعة. فتوفاه الله بين السحر والنحر، والأنف والعين، واستأمن من بعده لمن كان خلص إليه من خدامه، وانحدر طوعاً بين يدي سريره، وأبقى محل وفاته مرفَّهاً عن الابتذال بالسكنى، مفترشاً بالحصباء، مقصوداً بالابتهال والدعاء فتخلُفُها أي منقبة شَمَّاء، ومأثرة بلغت ذوائبها أعنان السماء، ويداً على الخلق بيضاء.

ومن الغد كان التوجه إلى ذلك المحل المبارك، فاقتحمنا وعراً نزل فيه الذُّر، ولا يسلكه مع الحلم الطيف. وتسنَّمنا شعاباً تعجز عنها العُصْم، وتجاوزنا مهاوي مدت فيها أسراط من الخشب ترتفع عند الضرورة الفادحة، فتقطع عمن وراءها الآمال، إلى أن أفضينا ولم نكد إلى المحل المقصود وهي دار قوراء نبيهة البنية بالنسبة إلى جنسها ... ساذجة بادية ملطخة الجدران بالطين الأحمر، متقابلة الأشكال بيوتها، لاطية السقف غير مهذبة الخشب، بأعلاها غرف من جنسها، يدور بداخلها برطال مستعمل على أرجل متخذة من اللبن، والحجر مُلبَّس بالطين، والبيت حيث متوفى السلطان مفترش بالحصباء، وقد ترك فيه دائرة كالقصعة تباشر الثرى، وتمكن من تربته من يقصد شفاء المرضى وكحل العيون المرهى، إذ كان ﵀ آخر ملوك العدل نشأة، لم تعرف الخبائث، ولا آثرت الملاذ، مُغْنِياً في بِرِّ والديه مصرِّفاً في انتساخ الذكر الحكيم يمني يديه، محافظاً على الصلاة قيُّوماً عليها بالليل، كثير الصدقة والصوم، مجالساً للعلماء، مستكشفاً أحوال الرعايا، حانياً على الضعفاء، معملاً في سبيل الله بيض الظُبا، صابراً على اللأواء، محتسباً في البلوى، مستشعراً شعار التقوى، ألحقه الله بالرفيق الأعلى. وبإِزائه مصراع باب عسلت عليه جثته الزكية، لا تتمالك العين أن تنتثر سلوك دموعها، ولا القلوب أن تأخذ الحسرة بكظمها، لما عضَّ ذلك الملك الحُلاحِل من الخطب الذي عوضه من نضرة النعيم، ووجوه الغَرانِقَة الغر، والتوكؤ على النمارق المصفوفة، والزرابي المبثوثة، في المتبوأ الكريم، واستنقال طلعة البدر، واستجفاء هبّة النسيم بقنن الجبال الغُبْر، وسكنى المحل الخشن، ومفارقة الأهل والولد عند فراق الروح للجسد. جعلنا الله من الدنيا على حذر وتَوَقِّ، وكتبنا ممن قدر قدره، ولم يأمن مكره. فقعدنا وقرأنا وأفضنا في الترحم ودعونا.

وكان الانصراف بعد أن ألممنا في تلك المحلة بمسجد إمامهم المهدي ودار سكناه، وأثر مدرسته وسجنه، كل ذلك من الخمول واللطو واستهجان الآلة على حال شبيهة بمباني الدَّبْر، وقرى النمل، وأعشاش الخُشاش من الطير. فعجبنا من مفتاح تلك الدُّوَيْرة المهتضمة، كيف تملك من القصور العظيمة ما إنّ مفاتِحَه لتَنُوا بالعُصْبَة أولِي القوة؛ ولمنبر ذلك المسجد كيف أخذ على كونه قمئ الجلسة، مصاحباً لبعض القشر، برياً من الصنعة بأزمَّة المنابر المتخذة من الألُوَّة والصندل المقاصري في لونيه، والأبنوس الحبشي، وأنياب الفيول، وأرعاها بعُصيَّاه، واستاقها بين يدي طاعته كالذَّوْد الشائل والسائمة الواردة ما بين قُرُطبَة وأشبيليَّة وغَرناطة وإفريقيَّة والمغرب، سُنَّة الله في إدالة الدول، وتعقيب النِحَل، ألم تر [أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده].

وانحدرنا عن ذلك المرفق فأسْهَلْنا ببطن الوادي، وأرحنا بجلسة مُوَطَّاة، مُعَدَّة لاستجمام السلطان ﵀، قد ظللتها الأشجار، تجري تحتها عين خرَّارة كأعظم الأنهار فوق حَصىً كدُرِّ النحور، القريبة العهد بلجج البحور، أو كثنايا الحور. تركت في تلك الجلسة أثقاب وخُروت تفضي إليه، يُجعَل الجعائل على إمساك اليد بها برهة معتبرة، يفتَضح متعاطي ذلك لخَصَرِها وما يؤثّر البرد الشديد في حسِّ عصبها. وجُلب إلى ذلك المكان من الطعام والفاكهة والشهد ما يحار فيه الوصف.

ثم انتقلنا إلى محل النزول، ومثوى الكرامة من المضارب، ودعينا إلى الدور حيث سكنى أولئك الأشراف، يغمرنا بكل دار منها من الأطعمة ما يحار فيه الفكر ولا تنال منه إلا العين. وتشاهد من أجناس الفرش المرفوعة والمراتب المقدرة، والستُر الديباجية المسدولة على الأرائك الممهدة، والسيوف المعلقة، تتخللها العِدَّة من أصْونة مُدمِجِ القرآن وصحيح الحديث ساكنة في جفون منقوشة محلاة بالإبريز، مُقلَّدة بمحامل الحرير النسيج.

وعند الانصراف إلى المضارب، أقبلت التحف والهدايا من المقرَّبات الكاملة تختال في الحلية، والكسا الرفيعة طيّ الأوعية الرقيمة، فعجز الشكر وبان التقصير.

ثم غمر الطعام وتخلف الشيخ عن المجالسة والمؤاكلة معتذراً عنه بألم مانع نغص لدينا النعيم، وكدر الشِّرْب تطيراً من وداعنا إياه حلْسَ فراش أو رهين شكاية. ثم) أنه حَدْسُنَا أنه آلمُ الحُسَبَاء (وتَذكرنا قول الأول:

إذا غدا الطَيبُ في مفارقهمراحوا كأنهُم مرضى من الكَرَمِ

فحقَّت الظِّنَّة، وصدقت المَخِيلَة.

ومن الغد كان الانصراف، فَشيَّعَ وأبعد، وتألم للمفارقة وتوجع، كثَّرَ الله مِثْلَه، وكافأ قوله وفعله، وأورث عز تلك البقعة عَقِبَه.

ولم أبرح يوم زيارة محل وفاة السلطان أمير المسلمين أن قلت:

يا حُسْنَها من أربع وديارأضحت لباغي الأمن دار قرارِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
وجبال عز لا تَذِلُّ أنوفُهاإلا لعز الواحد القهار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
ومقر توحيد وأسُّ خلافةآثارها تُنبي عن الأخبار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
ما كنت أحسب أن أنهار الندىتجري بها في جملة الأنهار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
ما كنت أحسب أن أنوار الحجىتلتاح في قُنَنٍ وفي أحجار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
مَحَّت جوانبها البُرودُ وإن تكنشَبَّت بها الأعداء جّذْوةَ نار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
هَدَّتْ بِناها في سبيل وفائهافكأنها صرعى بغير عُقار
لما توعدها على المجد العِدَارضيت بعَيْثِ النار لا بالعار
عَمَرت بِحلَة عامر وأعزهاعبد العزيز بمرهف بتار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
فرسا رِهان أحرزا قَصْبَ الندىوالبأسَ في طَلَقٍ وفي مضمار
ورثا عن النَّدْب الكريم أبيهمامحض الوفاء ورفعة المقدار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
وكذا الفروع تطول وهي شبيهةبالأصل في وَرَقٍ وفي إثمار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
أزرت وجوه الصِّيدِ من هنتاتةفي جوها بمطالع الأقمار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
لله أي قبيلة تركت لها النُظَراء دعوى الفخر يوم فخار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
نصرتْ أمير المسلمين وملكهقد أسلمته عزائم الأنصار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
آوت عندما ذهب الرَّدَىوالرَّوْعُ بالأسماع والأبصار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
وتخاذل الجيش اللُّهام وأصبح الأبطال بين تقاعد وفرار
كُفِرت صنائعُه فيمّمَ دارهامستظهراً منها بعز جوار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
وأقام بين ظهورها لا يتقىوقع الرَّدَى وقد ارتمى بشَرار
فكأنها الأنصار لما آنستفيما تقدم غربة المختار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
لما غدا لحظاً وهم أجفانهنابت شفارهم عن الأشفار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
حتى دعاه الله بين بيوتهمفأجاب ممتثلاً لأمر الباري
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
لو كان يُمنَع من قضاء الله ماخَلَصَت إليه نوافذ الأقدار
قد كان يأمل أن يكافئ بعض ماأوْلَوْه لولا قاطع الأعمار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
ما كان يقنعه لو امتد المدىإلا القيامُ بحقها من دار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
فيعيد ذاك الماءَ ذائب فضةويعيد ذاك التُّرب ذَوْبَ نُضَار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
حتى تفوز على النوى أوطانهامن ملكه بجلائل الأوطار
حتى يلوح على وجوه وجوههمأثر الرعاية ساطع الأنوار
ويسوّغ الأمل القصيّ كِرَامهامن غير ما ثُنْيا ولا استقصار
ما كان يرضى الشمس أو بدر الدجىعن درهم فيه ولا دينار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
أو أن يُتوَّجَ أو يُقلَّدَ هَامُهاونحورها بأهله ودراري
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
حقٌ على المولى ابنِهِ إيثار مابذلوه من نصر ومن إيثارِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
فلمثلها ذُخِرَ الجزاء ومثلُهمَنْ لا يُضيع صنائع الأحرار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
وهو الذي يقضي الديون ومثلهيرضيه في علن وفي أسرار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
حتى تحُجَّ محلّةٌ رفعوا بهاعلم الوفاء لأعين النظار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
فيصير منها البيتُ بيتاً ثانياًللطائفين إليه أي بدار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
تُغني قلوب القوم عن هَدْيٍ بهودموعُهم تكفي لرمي جمار
حُييتِ من دار تكفَّل سعيها المحمود بالزُّلفى وعقبى الدار
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حسنها من أربع وديار»
وضفت عليك من الإله عنايةما كرَّ ليل فيك إثر نهار

فلا تسل عن حسن موقعه لديه، وسرور نفسه به. وفي الحين طير به إلى أخيه كبيره وهو على سموِّ قدره وعلوِّ ذروته، أشد الناس إيجاباً لحقه، وانخفاضاً لبأوه، وتطامنا بمجلسه، يقرضه وزان الأب في إلانَةِ القول، وانكسار الطرف تتميماً لوظائف المجد، وإقامة لسوق الحرية. فأورى عند لقائنا إياه زنده، وعَقَّب الصلة الجزيلة عذره، وبلغ قصبات السبق فضله.

وانحدرنا من الغد إلى مدينة أغمات ورُيكَةَ عن درج نزلنا لجَرَّاه عن الظَّهر. وقدنا الدواب قوداً، فجازت ناجية عن صراط بعد سياط ومياط. واجتزنا على ديار هنتاتة بذلك السفح على حدود أضدادهم الوريكيين، وقد أسْهلوا وانبسطوا، ومثلت لهم الديار الحُمْر، تحف بها البساتين الخضر، تخترقها المذانب الزُّرْق. وأرحنا من تلك الجهة بالمسجد البديع الحافل البنية، السامي المئذنة، المقام لصق دار موسى بن علي الهنتاتي، البادي طللها، المنبئة عن أخبارها آثارها، تُوسِعُه ما شاء من ثناء ورحمة.

ثم أتينا مدينة أغمات في بسيط سهل مُوَطَّأٍ لا نَشَزَ فيه ينال جميعه السَّقْي الرَّغد، وتركبه الخلجان وقد تموَّج به العشب، وعافته الأيادي وغَلَّتْ أيدي فلاحه الفتنة. وهذه المدينة قد اختطت في الفضاء الأفْيَح، فبلغت الغاية من رحب الساحة وانفساح القورة، مثّلَت قصبتها منها قبله، وسورها مُحْمَرُّ التُّرْب، سَجِحُ الجِلْدَة، مُنْدَمِلُ الخندق، يخترقها واديان اثنان من ذَوْبِ الثلج وسؤر الجبل، قامت بضفتيها الأرحاء واردة وصادرة، مرفوعة الأسداد، منيعة البناء. يمر أحدهما بشرقي المسجد الجامع طامي العباب محكم الجسور، نظيف الحافة، نزهة للأبصار وعبرة لأعين النظار. ومسجدها المذكور عتيق عادي كبير الساحة، رحيب الكنف متجدد الألقاب. ومئذنته لا نظير لها في معمور الأرض. أسسها أولوهم مربعة الشكل وما زالوا يَبْخَسُون الذَّرْع، ويجحدون العرض، حتى صارت مُجَسَّماً كاد يجتمع في زاوية المخروط. وأدير عليه فارز من الخشب يطيف بناء لاط، وقد أطل سامي جامورِها فوقه، فَقَبُحَتْ حتى مَلُحَتْ واستحقت الشُّهْرة والغرابة.

وأهل هذه البلدة ينسب إليهم نُوكٌ وغَفلةِ عِلّتُها، إن صدقت الأخبار، سلامة وسذاجة، فَتَعْمُرُ بملحهم الأسمار، وتتجمل بنوادر حكاياتهم الأخبار. فمنها أن ملك المغرب لما عجب من هذه المئذنة، استأذنوه في نقلها إلى بلدة على سبيل الهدية، يجعلونها تحفة قدومه، وطُرفة وفادته.

وبازائها المسجد، بينه وبين النهر المار بازائه قبة عظيمة القبو، فخمة البنية، ترقص فيها فوارة خرقاء في خُصَّة من الحجر الأدكن مشطوفة الباطن رحيبة القطر، قد تثلمت بعض حافاتها لمماسة الأيدي، ومباشرة أجرام الخزف والفخار عند الاغتراف بما ينبئ عن قديم عهد وطول مدة.

وللسلطان بهذه المدينة دورٌ حافلة تدل على همم ومعالي أمم، واحتفال عوالم درجوا وأمم، قد ركلها العفا وجذب معاطفها الخراب. فما شئت من خُشُبٍ منقوشة وأطُمٍ مرقومة.

وبداخل هذه المدينة بساتين وجنات، ولم يبلغ الخراب من مدينة ما بلغ من هذه الأيِّم المهتضمة، فتشعثت محاسنها، وأخلقت ملابسها وأوحش عمرانها لتتابع الفتن وعيْث الشُّرار الذين لا تُعبِّدهم الطاعة ولا تزغهم الشريعة. أنقذ الله من لَهاَة التَّبار فريستها واستدرك بمدافعته مسكنْها.

وأطرفني الخطيب بها بأخبار من اعتقل فيها من مخلوع ملوك الأندلس وأمراء طوائفها كالمعتمد بن عَبَّاد، وأبي محمد عبد الله بن بُلُقّين بن باديس أمير وطننا غرناطة. ووقفني على تاريخ صدر عنه أيام اعتقاله، يشرح الحادثة على ملكه في أسلوب بليغ ختمه بمقطوعات من شعره تشهد بفضله.

وزرت بخارجها قبر المعتمد على الله أَبي القاسم محمد بن عبَّاد، أمير حِمْص وقرطبة والجزيرة وما إلى ذلك الصقع الغربي ﵀، وهو بالمقبرة القبلية عن يسار الخارج من البلد، قد تَوَقل نشزاً غير سام وإلى جانبه قبر الحرة حظيته وسكن نفسه اعتماد إشراكاً لاسمها في حروف لقبه، المنسوبة إلى رُمَيْك مولاها، المتولعة بشأنه معها أخبار القصاص وحكايات الأسمار إلى أجداث من ولدهما. فترحمنا عليه وأنشدته:

قد زرت قبرك عن طوع بأغماترأيت ذلك من أوْلي المهماتِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «قد زرت قبرك عن طوع بأغمات»
لم لا أزورُك يا أندى الملوك يداًويا سراج الليالي المدْلَهِماتِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «قد زرت قبرك عن طوع بأغمات»
وأنت مولىً تَخَطَّى الدهر مصرعهإلى حياتي أجادت فيه أبياتي
أناف قبرك في هَضْبٍ يميزهفتنتحيه حَفِيَّات التحيات
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «قد زُرْتُ قبْركَ عن طَوْع بأغْماتِ»
كَرُمْتَ حياً وَميْتاً واشتهرت علافأنت سلطان أحياء وأَموات
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «قد زرت قبرك عن طوع بأغمات»
ما ريئ مثلك في ماض ومعتقدأن لا يرى الدهر في حال ولا آت

وزرت أَجداثاً لأولياء وصالحين ختمتها بقبر الولي المتبرك به أبي عبد الله محمد الهَزْميرِيّ.

وكان الانصراف عنها من الغد، وماشينا أدواح الزيتون والأشجار، تساوقها جَرِيَّاتِ الأنهار، تتخللها أطلال الحِلَل والديار نَيِّفاً على شطر البريد لا تنال صفح ثراه الشمس ولا ترتاده الحرباء، تتجاوب أصوات الحمام المطوّق فوق غصونه. وقد اقتطعت ذلك الجناب الخصيب أيدي الوحشة، وأخيفت من حلل غابة السابلة، وسكن ربوعه الآهلة البوم، فيا لها من مدينة غَزُر ماؤها وصح هواؤها، وأينعت أرجاؤها، وضفى عليها من المحاسن رداؤها.

وانْتَهَبْنَا السهل انتهاباً، فدخلنا المدينة في مُتَمَكَّنِ الضحى، وألفينا محلّة ولد السلطان مولانا قد استعجل الأمر استقدامها، فخيمتْ على فرسخين، فشرعنا في الإياب وانتحينا طريق الساحل لنستدرك بمدينة آسفي. زيارة من بها من أولياء الله الصالحين وعباده المقربين.

وكل أخ مفارقه أخوهلعمر أبيك إلا الفرقدان
للشاعر أبو الهدى الصيادي، من قصيدة «بعيشك هات اخبار المغاني»

قلت نعم والفرقدان، سبحان من استأثر بالبقاء لا إله إلا هو.

ولقيت بهذه المدينة جملة من أولي الدين والدنيا، فمن أهل الدنيا الشيخ الجليل كبير القطر، ومفزع الرأي ومسيطر خاصة الإمارة، متصرف وجوه الوجوه أبو ثابت عامر بن محمد، وأخوه هضبة الوقار، ونير الأفق، وزهرة روض ذلك الحَزْن، وياقوتة ذلك الجبل، وقد مر من التعريف بهما ما يغني عن الإعادة. ومنهم نائب الملك وحافظ الرَّسم وجار القصر الشيخ الفقيه علي بن العباس بن موسى بن أبي حَمُّو، المعتام لكفالة أولياء العهد، المستظهر بأمانته وصدقه على حفظ الأقطار المستباح الحِمَى في سبيل الوفاء، أجمل الشيوخ وَجْنَةً. وأسناهم شيبة، وأحسنهم صورة، إلى الخُلُق السهل واللسان البلبل الإطراء والبر، والذرع الفسيح، والمخاطبة الفضلة بفرائد التسويد، تكررت على المدى زيارته، وانصرفت شطر الوجهة عنايته، واسترخصت في استجلاب القصور والمعاهد هِشَّته، وخفت إليها على الكبر والرَّقْبة حركته.

ثم جمعت بين الغُرَّةِ العتيقة والمهنَّدة المحلاة والصامت الدَّثِرِ هديته، عن خصاصة متقرره، وحال رقيقه لقصور دخله عن خرجه، وما جرَّه كف يده، ووازع عفته، وجناه الوفاء من نكبته. أصلح الله حاله، وزاده من جميل نظر المُلك ما يقيم أوده.

ومنهم والي الوطن ومؤمن السبل وجَمَّاعة مال الجباية، الشيخ الرئيس الفقيه أبو عبد الله بن حسُّون بن أبي العَلي وقد مر بعض ذكره. وهو فريد العصر بل الدهر في الخلال المُبِرَّة والخصال الحرة، من مُذَكِّرٍ بالبرامكة، مُغَبِّرٍ في وجوه سُيَّاقِهم انتهازاً لفرص المكارم، وتهالكاً في هوى المآثر، ما شئت من مُغْلٍ لبضائع الحمد، منتقب بوَرد الخجِلَة، مرسل أعنة الاعتذار في أعقاب ملوكي العطية، يهب الكتائب غائمات، والمَهَى مستردفات، والجياد عِراباً، يقوم على الأصلين والمنطق، وهما الفنانان المهذبان للعقل المستدعيان لكثير من المواد، يُعترف له بالتقدم في ذلك، مشاركٌ في غيره، حسن الصورة، مهيب جَزْلٌ وقور حاسر عن الاطلاع والكفاية، لم يبلغ عندي في البر مداه، ولا بل جناحُ شكري ندى كَنَدَاه. ولقد أقسم بالغموس بعد أن بان رِزْحُه من وظائفه الباهظة، وقعود زمنه عن أمله، وقصور وُجده عن مرمى هَمِّه أن لو ألفى سَعَتَه التي تعودها، لنقدني ثمن ما غُصبْتُه بالأندلس عن يد، إبلاغاً في المكارمة ونزعاً إلى هدف الحرية، واسترقاقاً لرقَبة السؤدد. حفظ الله نعمته، وحاط حظوته، ورد عنه النوائب صاغرة، والحوادث ناكصة. وكثيراً ما خاطبته بعد وداعه من محال كرامته بالطريق من عمالته الفسيحة الخطَّة، وقد ألزَمَ من نبلاء خُدامه من تمم الوظائف وكمل المآرب بمثل قولي:

يا خاتمَ الفضل أو يا حاتم الزمنومشتري الحمد بالغالي من الثمن
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
ومرسل المثل الجاري بكل عُلافوق البسيطة من شام إلى يمن
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
يا من إذا ما حكاه الجِلَّة افتضحواإذ التَورُّمُ ممتاز من السِمَنِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
يا من تلقيتُ منه الخَلْقَ في رجلوقدتُ نافرة الأيام في رسن
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
لله ماذا رأت عيني وقد لمحتذاك الكمال وماذا قُلِّدت أذني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
ذع ذكر قيصر أو كسرى وما جمحتبه الحكاية عن سيف بن ذي يزن
ما الفخر إلا لملك أنت تخدمهفَحُلَّ منه محلَّ الروح في البدن
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
إن لم يَفُز منه بالغايات مثلك أوتعلو الكواكب في آفاقه فمن؟
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
تبأى العلا منك يوم الفخر بابن أبجمّ السيادة عفّ السر والعلن
ماضي العزيمة ميمونٌ نقيبتهجارٍ من البر والتقوى على سَنَن
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
إلى مضاء كنصل السيف يعْضدهرأي يفرِّق بين الماء واللبن
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
أفادني زمني لقياك معتذراًعما جناه فلا أدعو على زمني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
من بعد لقياك لا آسى على وطرمهما تعذَّر أو أبكي على وطن
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
عقدتُ صفقة وُدِّي فيك رابحةإن حالت الحال لا تَخشى من الغَبْنِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
فالبس نسيجة ما قدمت مُعْلمةمن صنعة اليمن تنسى صنعة اليمن
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
من زار رَبْعَك لم تبرح جوارحهتروي أحاديث ما أوليت من مِنَنِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»
فالعين عن قُرّةٍ والكف عن صلةوالقلب عن جابر والأذْنُ عن حسن
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن»

ومنهم صاحب الأشغال ملك الحضرة الشيخ الفقيه الموصوف بالسلامة والعفَّة، الكاسع إلى صف الانقباض، المتحيز إلى فئة العافية، المَعْفِي اليد عن غمسها، في كيل الجباية، أبو الحسين بن الرئيس الصدر، مُؤَمَّل الدول الأولى، المخصوص باليد الطولى، أبي محمد عبد الله بن أبي مَدْيَنْ. جالسته فرأيت ذكاءه متوارياً في حجر تغافل، وسذاجة تَشِفُّ عن ظرف، وخاطبني صحبة بَرَنْكَانه بما نصه:

أيا سيداً حاز سبْقَ العلابفضل النُّهى والسجايا الحِسان
ويا نخبة الوقت والمقتدىبه في فنون علوم اللسان
ويا أوحد العصر في نثرهوفي نظم الشعر كنظم الجُمان
بَنَانٌ تريك بخط اليراعبمَهْرِقِها سحرَ علم البيان
لقد حُزت في العلم أعلامهبحفظ النصوص وفهم المعان
وحزت ذُرى كل شأو رفيعفلا تسألنْ عن فُلٍ أو فلان
وَفُقْتَ ابن أوْس بنظم بديعٍكما فقت نثراً بديع الزمان
أنار بك القطر لمَّا قَدِمتَوظرف الزمان وظرف المكان
وأنَّسْتَ منا نفوساً لهابقربك ما تشتهي من أمان
تَقَبَّلْ هدية من لم يزليُحِبُّك بالسمع قبل العِيان
فلما رأى شخصَكُم زادهولوعاً بكم حُين تلك المعان
سلامٌ زكيٌ كعرفٍ زكييَخصُّكمُ ما بدا النَيِّران

ومن أهل العلم والدين الشيخ الفقيه القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الهرغي الزقندري، وزَقَنْدر معدن الفضة ببعض تلك الجهات ولذلك ما قلت أداعبه:

سألتُك عبد الله إيضاحَ مشكلوأنت لكشف المعضلات بمرصَد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «سألتك عبد الله إيضاح مشكل»
زقَنْدَرُ قالوا عنه معدن فضةفما بالُه أبداك نُدرةَ عَسْجَدِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «سألتك عبد الله إيضاح مشكل»

فاضل متفنن حَسَن الهيئة، راجح الوزان كثير الوقار بعيد عن الدِّخْلة، متساوي الظاهر والطوية، مُطَّرِح للهوادة، ما شئت من رجل غزير الحِفْظ، جيد المعرفة، مضطلع بفنون، سديد النظر، جَمَّ المشاركة في حديث ورواية وتاريخ وخَبَر وكلام وفقه ونظم ونثر، إلى فضل المجالسة وحسن العشرة والغفلة عن نصيب النفس والاحتطاب في حبل الرفيق، وإقطاع، غبيط السذاجة وفضل الفكاهة، والجهر بالتلاوة في سبيل الورد المترتب ناشئَةَ الليل ومبادئ الإسحار. رحل وحج ولقي كثيراً من الفضلاء، وأخذ عن عدد كثير من أهل المغرب دراية ورواية. فمن المراكشيين: أبو العباس الغفائري، وأبو الحجاج الدَّغْوي، وأبو القاسم بن مُعَنْصِر، وأبو القاسم ابن القشاش، وأبو عبد الله بن مسعود. ومن أهل أغمات: أبو يحيى الجزولي من حفَّاظ المذهب. ومن الفاسيين: أبو محمد عبد العزيز القروي، والقاضي أبو عبد الله ابن عبد الرزاق. ومن أهل تازا: أبو محمد الرَّجَّالي. ومن التلمسانيين: الشيخ الفقيه النظَّار أبو موسى بن الإمام والقاضي أبو العباس المديوني، والشيخ المحقق نسيج وحده في العقليات أبو عبد الله الآبلي. ومن التونسيين أبو عبد الله بن دمعون، وابن هارون، وابن عبد السلام، والراوية الرَحَّال أبو عبد الله بن جابر ومن أهل الإسكندرية: أبو العباس بن فتوح، وجمال الدين بن سلامة القضاعي، والعدل أبو الحسن بن الفرات، والمشايخ الأربعة محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله، وإسماعيل الضرير، وأبو الحسن الإقبالي، وجمال الدين بن عبد الرزاق الربعي وناصر الدين بن المُنَيِّر. ومن أهل مصر قاضي المالكية تقي الدين الإحساني، وأبو الحسن المارديني، وعز الدين بن جماعة، وجمال الدين الدلاصي، وأبو حامد السَّبوكي. ومن أهل دمشق: شهاب الدين بن فضل الله كاتب الإنشاء، وشمس الدين بن نباتة، وأبو الخير الحريري، وشمس الدين السلاوي آخر أصحاب ابن عبد الكريم، وتقي الدين بن عبد الكافي، والعلامة الأديب أبو الفضل ابن صرايا. ومن الصالحية: عز الدين المقدسي، والمسند عبد الرحيم التنوخي. ومن أهل مكة: شمس الدين النَوْفَري، وإمام الموسم خليل بن محمد. ومن أهل المدينة: عفيف الدين المطري من ذرية سعد بن عُبادة.

ولي قضاء مَرَّاكُش في منتصف رمضان عام ستين بعد ولايته أغمات وسَبتة ومولده بمراكش في سابع عشر ربيع الأول عام خمسة وسبعمائة. وابتدأ لهذا العهد تخريج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي.

وأنشدني من نظمه ولها حكاية تدل على ظرفه وحسن عهده:

ولما تجاوزنا زَلولاً وشنَّةوطاشت حلوم لم تكن قبل طائشة
تيقنت أن لا منزلاً بعد سبتةيَسُرُّ وأن لا إلف من بعد عائشة

توجه مؤانساً لي متحفياً إلى جبل هنتاتة، فأمتع ما شاء حفظه الله وأحسن مجازاته.

ومنهم الشيخ العدل القاضي برباط آسفي عبد الرحمن بن علي بن أبي العيش القيسي المعروف بطالب عافية، من الصدور الجلة وأعلام الطلبة بتلك البلدة فضلاً وعدالة وتفنناً ومشاركة، يخوض في كل فن، ويُلقي دَلْوَه إلى كل حوض، أصيل الحفظ جيد البحث، بعيد عن السآمة، لا يمر له وقت ضياعاً إلا عن مذاكرة في فن أو إجراء طُرفة، غير مُبال بِتَهْويم نوم، وهجوم هاجرة، أو مخالطة كد إلى حُسن العشرة ودماثة الخُلُق، وإيثار التخلي والعزلة والحَوْم على السلوك والتجريد. شارك القاضي أبا محمد في كثير ممن ذُكرَ أخذه عنه من أعلام بلده.

ومنهم الأستاذ المتفنن النظَّار أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الفَخَّار، أستاذ المدرسة العظمى من أهل العلم والفضل والمشاركة والتفنن، يقري بها علم اللسان والأصلين والفروع، فَيُمْتِعُ ويَحْسِبُ على طَرَش كدَّر ﵀ الانتفاع به ونغّص الأنس بمجلسه نفعه الله..

وانتابني من الظرفاء والأدباء الشيخ الفقيه المكَتِّب أبو عبد الله محمد بن القاسم ابن عمر بن عبد الله الصَّيْرَفي، من أهل النبل والظَرْف على خُلُقٍ زعموا غير سَبْط، كتب عن الأمراء بمراكش، وأبي العباس بن حسين الغفائري، والخطيب المحدِّث أبي عبد الله بن رُشَيْد، والقاضي أبي الحجاج الطُّرطوشي، والمقرئ أبي الحسن ابن برني، وأبي العباس الفرقسي، وأبي العباس بن برني، وأبي العباس بن القرّاق، وأنشدني من شعره:

مَنْ لَمْ يُفِدْكَ بنفعه أو جاههفلأيما اصْتَصْنَعْتَه مَخْدُوما
فَلْتَخْدِمِ الله الذي من أمَّهُبضمير صدق يلْفَ منه رحيما

ومن نثر قوله: وأما الكتابة فلفظ نِحْلَةٍ حُذفت تاؤه، ومعقل خُذْلَةٍ شرع من غير مَحلِّه إيتاؤه، وهي خطة استغنى الناس بذَيَّانها عن سَحْبَانها وعن مُلاك أزمَّة آدابها بجهلة طُلاَّبها، فمن رأسَها معهم من ذوي المروءات والهمم من سائر الأمم، فقد ارتكب الصعاب وَثوى مقعداً من المذلة والهُون أنَّى شاء من سائر الأبواب فهو ينشد سائليه عن حاله بلسان عذر كليل، وقلب عليل، معتذراً في الضرائر بما قد قيل:

ألا قاتل الله الضرار فإنهاتُعَلِّمُ خير الناس شرَّ الطبائع
وتَحْمِل ذا الطبع الشريف تكرُّماًعلى ذِلَّةٍ في عيشه وتصانع

وكان السفر من مراكش يوم الأحد الثالث والعشرين من جمادى الآخرة وقصدنا باب الرَّخا من أبوابها غَلَساً لنصايح تربة الشيخ، قصد التزود ببركتها، فتعذر فتح الباب وطال به الوقوف وأعْييَ علاجه، فانصرفنا عنه وفي أنفس بعض المشيغين حزازة من ذلك، فأنشدت منهم الشيخ القاضي أبا محمد الزقندري بديهة:

يا محلاًّ لخُلَّتي وانتحائيلم يُبِحْ لي الخروجَ بابُ الرخاءِ
دلَّ أن الرخاء مغتبطٌ بيفبحقٍ تَبَجُّحي وانتخاءِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا محلاَّ لخُلّتي وانتخائي»

فحُفِظ واستُطْرف، وتحول المحزون إلى ضده والله الموفق للأقوال والأعمال بفضله.

وحثثنا السير على تَفِيَّةِ ارتحال الجيش وتوقع الفساد في السُّبُل، صحبة لِمَّةٍ من أشياخ وراء سكان الصقع، واستقبلنا حي بني الحارث من عرب العمود، جَذْوَة شَرار الشِرار أولى الحِرابة والخرابة. فنزلنا بمحلة من حِلَل رِعاء البَهْم وقد أوقع في طريقنا يومئذ بمحروبين حار أحدهما ونجا ثانيه برأَس طِمِرَّة ولجام.

ورحلنا من الغد في قفر تَنْدر ببعض مَهامَه به أبيات نابية للمُسَمَّيْن، وبتنا بحِلَّةٍ من حلل بني جابر أولي إبل وشاء. ورحلنا من الغد فتجاوزنا غَوْلاَ، وتخطينا مَظَنَّة اعتراض، ومَسْبَعَةَ فُسَّاق في حَدِّ بين بلاد بني الحارث، وبني وراء، يُولي كلٌّ منهم خٌطّة المَلام جاره عند إعداء الرُّفُق المصابة، وإصراخ السلطان لندائهم.

ودخلنا بلاد بني ماقِر، فكان المبيت بسورها تحت خصبٍ وأمَنَه، ومنها صرفنا مَن صَحَب من أشياخ تلك الأرض عن شكر وإطراء، وإن كنا في مَظنَّة الروْع، نرى منهم اخزرارَ عيون ومخايلَ فتنة.

ومن الغد سلكنا وطن بني ماقر وهو كثير العمران، متعدد الديار والأشجار سَقْيُه من نطاف عذبة تَخْتزنُ بها بركات الأمطار فيقع بها أمْنُهم والاجتزاء إلى زمن المطر. وبها كثير من الصالحين وأولي الخير وأرباب التلاوة، وربما ألفِيَ بها ضدُّهم، ولله درُّ القائل:

الناس كالأرض ومنها هُمُمن خشن فيها ومن لَيِّن
مَرْوٌ تَشَكَّى الرِّجْلُ منه الأذىوإِثْمِدُ يُجْعَل في الأعين
للشاعر أبو الحسن الحصري، اقرأ القصيدة

ووردْنَا مدينة آسفي وقد تمكن النهار، فلقينا موكب أرباب الخُطط باين مُعدين. ولما شارفنا، ركبنا إليها صردوكها أحمد بن يوسف حفيد الوليّ أبي محمد صالح، القائم في ظل صيته، وأثير الناس من أجله، رجل أدَمُ اللون، قد تَعَجَّل الوَخْطُ منه، ذقن كث ذو تيقور، جالس السلطان، وقاد ركب الحجاز، وجرَّ ببلده دنيا عريضة واقتعد غارب غنيّ جمّ، يفد على باب السلطان في سبيل دالَّةٍ بقديمه، ويقفل إلى وطنه مجدد الصكوك مستجاد الخِلعة. خاطبته بين يدي قدومي بقولي:

يا حفيد الوليِّ يا وارثَ الفخر الذي نال في مقام وحالِ
لك يا أحمد بن يوسف جُبناكل قفر يُعْيِي أكُفَّ الرِّحال
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا حفيد الولي ياوارث الفخر»

أبقاك الله كثابةَ انتفاع ونوراً بأعلى يَفَاع، ومتضعاً على علو ارتفاع، ترى الوِتْرَ في إشفاع، وتقابل الوهم بطرادٍ من الحقيقة ودفاع. إن حثَّت على لقاء الأعلام شهرتهم فلك الشهرة، وأنت العلم والشهاب الذي تُجلَى به الظُّلَم. ورباط جدِّكَ بالمغرب الركن المستلم، فإلى أين يذهب عن جنابك الذاهب، وقد وضحت المذاهب، والله المانع والواهب. وإني من لدن اجتليت غرّتك التي تلوح عليها سيما الولاية إرثاً واكتساباً وانتماء إلى جناب الله وانتساباً جزاء من ربك عطاء حساباً؛ أؤمل التوسل والتقرب وأخطبُ منك الأنس الذي أنْسى به التغرب إلى أن تَهَيّأ بفضل الله وتيسر، وتبين مجمل الشوق وتَفَسَّر، وشتان ما بين من أثرى وأعسر، فأنا الآن والحمد لله قد حططتُ بمثوى الولاية رحلي، وعَثَرَتْ بأزهار أسرار الأبرار نَحْلي، وأخذت من الدهر ذَحْلي، وحللت من رباط الشيخ أبي محمد بالحرم الأمين، وظفرت من ودّ حافده بالذخر الثمين فيا ليت قومي يعلمون ما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين. عَرَّفتك أبقاك الله بقصدي وحركة رَصْدي لتعلم أن هذه الوجهة لقاؤك أقوى دواعيها، وأنجح مساعيها، وبركة الشيخ نفع الله به تلاحظها وتراعيها، فما اسْتَبْعَدَ المرام من قَصَد الكرام، وما فقد الإيناس من أمَّل الناس، وتَنَخَّل الأفراد، وتخطى الأجناس، وترك للنص القياس، وَتَمَلَّك المِنَن لمَّا أحرز الرياس، وسيدي بعد وما يظهر له من تأنيس غُرْبَة وإزاحة كُرْبَة، ورعْي وسيلة وقُرْبَة، وإتحاف باجتلاء حمى مَزُورٍ وتُربَة، والله ﷿ يبقيه مقصوداً على بعد المكان، مُرَجِّحاً في الفضل طَرَفِ الإمكان مطمئن القلب بذكر الله رطب اللسان؛ مُدْرَجاً في الوصولِ لسِنَام الإسلام والإيمان والإحسان.

واضْطَبَن من ابن عمه الخطيب بالبلدة، شاحباً صامتاً مهمهماً بذِكْر، مُنتبذاً عند الأكل إشعاراً بالإمساك، أومأ مع ذلك، زعموا، إلى دنيا عريضة كابن عمه وشُحٍّ مطاع، فرحب الكل وأطرأ اللقاء. وجئنا إلى رباط الشيخ أبي محمد وهو من المشاهد الحافلة والمآلف الجامعة. فضاؤه رَحْبٌ مرصوف بحجر الكذان يدور به، سقيف نظيف ذو أبواب تفضي إلى زوايا ومدافن، وبطوله عن يمين الوالج مسجد الصلاة وتربة الشيخ في بيت عُمِدَ سَمْكُه لانفساح عرضه بقائم من الخشب، وقبر الشيخ قبليه عن يمين الداخل إليه، قد اتخذ له حوض من الخشب من الرفيع أكسبته الأيام دُهْمَسه، فتخاله منحوتاً من الألُوَة قد امَّلَسَت من الاستلام حافته، وسُوي من نظيف الرمل سَبَجُه، وبازائه قبور شبيهة به في الشكل لولده وحفدته، تتخللها الحُصر النظيفة، فقضي الغرض من القراءة والدعاء، وحضر الفقهاء والطلبة والصوفية وقد استعرضهم أبو العباس طائفتين ورتبهم للسلام علينا غابطاً إياهم مُطْرياً مؤنساً، فدعوا وأجملوا، وعرض علينا طعام الشيخ أبي محمد ﵀، وقري ضيفه الجاري عليه من بيت المال حافده المذكور مُحكّضماً في قُلِّه وكُثْرِه، فجلب خوان بهي اشتمل قوره على كل غضارة أثيرة لا تتخلف عن طعام ولا شراب.

وانصرفنا إلى المحل المعين للنزول. وهذا البلد فسيح طيب الهواء كريم التربة خصيب الجناب. وأهله أولو خَيْريَّة وجنوح إلى الصلاح؛ وهو لَبِنَةُ التمام للمسَوَّرات بالمغرب، ليس وراءها مدينة جامعة، ولا محلَّةٌ مسورة، ودونه أمم تتصل بالسوس الأقصى إلى تخوم الحبشة من وراء الصحراء.

ومن ساعة إلمامنا انزوى عنا الشيخ أبو العباس صردوك، لِلَهْوِه، واشتغل زعموا بعقد نكاح على بكر يلاعبها وتلاعبه، لم يَقْسم الله للضيف من مأدبتنا بحظ، وشحَّ بإيناسه وتردده، فَحَدَسْنا أنّ ذلك إبقاءٌ على نفسه لما تُكْشِفُ المجالسة من حال يَمُدُّ لها أبو حنيفة رجلَه. وهممت أثناء طريقي أن أخاطبه بسعوط افتتحته بأبيات مطلعها:

إذا لم تهذِّبك الأبوةُ والحجفأنت على فَوْتِ الجَنَي ثمرٌ فَجٌّ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «إذا لم تهذبك الأبوة والحج»

ثم تصدقتُ على حِلْم الشيخ بجهله، وحَرَّمت صيد آبِدِه في حرم مَحَلِّه، أصلحنا الله وإياه.

وصلينا بمسجدها الجامع وهو مبنى عتيق، ومجمع فسيح متعدد الزيارات والصحون والتعاريج، سبق منه ما بين يَدَي المحراب بعضٌ على أيدي قوم من الصالحين، رفعوا به عَمَداً تناهز الأربعين، بادية ضخمة خشنة على سبيل من الجفاء والسذاجة يباشرها سقف لاطئ من غير نقش ولا إحكام عَلَتْها خُشُبٌ بالية، وقُضُبٌ ناخرة، بما يدل على قِدَمِ العهد، وينبئ على اجتناب فضول العمل. فلم تمتد إلى تغييرها يد، ودارت بها الزيادة النبيهة والبُلاطات من جهاته. وبصحن هذا المسجد جِبَابٌ للماء ينتابها الناس لسقيهم ووضوئهم فَيَحسِبُهُم. ويقابل القبلة من جوفي الصحن زاوية بها فقراء يدعون ذكراً لله، فَيُعاطَوْن مقام التوكل، فلا يُغبُّ عنهم التفقد.

وبهذه البلدة، المدرسة والمارستان، وعليها مسحةٌ من قبول الله. وهواؤها أطيب أهوية البلدان، يستدعى الدثار في القيظ لبرده ولطيف مسراه. وتردد بها إليّ صاحب السوق ومقيم رسم المارستان، الشيخ الحاج أبو الضياء منير بن أحمد بن محمد ابن منير الهاشمي الجزيري، من أهل الظَّرف والخيريَّة والتمسك بأذيال أهداب الطَّلب. حَسَنُ الخطّ جميل العشرة، خفيفٌ في سبيل المشاركة. نشأ بالخضراء، وحضر حصارها، وحج وخدم الصاحب بدمشق فأحظاه. أنشدني من شعره يخاطب السلطان عند قدومه من الحج قوله:

قدموا عليك عَقِبَ حَطِّ حُمُولِزِوارُ خيرٍ منبئٍ ورسول
شُّعْثاً على حُبِّ التحية ترتميبهُم لبابك في ذُرًى وسهول
ليكون خاتمةَ الكمال ومِسْكَهُتقبيلُ كَفِّكَ في بساط قَبول

من قصيدة جارية على هذا الأسلوب. مولده بالخضراء عام خمسة وسبعمائة.

وكان الرحيل يوم السبت الخامس والعشرين من الشهر المذكور إلى منزل ينسب لأبي خَدُّو فيه رجل من بني المنسوب إليه اسم يعقوب، طِرْفٌ في الجود زعموا جرَّ بذلك المرزأة إلى عتاده. فألطف وأجزل ورتب الحرسة وآنس في الليل وطلبني بتذكرة تُثْبِتُ عندي معرفته في الآتي، فكتبت له:

نزلنا على يعقوب نجل أبي خَدُّوفعرفنا الفضل الذي ما له حدُّ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «نزلنا على يعقوب نجل أبي حدو»
وقابلنا بالبشر واحتفل القِرَىفلم يبق لحم لم نَتَلْهُ ولا زُبْدُ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «نزلنا على يعقوب نجل أبي حدو»
يحق علينا أن نقوم بحقهويلقاه منّضا البِرُّ والشكر والحمد
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «نزلنا على يعقوب نجل أبي حدو»

قيل لبشار بن برد، بينما أنت تقول:

إذا ما غضبنا غضبةً مضريةًهتكنا حجاب الشمس أو قَطَرَتْ دماً
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

ثم تقول:

ربَابة ربةُ البيتتصب الخلَّ في الزيت
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ربابة ربة البيت»
لها سبعُ دجاجاتوديك حسنُ الصوت

فقال، قلت ذلك أخاطب امرأة من البادية في خيمة قرتني بدجاجة وبيض كانت لديها أحسن من: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.

ثم سافرنا منه إلى سور موسى من مجامع دُكاَّلَة، وهو حَلْقٌ ذو شرفات وأبراج، بادي الانثلام والتشعيث غير حرز الغلق لجهل هذه الأمة المُصْحِرة بالتحصين، وهو بعض ما يلجأ إليه أهل هذا الوطن المتكاثف العمارة، الجمِّ الماشية، المُنْبَثِّ الحِلَل، الغاصِّ على انفساح مداه بالراغية والثاغية والصاهلة والناهقة، البالغ عدد أزواجه لإثارة الأرض ومعالجة الحرث، ثلاثة آلاف زوج من أزواج الثيران تثير أرضه وتعالج حرثه، يُتَحَرَّم به عند الغارة الشعواء المُصْمَئِلَّة يطرقهم بها عدوُّهم من بني الحارث وأحلافهم من سكان السهل والجبل فَيَسُدُّ عندها. وعلى ذلك فهم لحم على وَضَم ولقمة بين لَحْيَيْنِ، ويخارجه سوق جامعة يُحْشَر إليها الناس ضحى، ويتقاطرون من كل مَرْمىً يَمْثُلون في صعيد واحد، قد خيمت تجارتهم وظلوا، ولا ينفضُّ الجمع إلا مع انقضاء بياض يوم.

وقد كان رُفع إلى السلطان المُغْرّى بالبناء وتخليد الآثار أبي عنان ﵀، خَبَرُ ما عليه الناس من إخافة عدوهم، واهتضام عَرْصَتِهم واستهداف عَقْوَتِهم، فأمر بارتياد مَحَلٍّ لتأسيس مدينة، فاختير على غَلواتٍ منهم، محلٌ أرضه صخر منطبق على تراب، يتأتى فيه اتخاذ الخندق غير مثلوم الشفا، بعيد المَهْوَى، يبني السور بما يخرج منه من الثرى ويصون الأطباق المعدة للاختزان عن أضرار السماء، ويكون سطح الأرض على خمس قامات من منبع الماء. فشُرع في البناء واستُبعد الفضاء، وَمَثلَتْ الأبواب العديدة، والأبراج المشيدة. وعاق عن إتمامها هجوم حِمامِه وانصرام أيامه، فرغب أهله في التنبيه على تكميل نقيصته واحتياز حسنته.

وتلقانا مشرف المَحْبَى بها الشيخ الفقير الخير أبو عبد الله اللَّجَائي، قريع الأمانة والفضل، العف اليد، الحَصُور عن مساس الجباية، المتَّصلِ الاستعمال باستصحاب الحال الرقيقة، وسقوط التهمة من أهل الطلب والسذاجة وحسن العهد وكرم العِشْرة، الجواد على كونه مَنِيناً عدم العتاد في حال الكِبْرة. تلقانا في جملة من أتباعِ الخِدْمة، ثم تلاهم مركب القاضي والعدول، وقاضيها الحاج أبو عبد الله محمد ابن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزَّمُّوري، رجل مختصر البنية والثوب قد طرقه الوَخْطُ على حداثة، يحفظ غُثاءً من منقول كتب التفسير وغيرها، ذاكرٌ لمسائل متعددة، مسترسل اللسان في أسلوب يفضحه الإعراب عادةً لا جهلاً بقانون النحو. شموسٌ عند المذاكرة في المسائل العلمية، أطرفَ بحديث رحلته. ولما نزلنا خَنَس فلم نسمع له ذكراً إلى أن شيَّعنا من الغد، فَسَعَّطْتُهُ بخردل العَتْب ديدني في مقصِّري هذا الصِّنق القَمنْ بفعل الأغنياء في البر المستحق لولا رؤية الفضل لنفسه بمزية الفضل، فَزَلَّة العالم معروفة بعدم الإقالة، فاستعتب واعترف، وسألته الإجازة فيما يحمله، واكتتاب شيء من منظومة الكثير، وقد سَمَّى موضوعات ذكرها من تأليفه فوعد بذلك مُطَيِّراً به إلى محل المبيت ليلتئذ. وتلاحق بي رسوله بنزرٍ يتضمن ذكر أشياخ أكثرهم غير مسمَّى، وجلب شيئاً من حاله حتى عن القابلة التي التقطته ورؤيتها إياه على هيئة عن المُكَلَّف المخاطَب بوظائف الشريعة من سجود ورفع يد إلى السماء، إلى أمثال هذا. فخاطبته وأعدت الرسول إليه بقولي:

أليس قليلٌ نظرةً إن نظرتهاإليك وكلا ليس منك قليل
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «عقيلية أما ملاث إزارها»

وصَلَتْ أيُّها الفاضل رُقْعَتُك التي تضمنت الفوائد، وَصِلَتُك التي استصحبت العائد، وشاهد فضلك الذي بين تصريفه الأصلي والزايد، متفننة في ضروب لا تجنح شمسها لغروب، هزت ألحانها مني عِطْفَىْ طَروب، واستقر قِراها بين يدي أكول لمثلها وشروب. فلله ما تضمنت من فوائد رحلة حجازية لَبِسَتْ من حسن الحِجَى زِيَّه، وذِكر أعلام وأركان استلام إلا أنها كانت كَلَيْلَةِ الوصل ما عابها إلا القِصَر، فَلَوَدِدْتُ أن لو أمدها بسواده مني القلبُ أو البصر. بَخَسَ وزنها الاختصار لا بل الاقتصار، وافتقرت إلى شرحٍ يقع به على مُتَعَاصِي معانيها الانتصار، ووعد المجلس القاضوي باكتتاب شيء من منظومه بعد اعترافه بأنه كثير ومهاد وثير فما كان إلا الوعد، والأخلافُ من بعد:

يا لُوَاةَ الدَّيْن عن مَيْسَرَةٍوالضنينات وما كنَّ لئاما
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «بكر العارض تحدوه النعامى»

والظن بسيدي أنه دعا عند شربه من بئر الحَرَم، بأن تُرفَع عنه مؤنة الكرم، فأُجِيبَتْ الدعوة كما ورد، واستقام العمل واطرد، فكان اللقاء على مسافة قصيرة، وملاحظة البر بمُقْلةٍ غير بصيرة، والزيارة مُزْوَرَّة، وأظنه لاحظ بيت شاعر المعرة:

لو اختصرتم من الإحسان زُرْتُكُموالعذب يُهجر للإفراط في الخَصَرِ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»

والقِري قد كُفِي القاضي والحمد لله مؤنته الثقيلة، ولم يُحْوَج إلى تشويش العقل واستخدام العقيلة، وهذا القِسْم غير معدود ولا تقع المشاحَّةُ إلا في مَوْدود. وَهمَّ بتحفة شعره ثم قال بالبداء وناداه الإنجاز فصمَّ عن النداء فاطَّرد باب الشُّحِّ حِسَّاً ومعنى، وموحداً ومثنى حتى دُكَّالة، شرَّابةٌ لسَرْو القضاة أكَّالة، وبيدها لتحجير أيديهم وكالة. وهذه الحركة كانت لمحبة حركة الفتح، ووجهة المد والمنْح، فلو لم يقع فيها بُخْلُه تَمِيمة، لَلَقَعَتْها العين وعَسُر الهَيْن، والقاضي أعزه الله كمال، وعيب الكمال لا يُنكر، والغالب الفضل، وغير الغالب لا يذكر، وهو على التَّافه يُشكر. داعبتُه حفظه الله مداعبة من يعتقد خلاف مقاله، ويَرْجُح القناطر المقنطرة بمثقاله، ولا يقول في حال سَرْوه بانتقاله، ومع اليوم غد، ولكل شيء أمَد، ويُرجَّى أن يمتع الله منه بوقت يقع فيه استدراك، ويرتفع باختصاص النزول لديه اشتراك إن شاء الله.

وكان المبيت بحصن أسَايس من حصون دُكَّالة شأنه ما قبلُه بطلل، دار عادية ملوكية الوضع، تنسب لأحد أشياخ الوطن ممن غَمَسَ يده من الجباية في الدم والفَرْث تدل على انسحاب دنيا كانت سحابة صيف، والله يتجاوز عما جرت من نكير، فهو الذي يؤاخذ بما كسبت الأيدي ويعفو عن كثير.

ورحلنا من الغد ف يسهل اقتحمنا به حدود الصَّناهِجَة، وبتنا بموضع يعرف باسكاون بازاء رَجُلٍ مُنْتَمٍ للصوفية أَعجم اللسان، قام بالنزول على خصاصة واضطرار، فأنَبْنَا له واحتسبنا كَدْحه.

وعُدنا من الغد إلى أزَمُّور، فرأينا صدق المثل في قولهم العود أحمد، فتلقينا بها أصناف الفضلاء مصحرين، ولوظائف البر متممين، وقاهم الله معَرَّات السنين، وكرَّم وجوههم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه في يوم العرض والدين.

وبرز إلينا الحسن بن يحيى بن حَسُّون، فتى الفتيان بالمغرب، وغاية السَّرو، وآية المروءة، والمثل البعيد في الإيثار على الخصاصة، ومخجل الضيف وريحانة التلطف، فأربى الخُبْرُ على الخَبَر والحمد لله.

وكان السفر عن تشييع تتعلق بالأهداب أظفاره، وفضل عمَّ الخافقين اعتذاره وأوجب ذلك ما خاطبتهم به:

إحسانكم يا بني يحيى بن حسُّونأزرَى على كل منثور وموزون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «إحسانكم يا بني يحيى بن حسون»
قد جددت زينةَ الدنيا برامكةٌمنكم مكارِمُها لم ترض بالدون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «إحسانكم يا بني يحيى بن حسون»
أبناء يحيى وَقَتْهُمْ كلما وُلدُواعناية الله من موسى وهارون
بالأحسن الندب زاد الله بيتكمحُسناً فأهلاً بطلْق الوجه ميمون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «إحسانكم يا بني يحيى بن حسون»
ما زالَ يكْلَفُ بالعَليا ويُمْحَضُهاهوى يعود على الأموال بالهون
ما زلتُ أسمع عنكم كل مكرَمةوالآنَ كم بين معلوم ومظنون
أثْرَتْ بكم كفُّ أزمور دياركمفأيُّ دُرٍّ بصون المجد مكنون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «إحسانكم يا بني يحيى بن حسون»
أبقاكم الله في سعدٍ عقائلهتبدي لكم غرر الأبكار والعون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «إحسانكم يا بني يحيى بن حسون»
وردَّني لبلادي شاكراً لكُمُبأمر ربي بين الكاف والنون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «إحسانكم يا بني يحيى بن حسون»

إلى مدينة آنفا، واستدرك استدعائنا منهم إلى كل احتفاء واحتفال، أفاضل ذهبوا من البر كلَّ مذهب كالقاضي بها الشيخ الفقيه الحاج البادي القشف والسذاجة أبي بكر عثمان بن صالح المْسراتي المراكشيِّ النشأة، قرأ بمراكش على أبي الحسن المُرسي وأبي عبد الله العَبْدَري؛ وبحَاحَة، على أبي زكريا يحيى ابن سعيد، وأبي زيد بن عبد الله وأخيه أبي بكر. وبأغمات: على أبي العباس المعروف بأيَّزْم. وحج سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، ووَليَ القضاء بقصر كتامة، وحصن القاهرة وأزمور وآنفا. وأقرأ بمدرستها كتاب أبي عمرو بن الحاجب. مولده في حدود عشرة وسبعمائة. والعدل السريّ أبي العباس أحمد بن شرف بن علي السَّلي من أهل تامسنا، نبيه المسكن فَعْم الخوان، مُنْجِبِ غلمان. والعدل الفاضل أبي العباس أحمد بن أبي بكر بن موسى البرغَواطي خير منقبض متحلٍّ بسكينة. والشيخ الخطيب الخَيِّر أبو الحسن علي بن أبي حَدّوا الأصيل البيت النابه الأبوَّة المحمول عليه في سبيل بغي زعموا. والنجباء السراة أولاد الفقيه القاضي الرائق الخط، الجَمَّاعة للدفاتر، الموسوم بالرجاحة أبي علي عمر بن محمد الزناتي، كافأ الله ما بذلوا من رغبة، وخَطَوْا من إلمام.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفاضة الجراب في علالة الاغتراب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.