تجاوز إلى المحتوى

من «معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

مدينة غرناطة

قلت: فمدينة غرناطة؟

قال: حضرة سنية، والشمس (بها) عن مدح المادح غنية،

غرناطة

الحمراء وقلعتها

كبرت عن قيل وقال، وجلت عن وامق وقال، وقيدت العقل بعقال، وأمنت حال حسنها من انتقال. لو خيرت فى حسن الوضع لما زادت وصفا، ولا أحكمت رصفا، ولا أخرجت

فناء الاسود (قصر الحمراء)

أرضها ريحانا ولا عصفا، ولا أخذت بأشتات المذاهب، وأصناف المواهب جدا و (لا) قصفا. كرسيها ظاهر الاشراف، مطل على الاطراف، وديوانها مكتوب بآيات الانفال والاعراف، وهواؤها صاف، وللانفاس مصاف. حجبت- الجنوب عنها- الجبال، فأمن الوباء والوبال، وأصبح ساكنها عير مبال، وفى جنه من النبال، وانفسحت للشمال، واستوفت الشروط على الكمال، وانحدر منها مجاج الجليد على الرمال.

وانبسط- بين يديها- المرج الذي نضرة النعيم لا تفارقه، ومدارى النسيم تفلى بها مفارقه. ريع من واديه بثعبان مبين، ان لدغ تلول شطه تلها للجبين، وولدت حيات المذانب عن الشمال واليمين، وقلد منها اللبات سلوكا تأتى من الحصباء بكل در ثمين، وترك الارض مخضرة، تغير من خضراء السماء ضرة، والازهار مفترة، والحياة الدنيا- بزخرفها- مغترة.

أى واد أفاض من عرفاتفوق حمرائها أتم أفاضة
ثم لما استقر بالسهل يجرىشق منها بحلة فضفاضة
كلما انساب كان عضبا صقلاواذا ما استدار كان مفاضة

قصر جنة العريف من الخارج (الحمراء)

فتعددت القرى والجنات، وحفت- بالامهات منها- البنات، ورف النبات، وتدبجت الجنبات، وتقلدت اللبات، وطابت بالنواسم المهبات، ودارت بالاسوار دور السوار المنى والمستخلصات، ونصبت- لعرائس الروض- المنصات، وقعد سلطان الربيع لعرض القصات، وخطب بلبل الدوح فوجب الانصات، وتموجت الاعناب، واستبحر- بكل عذب الجنا- منها الجناب، وزينت السماء الدنيا من الابراج العديدة بأبراج، ذات دقائق وأدراج، وتنفست الرياح عن أراج، أذكرت الجنة كل امل ما عند الله وراج.

وتبرجت بحمرائها القصور مبتسمة عن بيض الشرفات، سافرة عن صفحات القبات المزخرفات. تقذف- بالانهار من بعد المرتقى- فيوض بحورها الزرق، وتناغى- أذكار المآذن بأسمارها- نغمات الورق. وكم أطلعت من أقمار وأهلة، وربت من ملوك جلة، الى بحر التمدن المحيط الاستدارة، الصادر عن الاحكام والادارة، ذى المحاسن غير المعارة، المعجزة لسان الكناية والاستعارة، حيث المساجد العتيقة القديمة، والميازب الحافظة للرى المديمة، والجسور العريضة، والعوائد المقدرة (تقدير الفريضة، والاسواق المرقومة الاطواق) بنفائس الاذواق، والوجوه الزهر، والبشرات الرقاق، والزى الذي فاق زى الآفاق، وملأ قلوب المؤمنين بالاشفاق:

بلد جللها الله حسنا وسنىوأجر السعد من حل لديها رسنا

بركة البرطل

(الحمراء)

قد أجنت سكرا جما ورزقا حسناأعجزت عن منتهى الفخر البعيد السنا

يروقك فى أطرافها حسن الصور وجمالها، وظرف الصنائع وكمالها، والفعلة وأعمالها، حتى الاطلال وانهما لها، والسؤال واسمالها:

كل عليه من المحاسن لمحةفى كل طور للوجود تطورا
كالروض يعجب فى ابتداء نباتهواذا استجم به النبات ونورا
واذا الجمال المطلق استشهدتهألغيت ما انتحل الخيال وزورا

ثم قال: أى أمن عرى من مخافة، وأى حصافة لا تقابلها سخافة، ولكل شىء آفة. لكنها- والله- بردها يطفئ حر الحياة، ويمنع الشفاه عن رد التحيات، وأسعارها يشعر معيارها بالترهات، وعدوها يعاطى كئوس الحرب فهاك وهات.

الى السكك التى بان خمولها، ولم يقبل الموضوع محمولها، والكرب الذي يجده الانسان فيها، صادف اضافة أو ترفيها، والمكوس التى تطرد البركة وتنفيها. الى سوء الجوار، وجفاء الزوار، ونزالة الديار، وغلاء الخشب والجيار، وكساد المعايش عند الاضطرار، واهانة المقابر وهى دار

جنة؟؟؟ العريف (الحمراء)

القرار، وقصر الاعمار، واستحلال الغيبة فى الاسمار، واحتقار أولى الفضل والوقار، والتنافس فى العقار، والشح فى الدرهم والدينار، باليم والنار.

ثم قال: اللهم غفرا، وان لم نقل كفرا، «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ »

. ولله در أبى العتاهية حين يقول:

أصبحت الدنيا- لنا فتنةوالحمد لله على ذالكا
اجتمع الناس على ذمهاوما نرى- منهم لها- تاركا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «خفض هداك الله من بالكا»

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.