من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
شعر أبى موسى عيسى بن موسى بن محمّد بن علىّ بن عبد الله وطرف أخباره
حدّثنى مشيح بن حاتم العكلى قال حدثنا يعقوب بن جعفر بن سليمان قال ذكر عيسى بن موسى بين يدى أبى جعفر بن سليمان فقال ذاك شيخ الدولة وسيد الاهل، وكان أبوه موسى بن محمد غزا مع أبيه محمد فى غزاة ذى الشامة المعيطى، فتوفى فقدم محمد ذا الشامة ليصلى عليه فأبى وقال أنت أحق بذلك، فقدمه فصلى عليه [وبقى] ذو الشامة على قبره حتى دفن، وكان يجىء إلى أبيه، وهو مريض فيسأله عنه، فشكر ذلك السفاح وسائر ولد أبيه، فلم ينالوا لما جاءت دولتهم معيطيا بمكروه.
ويروى أنه دست إلى عيسى بن موسى شربة لما امتنع من البيعة للمهدى فأفلت منها بعد أن تناثر شعره، فقال فى ذلك يحيى بن زياد ابن أبى جراية البرجمى:
أفلت من شربة الطّبيب كماأفلت ظبى الصّريم من قتره
من قابض يقبض العريض إذاركّب سهم الحتوف فى وتره
دافع عنه العظيم قدرتهصولة ليث يزيد فى خمره
حتّى أتانا ونار شربتهتعرف فى سمعه وفى بصره
أزعر قد طار عن مفارقهوحف أثيت النّبات من شعره
حدّثنى الغلابى قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال دخل أبو نخيلة على المنصور فأنشده أرجوزة منها:
قل للأمير الواحد الموحّدإنّ الّذى ولّاك ربّ المسجد
خلافة تبلغ أقصى المسندفيكم على رغم أنوف الحسّد
ليس ولىّ عهدها بالأرشدوهى على جوز وبعد مقصد
مهّد لها قصد السّبيل تهتدىعيسى فرحّلها إلى محمّد
حتّى تكون من يد إلى يدفقد رضينا بالهمام الأمرد
وقد عقدنا غير أن لم نشهدوغير أنّ العقد لم يؤكّد
فوصله المنصور وكتب له بمال إلى الرى فخرج وأخذه حدّثنا جبلة بن محمد بن جبلة الكوفى قال حدثنى أبى عن محمد ابن قيس الاشعثى، قال لما قال أبو نخيلة ما قال: ليس ولى عهدها بالأرشد؛
قال عيسى بن موسى وما يدرى العبد، فوالله ما أتيت غياقط! ثم قال يعرض بالمنصور:
وما آمر بالسّوء إلّا كفاعلوما سامع الّا كآخر قائل
ثم أمر بأبى نخيلة من رمى به فى بئر، فتظلم أهله إلى المنصور فقال ما أعرف حقيقة دعواكم، ولو عرفتها ما كنت مقيدا شيخ بنى هاشم بعبد بنى حيان، فيئسوا وانصرفوا، وكان عيسى بن موسى إذا حج حج معه قوم يتعرضون لمعروفه وصدقاته وصلاته، وكان جوادا تقيا، فقال أبو الشدائد الفزارى:
عصابة إن حجّ عيسى حجّواوإن أقام بالعراق دجّوا
قد نالهم نائله فلجّواوالقوم عندى حجّهم معوّج
ما هكذا كان يكون الحجّ
فقيل له يا أبا الشدائد أتهجو الحاج؟ فقال:
إنّى وربّ الكعبة المبنيّهوالله ما هجوت من ذى نيّه
ولا امرء ذا رعة تقيّهلكنّنى أبقى على البقيّه
من عصبة أغلوا على الرّعيّهأسعار ذى مشرى وذى عطيّه
حدّثنا المغيرة بن محمد المهلبى قال حدثنا محمد بن عبد الله العتبى قال حدثنا أبى قال سمعت محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن يخطب الناس بالمدينة، فقرأ فى خطبته طسم تلك آيات الكتاب المبين إلى قوله ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم مّا كانوا يحذرون ويومىء إلى ناحية المنصور، قال وإذا صوت من ناحية يسمع ولا يرى قائله:
أتتك الرّواحل والملجمات بعيسى بن موسى فلا تعجل
قلت أنا وهذا الشعر لابن هرمة ومنه:
وقال لى النّاس إنّ الحياءأتاك مع الملك المقبل
فدونكها يا ابن ساقى الحجيجفانّى بها عنك لم أبخل
لقول الوصىّ وأنت ابنهوصىّ نبىّ الهدى المرسل
وولى داود بن عيسى المدينة ومكة، فأقام بمكة فكتب اليه يحيى بن مسكين:
ألا قل لداود ذى المكرمات والعدل فى بلد المصطفى
أقمت بمكّة مستوطنافهاجر كهجرة من قد مضى
وأما موسى بن عيسى فيكنى أبا عيسى فأخذ ولد أبيه وأمه ابراهيم ابن محمد الامام وولى المدينة الرشيد والكوفة وسوادها للمهدى
وموسى والرشيد وولى المدينة للرشيد وأرمينية ومصر. وكان ابنه احمد بن موسى بن عيسى بن موسى سيدا وولى اليمامة للرشيد.
حدّثنا محمد بن زكريا قال حدثنا عبد الله بن الضحاك قال حدثنا الهيثم، قال لما ألح المنصور على عيسى بن موسى بن محمد أن يخلع نفسه من الخلافة، ويقدم المهدى عليه ويكون بعده قال عيسى بن موسى:
خيّرت أمرين ضاع الحزم بينهماإمّا صغار وإمّا فتنة عمم
وقد هممت مرارا أن أساقبهمكأس المنيّة لولا الله والرّحم
ولو فعلت لزالت عنهم نعمبكفر أمثالها تستنزل النّقم
حدّثنا عمرو بن تركى قال حدثنا القحذمى قال أنشد أبو نخيلة المنصور:
دونك عبد الله أهل ذاكاخلافة الله الّتى أعطاكا
بها حباك وبها أصطفاكافقد تنظّرنا لها أباكا
ثمّ انتظرناك لها إيّاكافنحن نستذرى إلى ذراكا
ارم إلى محمّد عصاكاواضرب بمن والاك من عاداكا
فابنك مااسترعيته كفاكاأيشبه الأبعد من داناكا
ما تستوى فى فضلها يداكاوإنّما تخطّ فى هواكا
فجرّد الرّأى لمن عراكاثمّ اعصب الأقرب من رضاكا
فما يريد النّاس غير ذاكا
وجعل المنصور يضحك وأبو نخيلة ينشده، فأمر له بمائة ألف درهم كتب له بها إلى الرى، فقال له عقال بن شبة: أما أنت فقد سررت أمير المؤمنين، فان تم ما أردت لتغتبطن، وإلا فاطلب فى الارض، فقال له أبو نخيلة.
كيف التّخلّص من شبا أنيابهاعلقت معالقها وصرّ الجندب
فلما أقبل من الرى وجه إليه عيسى بن موسى ببعض مواليه فقتلوه وسلخوا وجهه حتى لا يعرف، وقالوا له هذا أوان صر الجندب، فقال لقد كان جندبا على مشئوما، وهرب غلمان أبى نخيلة بالمال.
ومن شعر عيسى بن موسى
وحدباء لو أطلقتها من عقالهاتضايق عنها الأفق والأفق واسع
ولكنّنى يعتادنى من حميّتىحذار شباب تمنطيه الوقائع
وخوفى أحداثا متى ما أنل بهاأقف موقف الحيران والنّقع ساطع
فأبق على ما بيننا من قرابةوراجع فخير المذنبين المراجع
فانّك إن ولّيت ذمّة بينناخلافا تولّتك السّيوف القواطع
حدّثنا القاضى عمرو بن تركى قال حدثنا القحذمى قال كتب عيسى بن موسى إلى المنصور حين ألح عليه فى البيعة للمهدى كتابا غليظا جوابا لكتاب المنصور اليه:
«فهمت كتاب أمير المؤمنين، المزيل عنه نعم الله، والمعرضه لسخطه بما قرب فيه من القطيعة ونقض الميثاق، أوجب ما كان الشكر لله عليه، وألزم ما كان الوفاء له، فأعقب سبوغ النعم كفرا وأتبع الوفاء بالحق غدرا، وأمن الله أن يجعل ما مذمن بسطته إحسانا، وتمكينه إياه استدراجا، وكفى الله من الظالم منتصرا، والمظلوم ناصرا، ولا قوة إلا بالله، وهو حسبى وإليه المصير.
ولقد انتهت أمور يا أمير المؤمنين لو قعدت عنك فيها فضلا عن ترك معونتك عليها لقام بك القاعد، ولطال عليك القصير، ولقد كنت واجدا فيها بغيتى، وآمنا معها نكث بيعتى، فلزمت لك طريقة الوفاء إلى أن أوردتك شريعة الرخاء، وما أنا بآيس من انتقام الله ورفع حلمه وكتب بعد ذلك:
بدت لى أمارات من الغدر سمتهاأظنّ وإيّاها ستمطركم دما
وما يعلم العالى متى هبطاتهوإن سار فى ريح الغرور مسلّما
أتهضمنى حقّا تراه مؤخّرالحكم إلهى حين صرت مقدّما
سننت انتقاض العهد فاصبر لمثلهبنقضك من عهدى الّذى كان أبرما»
حدّثنا عمرو بن تركى القاضى قال حدثنا القحذمى، قال كتب عيسى بن موسى إلى المنصور حين ألح عليه فى الخلع، وطرح عليه من أهل خراسان من هدده بالقتل:
«لو سامنى غيرك ما سمتنى، لا ستنصرتك عليه، ولا ستشفعت بك اليه، حتى تقر الحرم مقره، وتنزل الوفاء منزلته، ونحن أول دولة يستن بعملنا فيها، وينظر إلى ما اخترناه منها، وقد استعنت بك على قوم لا يعرفون الحق معرفتك ولا يلحظون العواقب لحظك، فكن لى عليهم نصيرا، ومنهم مجيرا، يجزك الله خير جزائك عن صلة الرحم، وقطع الظلم إن شاء الله» «فأجابه المنصور» لولا أنك تسام النزول عن حق لك، وواجب فى يديك لزال الضرع اليك، والتحمل عليك. ولولا أنى أخاف أن تسبق أيدى هذه العصبة من أهل الدولة اليك، لما كلفتك شاقا ولا حملتك مكروها، ولكنى عندك بالنصح لك والاشفاق عليك فى جنبة من لا يرضى منك إلا بارادته، ولا يستمهل أيامك لسرعته، وما الذى أسمو بك اليه بدون الذى يستنزلونك عنه، والله يوفقك ويحسن الاختيار لك»
فلما قرأ عيسى كتابه قال:
فررت اليك من محن اللّيالىفسلّطت الخطوب بما شجانى
فكنت كمن شكا رمضاء حرّتلذّع بالّتى تحت الدّخان
تعجّل نصرتى وتحرّ حقّىومن يرضى المغيّب بالعيان
ولم ير مثلك الرّامون طرفايكلّف ظالعا سبق الرّهان
إذا ما كنت للغاوين كهفاتعينهم فللت شبا لسانى
ولو أنّى تطاوعنى أناتىوتسعدنى على رفض الهوان
لما عطف الزّمان عليك ودّىولم ألجأ اليك من الزّمان
محوت بما أتيت تبوت حقّىوما تمحو سوى آى القران
ولو طاوعت فيك مقال غاولنلت مطالع النّجم اليمانى
وأسلمت الخطاب إلى بليديجادل عنك منقطع البيان
ولكنّي صبرت النّفس أرجودنّوا من بعيد غير دان
يكون من استجارك من ملّمكمحول على طرف اللّسان
يبيت مقلقلا يطوى حشاهعلى همم بعدن من الأمانى
ستبعد بين أهلك غير شكّكما بعد الوهاد من الرّعان
حدّثنا جبلة بن محمد بن جبلة الكوفى قال حدثنا أبى، قال كان عيسى بن موسى أصدق الناس لأبى مسلم على المنصور قال عيسى بن موسى:
أبا مسلم إن كنت عاصى أمرناوباغينا سوء فلست بمسلم
سيفنيك ما أفنى القرون الّتى خلتوما حلّ فى أكناف عاد وجرهم
وما كان أنأى منك عزّا ومفخراوأنهض بالجيش الهمام العرمرم
فبلغ الشعر أبا مسلم فلما قدم عاتب عليه عيسى بن موسى فجحده وقال لقد نسبه قائله إلى.
حدّثنا الحسين بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن الحارث قال لما استوت الخلافة للمهدى قال لعيسى بن موسى قبل أن يتم له سنة إنك أجبت عمك على تقديمى، وأنا أحب أن أخرجك عن هذا الامر وأجعله لابنى، فان عصيتنى استحققت ما يستحقه العاصى القاطع وإن أطعتنى فما تبلغ منيتك ما أنويه لك، قال افعل ما تحب، وخلع نفسه فأمر له المهدى بعشرين الف الف درهم وأقطعه قطائع كثيرة، وأقطع ولده.
حدّثنا الحسين بن فهم قال حدثنا محمد بن اسحق النفرى قال حدثنا صالح بن اسحق [قال كان] عيسى بن موسى من أجل بنى هاشم عقلا، امتنع من أن يخلع نفسه جهده ثم لما رأى الخلع حزما بادر اليه، وله فى ذلك كلام مأثور وأشعار حسان وأنشد له:
أشكو إلى من يعلم الشّكوىويسمع الأسرار والنّجوى
ومن به آمل دفع الّذىكنت له من قبل أن أهوى
صار إلى [ما] كنت أرثى لهوأرتجيه أعظم البلوى
يضربنى سيفى ويرمى العدىنحرى بسهم لى ما أشوى
قد نقض العهد امرؤ ما لهميل إلى الحقّ ولا دعوى
يولى يمينا أنّه ناصحوالنّصح منه أبدا دعوى
حدّثنا أحمد بن محمد بن اسحق قال حدثنى هارون بن محمد بن اسحق بن عيسى بن موسى قال حدثنى ابى على عن ابراهيم بن موسى قال كتب أبو جعفر المنصور إلى عيسى بن موسى كتابا يحثه فيه على خلع نفسه وتقديم المهدى عليه، فكتب اليه عيسى:
بسم الله الرّحمن الرّحيم (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ)
وقال عز وجل
(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا)
قرأت كتاب أمير المؤمنين وتفهمته وأنعمت بالنظر اليه كما أمر وتنحرته، فوجدت أمير المؤمنين إنما يزيدنى لينقصنى، ويقربنى ليبعدنى، وما أجهل ما لى فى رضاه من الحظ الجزيل، والاثر الخطير، ولكنه سامنى ما تشح به الانفس وتبذل دونه، وما لا يسمح به والد لولده ما دام له حظ فيه.
وقد علم أمير المؤمنين انه يريد هذا الامر لابنه لا له، وهو صائر [إلى ما سيصير] اليه اشغل ما يكون، وأحوج الى حسنة قدمها، وسيئة اجتنبها ولا صلة فى معصية الله، ولا قطيعة ما كانت فى ذات الله
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع