من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
شعر عبد الله بن علّى بن عبد الله بن العبّاس وطرف من أخباره والسّبب الّذى ادّعى له الخلافة
حدّثنا محمد بن موسى البربرى، قال حدثنا محمد بن صالح النطاح قال حدثنى أبو مسعود الكوفى؛ قال قال أبو العباس السفاح لعبد الله ابن على عمه إن قتلت مروان فلك الخلافة بعدى، فقتل مروان لأن صالح بن على كان من تحت يده.
حدّثنا محمد بن موسى قال حدثنا محمد بن صالح قال حدثنى أبو قريش ريحان خادم أبى مسلم، وكان قد جاز المائة، قال قال أبو العباس. من يسير إلى مروان فهو ولى عهدى، فقال عبد الله بن على أنا.
وقد ذكرنا خبر خروجه وأمانه وموته فى أخبار المنصور حدّثنا محمد بن زكريا اللؤلؤى قال حدثنا عبد الله بن الضحاك
عن الهيثم بن عدى، قال لما قتل عبد الله بن على بنى أمية قال:
الظّلم يصرع أهلهوالبغى مرتعه وخيم
ولقد يكون لك البعيد أخا ويقطعك الحميم
حدّثنا مشيح بن حاتم العكلى؛ قال أنشدنا يعقوب بن جعفر ابن عبد الله بن على لما قتل بنى أمية بنهر أبى فطرس
بنى أميّة قد أفنيت آخركمفكيف لى منكم بالأوّل الماضى
يطيّب النّفس أنّ النّار تجمعكمعوّضتم من لظاها شرّ معتاض
فنيتم لا أقال الله عثرتكمبليث غاب إلى الأعداء نهّاض
إن كان غيظى بفوت منكم فلقدرضيت فيكم بما ربّى به راضى
حدّثنا الغلابى قال حدثنا عبد الله بن الضحاك: قال حدثنا الهيثم ابن عدى قال: أشرف عبد الله وهو مستخف بالبصرة عند أخيه سليمان بن على؛ فرأى رجلا له جمال يجر أثوابه ويتبختر؛ فقيل من هذا؟ فقيل فلان الأموى، فقال يا أسفى، وإن فى طريقنا بعد منهم لوعثا، وقال لمولى له بحقى عليك إلا جئتنى برأسه؛ ثم أنشد قول سديف:
علام وفيم تترك عبد شمسلها فى كلّ راعية ثغاء
فما فى القبر فى حرّان منهاولو قتلت بأجمعها فداء
يعنى قبر ابراهيم بن محمد الامام، فمضى مولاه فأخبر سليمان بما قاله، فنهاه أن يقبل منه، فاعتل عليه بأنه فاته.
حدّثنا عون بن محمد الكندى، قال حدثنا إسحق الموصلى، قال حدثنا الحارث بن الليث مولى عبد الله بن على عن أبيه قال جعل عبد الله بن على ينظر إلى القتلى يوم الزاب، والتفت إلى أبى عون بن محمد بن صول وهما إلى جانبه فقال:
ولقد شفى نفسى وأذهب حزنهاأخذى بثأرى من بنى مروان
ومن آل حرب ليت شيخى شاهدسفكى دماء بنى [أبى] سفيان
حدّثنى أبو العيناء قال حدثنا الاصمعى؛ قال سمعت جعفر بن سليمان يقول لما قتل عبد الله بن على من قتل من بنى أمية بلغ ذلك إلى سليمان بن على؛ فقال ما كنت أحب لأخى أن يحتقب هذا الأمر ولقد وفى بما قال صغيرا، بقوله كان أبونا على بن عبد الله يقول له يا بنى إن تمكنت من بنى أمية ما تصنع بهم؟ فيقول أذبحهم، قال وقال عبد الله بن على لأبيه، يا أبت كل ولدك اثنان من أم وثلاثة غيرى؛ فانه لا أخ لى من أمى فأوص بى، قال فأوصى إلى سليمان ابن على به، وكان سليمان وصى على بن عبد الله، قال جعفر فكان
عبد الله لوصية على به أحب الى سليمان أبى من أخيه، صالح بن على وهو لأمه وأبيه.
حدّثنى عمرو بن تركى القاضى قال حدثنا القحذمى عن أبيه قال وفد على على بن عبد الله رجل من ولد الخطاب بن عبد مناف، فقال له إن الوليد بن عبد الملك شديد العلة، فتمثل على بن عبد الله بقول يزيد بن الصعق الكلابى:
أواردة عليا عكاظ تصلّهافراس ولمّا فوقها الصّاع مهوعا
فقال له الرجل لئن مضى للجبلين أهله دما، قال فلما قتل عبد الله ابن على من قتل روى له هذا الخبر، فأنشد البيت الذى تمثل به أبوه فقال عبد الله بنحو ذلك:
وردنا دماء من أميّة عذبةوكلنا لها فى القتل بالصّاع أصوعا
وما فى كثير منهم لقتيلناوفاء ولكن كيف بالثّأر أجمعا
إذا أنت لم تقدر على الشّرّ كلّهوأعطيت بعضا فليكن لك مقنعا
رعينا نفوسا منهم بسيوفناوصاح بهم داعى الفناء فأسمعا
قضينا بهم دينا وزدنا عليهمكما زاد بعد القرض من قد تطوّعا
وكان لهم من باطل الملك عارضفلمّا علته الشّمس حقّا تقشّعا
فليت علىّ الخير شاهد أسهمأصابتهم لم يبق فى القوس منزعا
حدّثنا جبلة بن محمد بن جبلة، قال حدثنى أبى قال لما دخل أبو مسلم الكوفة أمر أن يكون إلى جانبه رجل تعرفه الناس، فجاءوه برجل فلفيه عبد الله بن شبرمة الضبى. فسلم عليه ودعا له فأقبل عليه لجلالته وفصاحته، فقال له الرجل هذا ابن شبرمة الضبى، قال فزوى وجهه عنه ففطن ابن شبرمة لذلك، وقال قلت فى نفسى ذكر والله يوم الجمل، فقلت أيها الأمير إنى من ضبة الكوفة ولست من ضبة البصرة، وقد كانت مع أمير المؤمنين على ﵇ يوم الجمل تفاتل ضبة البصرة، قال فأقبل علىّ وقال كن معنا فسايرته الى أن نزل وأمرنى فنزلت، فدخلت معه بيتا فيه سيف ومصحف، فقال يا ابن شبرمة إن هذا «يريد المصحف» يأمرنى بهذا «يريد السيف» فقلت قد علم الأمير أن هذا ينهاه عن هذا إلا فى حقه، قال صدقت، ثم كتب كتابا الى عبد الله بن على يحضه فيه على صلة الرحم وجمع الألفة والبيعة لابن أخيه المنصور، ويرغبه ويرهبه، فلما فرغ منه قال لى انظر فيه فنظرت فاذا هو لم يبق غاية، فقال زد فيه شيئا يا ابن شبرمة، قال فلم أر للزيادة وجها الا أن يكون شعرا فقلت:
قل لأخى مكاشرة وضغنسعرت الحرب بين بنى أبيكا
فأورثت الضّغائن من بنيهمبنى أبنائهم وبنى بنيكا
ولو طاوعتنى وقبلت رأيىلسرت لهم بسيرة أوّليكا
وأقررت الخلافة حيث حلّتولم تعرض لملك بنى أخيكا
كأنّك قد أصابك سهم غربوغادرك العداة وأسلموكا
فقرأه فاستحسنه، وأنفذ الكتاب، فعاد الجواب من عبد الله ابن على:
ذرينى وما جرّت علىّ يد الدّهرفما يصعب الأمر المهول على جرّ
يرى الموت لا ينحاش عنه تكرّماوصبرا وان كان القيام على الجمر
حفاظا لما قد ورّثتنا جدودناوصبرا وما للمرء خير من الصّبر
بذلك أوصانا الكرام ولم نزلعلى تلك نمضى لا نضجّ من الدّهر
قال أبو بكر والابيات للحصين بن الحمام المزنى حدّثنا الحسين ابن اسماعيل قال حدثنا على بن عبد الله السلمى، قال حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الحميد بن فضالة بدمشق قال أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن، قال حدثنا عتبة بن حماد الحكمى أبو خليد القارى، قال حدثنا عبد الرحمن الاوزاعى، قال بعث الى عبد الله بن على وأعظمنى ذلك واشتد على فأقدمت وأدخلت عليه والناس قيام سماطين بين يديه فى أيديهم المكافر كوبات. فأدنانى ثم قال لى يا عبد الرحمن ما تقول فى
مخرجنا هذا؟ فقلت أصلح الله الامير قد كانت بينى وبين أخيك داود مودة فأعفنى، قال لتخبرنى، فقلت لأصدقنه واستبسلت للموت، فقلت حدّثنى يحيى بن سعيد الانصارى عن محمد بن ابراهيم عن علقمة بن وقاص سمع عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول «إنّما الأعمال بالنّيّات ولكلّ امرىء مانوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر اليه» قال وفى يده قضيب ينكث به الارض، فقال يا عبد الرحمن ما تقول فى قتلنا أهل هذا البيت من بنى أمية؟ فقلت كما قلت قال لتخبرنى فقلت حدّثنى محمد بن مروان عن مطرف بن الشّخّير عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه لا يحلّ قتل المسلم إلّا باحدى ثلاث البارىء لدينه أو رجل قتل نفسا فيقتل بها أو رجل زنى بعد إحصان» قال ثم أطرق هويا، ثم قال أخبرنى عن الخلافة أهى وصيه من رسول الله صلى الله عليه؟ فورد على مثل ما ورد ثم قلت لأصدقنه. فقلت لو كانت وصية من النبى صلى الله عليه لكم ما ترك على ﵇ أحدا يتقدمه، ثم سكت سكتة وقال ما تقول فى أموال بنى أمية؟
فاستعفيت فقال لتخبرنى فقلت إن كانت لهم حلالا فهى عليكم حرام، وإن كانت لهم حراما فهى عليكم حرام، قال ثم أمرنى فأخرجت.
حدّثنا أبو ذكوان قال حدثنا ابن؟؟ عائشة قال قالت امرأة من نساء بنى أمية لعبد الله بن على قتلت من أهلى وذويهم اثنى عشر ألفا فيهم ألفا لحية خضيبة، فقال عبد الله
تكبّر عندى القتل وهو صغيرعلى مأرب والدّائرات تدور
وقالت قتلت الأهل فى كلّ بلدةوأنت بعفو لو تشاء جدير
فقلت وهل فيكم لعفوى موضعولى منكم بعد القناة ثؤور
لئن دنت الأنساب منّا ومنكملقد باعدتها بالعراق قبور
فلا تنكروا أن يؤخذ الحقّ منكمفما فى قصاص المسلمين نكير
وإن تك يمنانا أصابت يسارنابجرح فما جرح اليمين يضير
وقد كنتم فى الشّرك تحذون حذوناوكلّ إلى أقصى المساء يسير
فلمّا أتى الاسلام أظلم فخركمولاح لنا بدر الفخار ينير
ولو شئتم ما غاب عنكم ضياؤهولكن أباه غادر وكفور
حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حدثنى عبد الله بن أبى الخطاب عن أبيه قال لما دخلت ابنة مروان بن محمد على عبد الله بن على حين قتل مروان فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، فقال لست به، فقالت السلام عليك أيها الامير، قال وعليك السلام
قالت ليسعنا عدلكم، قال إذن لا يبقى على الارض منكم أحد لأنكم حاربتم عليا ﵇ ودفعتم حقه ونقضتم شرطه، وقتلتم الحسين بن على ﵇، و [قطعتم] رأسه، وقتلتم زيد بن على وصلبتم جسده، وقتلتم يحيى بن زيد ومثلتم به، و [لعنتم] على ابن أبى طالب ﵇ على منابركم، وضربتم على بن عبد الله ظلما بسياطكم، وحبستم الامام ابراهيم فى حبسكم، فعدلنا ألا نبقى منكم أحدا، فقالت فليسعنا عفوكم قال أما هذا بنعم، ثم أمر برد أموالها عليها ثم قال عبد الله بن على:
سننتم علينا القتل لا تنكرونهفذوقوا كما ذقنا على سالف الدّهر
حدّثنا الحسين بن فهم ومحمد بن موسى ومحمد بن سعيد قالوا حدثنا محمد بن صالح النطاح أبو عبد الله قال وجه عامر بن إسماعيل برأس مروان إلى صالح بن على، فنظر اليه وتحول، فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه، فقال صالح بن على «لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان فى فى هر لكفانا ذلك!» حدّثنا الغلابى قال حدثنا العتبى قال لما أتى عبد الله بن على موت السفاح ادعى الخلافة، وجعل يقول ذاك ولا يخطب به ولا يشهره حتى دخل البعلبكى المؤذن، فاستأذن وسلم بالخلافة عليه، فخطب الناس ولم يجد بدا من أن يشهر أمره، وكان البعلبكى معه قبل أن يصير مع المنصور، ومدحته الشعراء بالخلافة فقال رؤبة:
يا أيّها القائل قولا أجنفاسفاهة من قوله وسرفا
ما قام عبد الله إلّا آنفاخوفا على الاسلام أن يستضعفا
وأن يرام نقضه فيتلفاومن صلاح النّاس أن يستخلفا
عمّ بعهد ابن أخ تلحّفاأشجع من ليث عرين أغضفا
وقال رؤبة أيضا
إنّ لعبد الله عندى أثراونعما جزاؤها أن تشكرا
أبهى الرّجال منظرا ومخبراقدّمه الله فما تأخّرا
حدّثنى الحارث بن أبى أسامة قال حدثنا يحيى بن زكريا مولى على بن عبد الله قال لما قتل عبد الله بن على من بنى أمية قال عبد الله ابن عمر بن عبد الله بن على العبلى والعبلات من بنى عبد شمس
تقول أمامة لمّا رأتشخوصى عن المنزل المنفس
وقلّة نومى على مضجعىلدى هجعة الأعين النّعّس
فقال فيها
أفاض المدامع قتلى كداوقتلى بكثوة لم ترمس
وقتلى بوج وباللّابتين من يثرب خير ما أنفس»
وبالزّابيين نفوس ثوتوقتلى بنهر أبى فطرس
أولئك قوم أناخت بهمنوائب من زمن متعس
فزلّت حياتى لمن رامهاوأنزلت الرّغم بالمعطس
فبلغ قوله هذا عبد الله بن على، فقال عبد الله بن على:
شفى النّفس لو أنّها تشتفىدماء بنهر أبى فطرس
وقتلى كدى حين أرديتهمبكثوة والواضح الأملس
وقتلى بوجّ من الظّالمينإلى النّار مارت ولم ترمس
فمن كان قتلهم ساخطايعضّ من الرّغم بالمعطس
حدّثنا أبو الحسن مشيح بن حاتم العكلى، قال حدثنا يعقوب ابن جعفر بن سليمان الهاشمى، قال لما كتب جدى سليمان بن على وسائر إخوته الامان لأخيهم عبد الله بن على على المنصور، قال لهم هذا الأمان لازم إذا وقعت عينى عليه، فلما أدخل داره عدل به ولم يره المنصور، فحبس فكتب من الحبس إلى إخوته: هذه حيلة
جرت على بكم ومنكم فاحتالوا لى فيها، قال وأنشدنى من شعره فى حبسه ذلك:
نقض العهد خائس بالامانمستحلّ محارم الرّحمن
سلبتنا الوفاء والحلم طوعافاعتلينا به بنو مروان
ليتنى كنت فيهم حسب العيش طليقا أجرّ حبل الأمانى
كلّ عتب تعيرنيه اللّيالىفبسيفى جنيته ولسانى
حدّثنا محمد بن الفضل قال حدثنا عمرو بن شبة قال حدثنى محمد ابن يحيى قال حدثنى عبد الله بن يحيى بن على عن عبد الله بن الحسين ابن الفرات قال رحت عشية من قرية بطريق مكة مع عبد الله وحسن ابنى حسن بن حسن فضمنا المسير وداود وعيسى وعبد الله ابن على بن عباس قال فسار عبد الله وعيسى ابنا على أمام القوم فقال داود لعبد الله بن حسن لم لا يظهر محمد أبو ذاك قبل ملك بنى العباس؟ فقال عبد الله لم يأت الوقت الذى يظهر فيه محمد بعد، ولسنا بالذين نظهر عليهم، وليقتلنهم الذين يظهر عليهم قتلا ذريعا، قال فسمع عبد الله بن على الحديث، فالتفت إلى عبد الله بن حسن، فقال [يا] أبا محمد:
سيكفيك الجعالة مستميتخفيف الحاذ من فتيان جرم
أنا والله الذى أظهر عليهم وأقتلهم وأنتزع ملكهم، وولد عبد الله بن على فى آخر ذى الحجة سنة اثنتين ومائة، وتوفى سنة تسع وأربعين ومائة.
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع