من «تاريخ آداب العرب» لمصطفى صادق الرافعي (ت ١٣٥٦هـ)
نمط الكتاب وأبوابه
قد قلنا في طريقة الكتاب؛ أما تأليفه وأسلوبه ونمطه فإننا لم نأل جهدًا في البحث والتنقيب، ولم نأخذ في أمرنا بالرسلة، ولا استوطأنا منه الهين الهين؛ بل طاولنا ما طال من التعب، وصابرنا ما يعز عليه الصبر من الضجر، وما زلنا نرد النفس على مكروهها حتى استقرت، فلم نترك كتابا يمكن أن يستفاد منه حرف مما نحن بسبيله إلا قرأناه في طلبه، وحملنا على النفس ما يكون من نصبه، وهذا أمر كما ترى متطاول، ومنال ولكن لم نجد له لبعده من متناول، ثم إن مواد هذا التاريخ إذ لم يتولها الكاتب بالذهن الشفاف، ولم يعتبرها بالفطنة النفاذة حتى يكون لغيبها كالعراف، فقلما تجتمع إلا متفرقة في طلب مواضعها، منازعة إلى منازعها؛ لأنها في أصلها غير كاملة النسق، ولا قريبة المتسق؛ ومن تحرى ما تحريناه من ذلك يقف من تاريخ الأدب على غور بعيد.
ولم نبالغ في تهذيب العبارة، ولا تدقيق المعاني، ولا تنقيح الألفاظ؛ إذ كان سبيل التاريخ أن لا يجيء عن طبقة واحدة من الناس، فبالحري لا يوضع لطبقة واحدة منهم، وحسبنا من البلاغة أن يكون كتبانا لمقتضى الحال.
ولم نستكثر من الأمثلة "والمختارات"؛ رغبة منا عن حشو الكتاب بما لا فائدة فيه إلا تعذيب حجمه، وتذنيب نجمه؛ إذ كان ذلك لا يغني شيئًا في مادة التاريخ إلا قليلًا منه يستوفى به حق النقد، ويدل ببعضه على أثر من آثار ما نحن فيه، والأمثلة مطروحة في طرق النظر من كل كتاب، وقد ابتذلها المتأخرون حتى لم يعد من دونها حجاب.
وكذلك ضربنا صفحًا عن الروايات الضعيفة، والمبالغات السخيفة، وما اعترضنا من التكاذيب والتهاويل إلى ما يدل في تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وبالغنا في التثبت والتحقيق وتصفح الآراء وتجريح النقلة والرواة، مقتصدين في الثقة بهم، معتدلين في التهمة لهم، لا نتجاوز مقدار
الصواب حتى نقبل ما لا يعقل، ولا مقدار الوهن حتى نلحق ما يقبل بما لا يقبل.
وقد جعلنا أبوابه اثني عشر بابًا تنطوي على جملة المأثور، ويدور عليها التاريخ كما تدور السنة على عدة الشهور، وهذه سياقتها بعد فصلين من التمهيد في تأريخ الأدب، وأصل العرب:
"الباب الأول": في تاريخ اللغة ونشأتها وتفرعها وما يتصل بذلك.
"الباب الثاني": في تاريخ الرواية ومشاهير الرواة وما تقلب من ذلك على الشعر واللغة.
"الباب الثالث": في منزلة القرآن الكريم من اللغة وإعجازه وتاريخه، وفي البلاغة النبوية ونسق الإعجاز فيها.
"الباب الرابع": في تاريخ الخطابة والأمثال: جاهلية وإسلامًا.
"الباب الخامس": في تاريخ الشعر العربي ومذاهبه والفنون المستحدثة منه وما يلتحق بذلك.
"الباب السادس": في حقيقة القصائد المعلقات ودرس شعرائها.
"الباب السابع": في أطوار الأدب العربي وتقلب العصور به وتاريخ أدب الأندلس إلى سقوطها، ومصرع العربية فيها.
"الباب الثامن": في تاريخ الكتابة وفنونها وأساليبها ورؤساء الكتاب وما يجري هذا المجرى.
"الباب التاسع": في حركة العقل العربي وتاريخ العلوم وأصناف الآداب جاهلية وإسلامًا "بالإيجاز" التاريخي.
"الباب العاشر": في التأليف وتاريخه عند العرب ونوادر الكتب العربية.
"الباب الحادي عشر": في الصناعات اللفظية التي أولع بها المتأخرون في النظم والنثر وتاريخ أنواعها.
"الباب الثاني عشر": في الطبقات وشيء من الموازنات.
هذه هي حوادث التاريخ وأبوابه، ومنها كما ترى فصوله وكتابه، وأنا أسأل الله أن يكون قد كتب فيه من السلامة ما يحقق به الفائدة للقراء، وأن يهب له من حسنات أهل الإنصاف ما يكفر عن سيئات أهل المراء. والحمد لله على ما أنعم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
النص من طبعة دار الكتاب العربي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر وحواشيه. مصادر الموقع