من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
لم يَفُتْها جواره ميِّتًا
صدودٌ وإعراضٌ وإظهارُ بَغضَةٍعلامَ وَلِم يا بنت آل العُذافِر؟
فقالت:
على غير ما شرٍّ، ولكنك امرؤٌعُرِفتِ بغل المومِساتِ العواهِرِ
فقال حيي:
جمالُك يا زرَعَ بن أرقَمَ إنماتُناجي القلوب بالعيون النواظِرِ
فقال زرعة:
فإن يَكُ مما خسَّ حظي لأننيأُصابي فتصبيني عيون القصائِرِ
وإني كريمٌ لا أُزنُّ بريبةٍولا يعتري ثوبيَّ رينُ المعايرِ
فقالت المفداة:
كذاك فكُن، يَسلم لك العِرضُ، إنهجمالُ امرئ أن يَرتدي عِرضَ طاهر
فقال حيي:
حياءكُما لا تَعصياه، فإنمايكون الحياءُ من توقِّي المعايرِ
يا بُغيةً أهدت إلى القلب لوعةًلقد خُبِّئَت لي منك إحدى الدهارس
وما كنتُ أدري والبلايا مُظِلَّةٌبأن حِمامي تحت لحظِ مُخالِسِ
جلستُ على مكتوبةِ القلب طائعًافيا طوع محبوسٍ لأعنفِ حابِسِ
فشاع هذا الشعر في الحي وبلغ المُفداة، فاحتجَبَت عنه، وامتنعت من محادثة الرجال، فامتنع من الحركة والطعام، فغبَر على ذلك حولٌ، ومات عظيمٌ من عظماء القبائل، فبرَز مأتم النساء، فبلَغ زرعة أن المفداة في المأتم، فاحتمل حتى تناءى نشزًا، واجتمع إليه لِداتُه، يُفنِّدون رأيه ويَعذُلونه، فأنشأ يقول:
لم يُلَم في الوفاءِ مَن كتم الــحُب وأغضى على فؤادٍ لهيد
صابنا ذاك لاسم مَن جلَب السقــمَ عليه ونفسه في الوريد
ثمَّ شهق فمات، وتصايَحَ أصحابه ونساؤه، وبلَغ المفداة خبره، فقامت نحوه حتى وقفت عليه، وقد تعفَّر وجهه، وأهله يَنضحونه بالماء، فهمَّت أن تُلقي نفسها عليه، ثمَّ تماسكت، وبادرَت خباءها، فسقطَت تائهة العقل، تُكلَّم فلا تُجيب، سحابة يومها، فلما جنَّ عليها الليل رفعت عقيرتها فقالت:
بنفسي يا زرعَ بن أرقم لوعةٌطويتُ عليها القلب والسرُّ كاتِمٌ
لئن لم أمت حُزنًا عليه فإننيلألأم مِن نِيطَت عليه التمائم
لئن فُتَّني حيًّا فليس بفائتيجوارُك مَيتًا حيث تَبلى الرمائم
ثمَّ تنفَّست نفسًا نبَّه من حولها فإذا هي ميتةٌ، فدُفنت إلى جنبه.
وفيتُ لابنِ مالك بن أرطاهكما وفَت لزرعة المُفداه
والله لا خِستُ به أو ألقاهحيث يلاقي وامقٌ من يهواه
من ممتطٍ ناحيةً شمرداهوعاثرٍ قد خذلته رجلاه
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع