تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

الله يحب التوَّابين

أخبرنا أبو الحسن علي بن صالح بن علي بقراءتي عليه بمصر، في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب في ما أجاز لنا، قال: حدَّثنا ابن دُرَيْد قال: أخبرنا الحسن بن خضر، قال: أخبرني رجلٌ من أهل بغداد عن أبي هاشم المذكِّر، قال: أردتُ البصرة، فجئت إلى سفينة أكتريها، وفيها رجلٌ ومعه جاريةٌ، فقال الرجل: ليس ها هنا موضِعٌ! فسألَتْه الجارية أن يحملني فحملني، فلما سِرنا دعا الرجل بالغداء فوُضِع، فقال: انزِلوا بذلك المسكين ليتغدَّى. فأُنزِلتُ على أنني مسكينٌ، فلما تغدَّينا قال: يا جاريةُ هاتي شرابك. فشرب، وأمرها أن تسقيني، فقلت: رحمكَ الله إن للضيف حقًّا، وهذا يُؤذيني. قال: فتركني، فلما دبَّ فيه النبيذ قال: يا جارية هاتي العود وهاتي ما عندك. فأخذت العود ثمَّ غنَّت:

وكُنَّا كغُصنَي بانةٍ ليس واحدٌيزولُ على الحالات عن رأي واحِدِ
تبدَّل بي خِلًّا فخاللتُ غيرهوخلَّيتُه لما أراد تباعُدي
فلو أن كفي لم تُرِدني أبنتُهاولم يَصطحِبها بعد ذلك ساعِدي
ألا قبَّح الرحمنُ كُلَّ مماذقٍيكونُ أخًا في الخفض لا في الشدائد

ثمَّ التفتَ إليَّ فقال: أتحسن مثل هذا؟ فقلت: أُحسن خيرًا منه. فقرأت: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ، فجعل يبكي، فلما انتهيت إلى قوله: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ، قال: يا جارية اذهبي، فأنت حرة لوجه الله عز وجل، وألقى ما معه من الشراب في الماء، وكسَر العود، ثمَّ دنا إليَّ فاعتنقني وقال: يا أخي، أتُرى الله يقبل توبتي؟ فقلت: إن الله يحب التوابين ويُحب المتطهرين. قال: فآخيته بعد ذلك أربعين سنة حتى مات قبلي، فرأيتُه في المنام، فقلت: إلامَ صِرت بعدي؟ فقال: إلى الجنة. فقلت: يا أخي، بِمَ صِرت إلى الجنة؟ قال: بقراءتك علي: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ .

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.