تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

الصوفي وغلامه (٢)

أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بمصر، قال: أخبرنا أبو صالح السمرقندي، قال: حدَّثنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن اليسع بالقرافة، قال: حدَّثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر الدِّينَوَرِي، قال: حدَّثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي، قال: حدَّثني أبو المختار الضبي، قال: حدَّثني أبي، قال: قلتُ لأبي الكُمَيت الأندلسي، وكان جوَّالًا في أرض الله عز وجل: حدِّثني بأعجب ما رأيتُه من الصوفية! قال: صحبتُ رجُلًا منهم يُقال له مِهرجان، وكان مجوسيًّا، فأسلَمَ وتَصَوَّفَ، فرأيتُ معه غُلامًا جميلًا لا يُفارقُه، فكان إذا جاء الليل، قام فصلَّى ثمَّ ينام إلى جانبه ثمَّ يقوم فَزِعًا، فيُصلِّي ما قُدِّر له، ثمَّ يعود فينام إلى جانبه أيضًا، حتى يفعل ذلك في الليلة مِرارًا، فإذا أسفر الصبح أو كاد أن يُسفِر أوتَرَ. ثمَّ رفع يديه فقال: اللهمَّ إنك تعلمُ أن الليل قد مضى عليَّ سليمًا لم أُقارِفْ فيه فاحشةً، ولا كتبَتِ الحَفَظة عليَّ فيه معصية، وأن الذي أُضمِرُهُ في قلبي لو حَمَلَتهُ الجبال لتصدَّعت، أو كان بالأرض لتدكدكت.

ثمَّ يقول: يا ليلُ اشهد بما كان مني فيك، فقد منَعني خوفُ الله عز وجل عن طلب الحرام والتعرض للآثام.

ثمَّ يقول: يا سيِّدي! أنتَ اجمع بيننا على تُقى، ولا تُفرِّق بيننا يوم تُجمَعُ فيه الأحباب.

فأقمتُ معه مُدَّةً طويلةً أراه يفعلُ ذلك في كل ليلة، وأسمعُ هذا القول، فلما هممتُ بالانصراف من عنده قلتُ له: سمعتك تقول: إذا انقضى الليل: كذا وكذا. فقال: أوَ قد سمعتَني؟ قلت: نعم! قال: فوالله يا أخي إنِّي لأداري من قلبي ما لو داراه سلطانُنا من رعيَّته لكان من الله حقيقًا بالمغفرة.

فقلت: وما الذي يدعوك إلى صُحبة من تخافُ على نفسك العَنتَ من قِبَله؟ وذكر كلامًا اختصرته.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.