تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

أجمل الناس وأقبحهم

كنتُ سابع سبعةِ إخوةٍ كلهم لو رأيتَني معهم ظننتَني عبدًا لهم، وكان أبي وإخوتي يَطرحونني، وكنتُ لكل عمل دنيء؛ للرواية مرَّة، ولرعاية الغنم أخرى. وكانت إخوتي هم أصحاب الإبل والخيل. فبَينا أنا أرعى الإبل في عام جَدْبٍ أشهَبَ إذ ضلَّ بعيرٌ منها، فقالوا لأبي: ابعث فلانًا يَبغيه! فدعاني فقال: اذهب فاطلب هذا البعير! فقلت: ما تُنصفني أنت ولا بنوك. أما إذا الإبل درَّت ألبانُها وطاب رُكوبُها، فهم أصحابها، وأمَّا إذا ندَّت ضُلَّالُها فأنا باغيها. فقال: يا لُكَع اذهَبْ! أما والله إنِّي لأظنه آخر أيامك من ضربٍ وجيع.

قالت: وَيحَكَ! هل لك أن تَدخُلَ هذا السِّتر عليَّ، إذا نام الحي، فنتحدَّث وتُمثلنا من أماثيلك هذه؟ فإنَّا نَراها مِلاحًا. فغرَّني إبليسُ لما شبعتُ من القِرَى، ودَفِئتُ من الصلى، وجاء أبوها وإخوتها مثل السباع، واضطجعوا أمام الخيمة وأنا فيها، فلم يزل بي القدر المحتوم حتى نهضتُ لألجَ عليها الستر فإذا هي نائمة، فهمزتُها برجلي، فانتبهت وقالت: من هذا؟ قلت: الضيف. قالت: إياك، فلا حيَّاك الله.

قال الأسدي: وهي والله تَصْدُفُ حياءً من حديث زوجها صُدُوفَ المُهرَةِ العربية سَمِعت صلاصِلَ لجامها. ثمَّ قالت: لا حَسُنَ خبرُك، اخرُج لعنك الله!

قال: فتواثبوا، فمِن آخذٍ حجرًا ومن آخذٍ سيفًا ومن آخذٍ عصا، وهم يُريدون أن يجعلوا البئر قبري وقبرها. فقال أبوها: مَه! فإن ابنتي ليست بحيث تظنُّون. قال: فنزل أحدهم، فأخرجها وأخرج الكلب ثم أخرجوني، فقال أبوهم: إنكم إن قتلتم هذا الرجل طُلبتم، وإن خليتُموه افتُضحتم، وقد رأيتُ أن أُزوِّجه إياها، فلعمري! أنه ما يُطعَنُ في نسبه، وإنه لكُفؤ. ثم أقبل عليَّ فقال: هل فيكَ خيرٌ؟

قلت: اربع عليكَ أيها الرجل تسمع الخبر، فإنما أنت مُحدَّثٌ، كان من الأمر كيت وكيت. قال: ورِّيَتُ بك زِنادُ أبيك، إذن والله لا تُسلَم ولا تُخذَل، عليَّ بالإبل.

فلما جاءت قال: اعتدَّ حاجتك، فاعتددتُ منهنَّ خمسين بكَرةً كأنهن العذارى، ودفع إليَّ عبدًا وأمة موَلَّدين، ثم ساق معي الإبل حتى أتيناهم، فدفعنا إليهم حقهم واحتملنا صاحبتنا، وها هي هذه، جُهدُها أن تقول كذبت، فاعجَب لذلك فعل دهرٍ؛ أي أكثر العَجب.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.