تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

ماتا معتنقَين

وجدت بخط أحمد بن محمد بن علي الآبنوسي، ونقلته من أصله، حدَّثنا أبو علي محمد بن عبد الله بن المغيرة الجوهري، حدَّثنا أحمد بن محمد بن أسد الأزدي، حدَّثنا الساجي عن الأصمعي، قال: رأيتُ بالبادية رجلًا قد دقَّ عظمُه، وضؤل جسمه، ورقَّ جلده، فتعجَّبت فدنوتُ منه أسأله عن حاله، فلم يَرُدَّ جوابًا، فسألت جماعةً حوله عن حاله، فقالوا: اذكر له شيئًا من الشعر يُكلِّمك. فقلت:

سبق القضاءُ بأنني لكَ عاشقٌحتى الممات، فأين منكَ مذاهبي؟

فشهق شهقةً ظننتُ أن روحه قد فارقته، ثمَّ أنشأ يقول:

أخلو بذِكْركَ لا أريدُ مُحدِّثًاوكفى بذلك نِعمَةً وسرُورًا
أبكي فيُطربُني البكاءُ وتارةًيأبى، فيأتي مَن أُحِبُّ أسيرًا
فإذا أنا سمْحٌ بفُرقَةِ بينِناأُعقِبتُ منه حسرةً وزفيرًا

قال: فقلت: أخبرني عن حالك؟ قال: إن كنتَ تريد علم ذلك، فاحملني وألقِني على باب تلك الخيمة! ففعلت، فأنشأ يقول بصوتٍ ضعيفٍ يرفعه جُهدَه:

ألا ما للمليحة لا تَعُودُأبُخلٌ ذاكَ منها أم صُدُودُ؟
فلو كنتِ المريضة جئتُ أسعىإليكِ ولم يُنهْنِهني الوعيدُ

فإذا جاريةٌ مثل القمر قد خرجت، فألقت نفسها عليه، فاعتنقا، وطال ذلك فسترتهما بثوبي خشيةَ أن يراهما الناس. فلما خِفتُ عليهما الفضيحة، فرَّقت بينهما فإذا هما ميِّتان، فما برحتُ حتى صليتُ عليهما ودُفنا، فسألتُ عنهما فقيل لي: عامر بن غالب وجميلة بن أَمْيَل المُزَنيَّان. فانصرفتُ.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.