تجاوز إلى المحتوى

من «فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب» لابن المرزبان (ت ٣٠٩هـ)

فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب

الصفحة ٢ من ٢

جماعة أحداث يشربون وبين أيديهم من جميع الفواكه والرياحين فرحبوا بي وأجلسوني معهم ورأيت لهم بِزَّةً حسنة فوضعتُ عيني عليها وجعلت أسقيهم ويشربون وارفق بنفسي إلى أن ناموا ونام كل من في الدار فقمت وكورت ما عندهم وذهبتُ أخرج فوثبَ عليَّ الكلب وثبة الأسد وصاح وجعل يتراجع وينبح إلى أن انتبه من كان نائما فخجلت واستحيت فلما كان النهار فعلموا مِثل فِعلهم أمس وفعلت أنا أيضا بهم مثل ذلك وجعلت أوقع الحيلة في أمر الكلب إلى الليل فما أمكنني فيه حيلة فلّما ناموا رُمت الذي رُمته فإذا الكلب قد عارضني مثل ما عارضني به فجعلت أحتال ثلاث ليالٍ فلما أَيِست طلبت الخلاص منهم بإذنهم وقلت أتأذونون لي أعزَّكم الله فإني طلبت الخلاص منهم بإذنهم وقلت أتأذنون لي أعزَّكم الله فإني على وِفاز فقالوا الأمر للعجوز فاستأذنها فقالت هاتِ ما معك الذي أخذته من الصيرفي وامض حيث شئت ولا تُقِم في هذه المدينة لأنّه لا يتهيأ لأحد يعمل معي عملا فأخذَتِ الكيس وأخرجتني ووجدتُ أنا أيضاً منأىً أن أسلم من يدها فكان قصارى القول أن أطلب منها نفقةً فدفعَت إليَّ نفقة وخرجت معي حتى أخرجتني عن المدينة والكلب معها حتى جزت حدود المدينة ووقفت ومضيت والكلب يتبعني حتى بعُدت ثم

تراجع ينظر إلي ويلتفت وأنا أنظر إليه حتى غاب عني.

أخبرني بعض الشيوخ من أهل الحِيَل قال كنت أنا مع جماعة خارجين إلى أصبهان فلما صِرنا إلى بعض الطريق مررنا بخان قديم خراب ليس فيه أحد وإذا صوتُ كلبٍ ينبح وإذا حركة شديدة فدخلنا بأجمعنا الخان فإذا نحن برجل من أصحابنا نعرفه من الفيوح كان معه كلب لا يفارقه حيث كان وإذا بعض المبنجمين تنفذ وقع عليه فكان الفيح وطنا فلما رأى حيلته ليس تنفذ له عليه طرح في عنقه وترا ليخنقه به فلما رأى الكلب ذلك ثار إلى المبنِّج مغشيّا عليه فخلصنا من عنق صاحبنا الوتر وكان قد أشرف على التلف وقبضنا على المبنج فكتَّفناه بوتره ودفعناه إلى السلطان.

وحدثني إبراهيم بن برقان قال كان في جوارنا رجٌل من أهل أصبهان يعرف بالخصيب ومعه كلب له جاء به من الجبل فوقع بينه وبين جاره خصومة إلى أن تواثبا فلما رأى الكلب ذلك وثب على الرجل الذي واثَب صاحبَه فوضع مخاليبه في أحد عينيه وعضَّ قفاه حتى رأيت الرجل قد غُشِيَ عليه ودماؤُه تجري على الأرض.

قال بعض من يذم الكلاب: الناس ينامون بالليل الذي جعله الله تعالى مسكنا ويتصرّفون ويبصرون في النهار الذي جعله الله ﷿ مسرحا وهو على ضد ذلك فاحتجَّ من يرد عليه فقال إنّ سهرهم بالليل ونومهم بالنهار خصلة ملوكية ولو كان غير ذلك كان الملوك به أولى وإنّما انتباهها بالليل لأن الليل ينتشر فيه اللصوص ويكثر التسلّق والنقوب والسرق ممّن إذا أفضى إلى منزلِ قومٍ لم يرضَّ إلا بالقتل وركوب السوءة ونهب المال فهي تحرس من هذه الأحوال وتنبِّهُ عليه صاحبه أنشدني بعض الأدباء:

تاه قلبي مني وأينَ مِنِّيَ قلبُإنَّ ردَّ السرور يا قومُ صعبُ
شرّدتني خيانةٌ من صديقأنا مستسلمٌ له وهو حربُ
مضمرٌ للنفاق والقلب فيهِمبطنٌ بغضه وباديهِ حبُّ
قلت يوماً له وإن مضى مِنــهُ فعال أتى بها أنتَ كلبُ
قال: للمزح قلتُ ذا أم لثلبي؟قلت للثلبِ قال ما فيه ثلبُ
شيمةُ الكلب حفظه لوليٍّوعن الحيِّ في دجا الليل ذبُّ
يحفظُ الجار للجوار ويُمسيساهِرَ المقلتين يحنوهُ سَغبُ
يرقدُ النائمون أمنا ويمسيخائفا هلكهم يحاكيهم صب
وتر الكلب في المهامِهِ غوثاويجيب اللهيف والنار تخبو
وتراه ينابحُ الكلب خوفاوإلى الصوت في دجا الليل يحبو
فلماذا أنحَستَه الحظّ قل ليلِمْ تُشِن حُسنَه وما فيه سبُّ

أنشدني بعض المدنيين يصف كلبا له بالشدة يقال له موق بسيط:

يا موق لا ذقت بُوس العيش ياموقلا منيت بشربٍ فيه ترنيقُ
ذو هامة كرَحى بئرٍ مُلملمةٍوبرثن فيه للأخوان نخريق
صُماتُه غضبٌ ونبحهُ كلبٌوعنده سغبٌ ما فيه ترقيق
العقر نيته والموت كرَّتهمجتازُ ساحتِهِ بالشرِّ مهروقُ
والسيف والرمحُ أدنى منه بادرةًوالنبل أهونُ منهُ والمزاريقُ
والتركُ والديلمُ المحذور بأسهُماوالزِّنجُ مِن بعد الروم البطاريقُ
جماعة القوم إن مرّوا بساحتهِفعنده لاجتماعِ القوم تفريقُ
أو مرَّ جيشٌ عليه كلّهم بطلٌإذا أناخت بهِم من خوفه النوقُ

قلت لصديق لي أتعرف في هذا المعنى شيئا قال نعم وأنشدني خفيف:

قال لي أحمد وأحمد كهلليس في الناس مثله اثنان
حسنُ خلقٍ وحسنُ خلقٍ وعلمٌبارعٌ زانه بِنطق لسانِ
هو في العين زينةٌ وجمالٌولدى الشرب زينةُ البستانِ
وإذا ما المرء ضاق بالهمِّ صدراًفرَّج الهم أحمد المرزبانِ
يا خليلي حفظتُ في الكلب شيئاًقلت في الذمِّ قال لي عظم شان
قال لي خذ أخي فأَظِهر مقالاقد حوى فيه من ظريف المعانِ
في مديح الكلب مع ذمِّ قومٍفأراني العيانَ قبل العيانِ
قال إني أراه أوفى ذِماماًمن كثيرعرفت في الإخوانِ
وأمين المغيب يُلقي بوجهٍولقومٍ من الورى وجهانِ
شاكراً للقليل غير كفورٍوكفورُ الكثيرِ للخلانِ
حارساً في الحريم يمنع في الليلِ عن القومِ ساهر الأجفانِ
مثل ليثِ العرين تلقاهُ لمّاحلّ في جوف جيشه شِبلانِ
عارف بالجميل يغضي حياءحين تلقاه للفتى عينان
صابرٌ مانعٌ حفوظٌ أَلوفٌدافعٌ مانعٌ بغيرِ امتنانِ
ألينُ الخلقِ مِعطفا لحميمولا عدائه كحدِّ السنانِ
وأرى الناس غير من أنتَ مِنهمْخُلقوا كالذباب والصيران

وممن أفسد الصديق بحرمته فأقام الكلب بنصرتهما أخبرونا عن أبي الحسن المدايني يرفعه عن عمرو بن شمر قال كان للحارث ابن صعصعة ندمان لا يفارقهم شديد المحبة لهم فبعث أحدهم بزوجته فراسلها وكان للحارث كلبٌ ربّاه فخرج الحارث في بعض منتزهاته ومعه ندماؤه وتخلَّف عنهُ ذلك الرجل فلما بعد الحارث عن منزله جاء نديمه إلى زوجته فأقام عندها يأكل ويشرب فلما سكرا واضّطجعا ورأى الكلب أنه قد ثار على بطنها وثب الكلب عليهما فقتلهما فلما رجع الحارث إلى منزله ونظر إليهما علاف القصة ووقف ندماؤه على ذلك وأنشأ يقول طويل:

وما زال يرعى ذِمَّتي ويحوطنيويحفظ عرسي والخليل يخون
فواعجبا للخلِّ يهتك حُرمتيويا عجباً للكلب كيف يصونُ

قال وهجر من كان يعاشره واتّخذ كلبه نديما وصاحبت فتحدث به العرب وأنشأ يقول طويل:

فلَلكلبُ خيرٌ من خليل يخوننيوينكِحُ عرسي بعدوقت رحيلي
سأجعلُ كلبي ما حييتُ منادِميوأمنحُه وُدِّي وصفوَ خليلي

وذكر ابن دأب قال كان للحسن بن مالك الغنوي أخوان وندمان فأفسد بعضهم محرما وكان له على باب داره كلب قد رباه فجاء الرجل يوما إلى منزل الحسن فدخل إلى امرأته فقالت له قد بعد فهل لك في جلسة يُسرُّ بعضنا فقال نعم فأكلا وشربا ووقع عليها فلما علاها وثب الكلب عليهما فقتلهما فلما جاء الحسن ورآهما على تلك الحال تبيّن ما فعلا فأنشأ يقول طويل:

أضحى خليلي بعد صفو مودتيصريعا بدار الذلِّ أسلمه الغدر
وطي حُرمتي بعد الإخاء وخاننيفغادَره كلبي وقد ضَمَّه القبرُ

قال الأصمعي: كان لمالك بن الوليد أصدقاء لا يفارقهم ولا يصبر عنهم فأرسل أحدهم إلى زوجته فأجابته وجاء ليلة واستخفي في بعض دور مالك عند امرأته ومالك لا بعلم شيء من ذلك فلما أخذ في شأنها وثب لمالك عليهما فقتلهما ومالك لا يعقل من السكر فلما أفاق وقف عليهما

وأنشأ يقول خفيف:

كل كلب حفظته لكأرغىما بقي ليوم التنادِ
من خليل يخون في النفس والمالِ وفي العرس بعد صَفو الوِدادِ

وقال آخر خفيف:

وإذا قلت ويك الكلب إخسالحظَتني عيناكَ لحظةَ تُهمَهْ
أترى إني حبستك كلباأنت عنه من أبعدِ الناس همة

ذكرو أن صعصعة بن خالد كان له صديق لا يفارقه فجاء يوما فرآه قتيلا على فراشه مع امرأته فأيقن بخيانتهما فقال كامل:

الغدر شيمة كلِّ ندل سِفلةٌوالكلب يحفظ عهدَك الدهرا
فدعِ اللئامَ وكن لِكلبكَ حافظاًفلْتأمنَنَّ الغدر والمَكرا

وحدثني بعض أصدقائي قال خرجتُ ليلةً وأنا سكران فقصدت بعض البساتين لأمر من الأمور ومعي كلبان كنت ربيتهما ومعي عصا فحملتني عيني فإذا الكلبان ينبحان

ويصيحان فانتبهت بصياحهما فلم أر شيئا أنكِرُه فضربتهما وطردتهما ونمت ثم عادوا الصياح والنُّباح فأنبهاني فلم أر شيئا أنكره أيضا فوثبت إليهما وطردتهما فما أحسستُ إلا وقد سقطا عليَّ يحرِّكاني بأيديهما وأرجلهما كما يحرك اليقظان النائم لأمرٍ هائل فوثبت فإذا بأسود سالح قد قرُب مِنِّي فوثبتُ إليه فقتلته وانصرفت إلى منزلي فكان الكلبان بعد الله ﷿ سببا لخلاصي.

ويرى أنه كان لميمونة زوجُ النبيِّ ﷺ كلب يقال له مسمار وكان إذا حجَّت خرجت به معها فليس يطمع أحد بالقرب من رحلِها مع مسمار فإذا رجعت جعلته في بني جديلة وأنفقت عليه فلما مات قيل لها مات مِسمار فبكن وقالت فُجعتُ بمسمار.

وحدثني أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله قال حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس بن أبي رافع قال كانت للزهري كلبةُ صيدٍ فكان يطلب لها الفحول يلتمس نسلها قال وكان رجل يشرب عند قوم فرأى منهم رجلا يلاحظ امرأته فقال خفيف:

كل هنيئا وما شرِبتَ مريئاثم قم فغيرَ كريمِ
لا أحبُّ النديم يومضن بالعينإذا ما خلى بعِرسِ النديمِ

وحدثني صديق لي أنه كان له صديق ماتت امرأته وخلّفت صبيّا وكان له كلب قد رباه فترك يوما ولده في الدار مع الكلب وخرج لبعض الحوائج وعاد بعد ساعة فرأى الكلب في الدهليز وهو ملوِّثٌ بالدم وجهه وبوزَه كلّه فظنَّ الرجل أنه قد قَتل ابنه وأكله.

فعمد إلى الكلب فقتله قبل أن يدخل الدار ثم دخل الدار فوجد الصبيَّ نائماً في مهده وإلى جانبه بقية أفعى قد قتلها الكلب وأكل بعضها فندم الرجل على قتله أشد ندامة ودفن الكلب.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.