تجاوز إلى المحتوى

من «المختار من كتاب اللهو والملاهي» لابن خرداذبه (ت ٢٨٠هـ)

القيان عند العرب

وأول من اتّخذ القيان من العرب أهل يثرب أخذوا ذلك من بقايا عاد.

ولم تكن قريش تعرف من الغنا إلا النصب حتى قدم النضر بن الحرث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي العراق فتعلّم بالحيرة ضرب العود وغناء العبادين فقدم مكة فعلّم أهلها فاتخذوا القيان.

والغناء من أكبر اللذات وأسرّ للنفس من جميع الشهوات يرق الذهن ويلين العريكة ويهيج النفس ويسرّها ويشجع الجبان ويسخي البخيل ويحيى القلب ويزيد في العقل ويفتح في الرأي وله مع النبيذ تعاون على الحزن الماد للبدن يحدثان له نشاطاً ويفرجان للكرب. والغناء على الانفراد يفعل ذلك. قال عبد الله بن جعفر أن للطرب لأريحية لو لقيت عندها لأبليت ولو سألت لأعطيت. قال الحطيئة: جنّبوبي الغناء فإنه رقية الزنا.

قال الشاعر:

لا تبعثن إلى همومك إن ثوتغير المدام ونغمة الأوتار

فلله درّ حكيم استنبطه وفيلسوف استخرجه أي غامض ومكنون كشف وعلى أي دفين ومكتوم دل وإلي أي علم وفضيلة سبق فذاك نشيج وحده وقريع دهره. وقال جالينوس: يحتاج السمع أن يرق بالصوت المونق كما يحتاج البدن إلى اعتدال الطبائع. والغناء غذاء السمع كما أن الطعام غذاء البدن فقد نرى أهل الصناعات الذين يكدّون براً وبحراً إذا خافوا الملالة والفتور ترنموا وشغلوا أنفسهم بذلك عن ألم التعب. ونرى الشجعاء وأبناء الحرب قد احتالوا بنفخ أنواع البوقات وقرعوا الطبول لتهون عليهم الشدائد. ونرى بالمد أهل العبادة والرهبانية يبكون على خطاياهم بالألحان الشجية يستريحون إلى ذلك.

وقد حدّث الوليد بن سلمة عن ابن جرير عن عطاء عن عبيد بن عمير الليثي قال: كانت لداود النبي ﵇ معزفة فكان إذا أراد أن يبكي ضرب بها، فردد صوته فبكا وأبكا.

وحدّث يحيى بن العلاء عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن ابن عبّاس قال: كان داود يقرأ الزبور ثلاثين صوتاً يطرب منهن المحموم. وكان إذا كان أخر الليل فأراد أن يبكي نفسه لم يبقَ حوله دابّة ولا وحش إلا بكى لبكائه. ورووا أنه كان يزمر بمزمارة عند ملك بني إسرائيل فيسكن ما كان به من الخبل والمسّ.

ونرى الطفل يرتاح للغناء. وسيتبدل ببكائه ضحكاً. ونرى الإبل يحدوا بها الحادي فتمعن في سيرها. ونرى الراعي يرفع يراعه فتجد الشاة في رعيها وتصفر الفرسان في المشارع فتجد الدوابّ في شربها. قال الشاعر:

اليوم يوم بكورعلى تمام السرور
ويوم عزف قيانمثل التماثيل حور
ولا تكاد جيادتروا بغير صفير

وقال أبو نواس:

وجدت ألذ عارية اللياليقران النغم بالوتر الصحيح
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «جريت مع الصبا طلق الجموح»
ومسمعه إذا ماشئت غنتمتى كان الخيام بذي طلوح

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المختار من كتاب اللهو والملاهي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.