تجاوز إلى المحتوى

من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)

قولهم صار حديث الجرادتين

إذا شُهر أمره. يراد بالجرادتين قينتا معاوية بن بكر، أحد العماليق. وكان من حديث الجرادتين أن عادا لما كذّبوا هوداً ﵇ توالت عليهم ثلاث سنوات تهبّ الرياح من غير مطر ولا سحاب. فجمعوا من قومهم تسعين رجلاً فبعثوا بهم إلى مكة ليستسقوا لهم، ورأسوا عليهم: قَيْلَ بن عِتْر، ولُقيْم بن هزَّال، ومرثَد بن سعد بن عُفيْر وكان مُسلماً يكتم إيمانه، وجُلْهُمَة بن الخَيْبري، ولقمان

بن عاد. وكانت العرب إذا أصابها جَهْدٌ جاءت إلى بيت الله ﵎ فسألت الله فُيعطيهم الله جل وعز مسألتهم إلا أن يسألوا فساداً. وكان أهل مكة إذ ذاك العماليق وهم بنو عِمْلِيق بن لاوِذ بن سام بن نوح. وكان سيّد العماليق يومئذ بمكة معاوية بن بكر. فلما قدِم وفدُ عادٍ عليه لأنهم كانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهراً يُكرمهم بغاية الكرامة. وفي بعض الأحاديث أقاموا حوْلاً. وكانت عنده جاريتان يقال لهما الجرادتان تُغنّيانهم. فلهوْا عن قومهم شهراً، فلما رأى ذلك معاوية من طول مُقامهم شقّ عليه وقال: هلك أصهاري وأخوالي، ما لعادٍ خَتَنٌ أشأمُ مني، وإن قلت لهم شيئاً في أمرهم توهَّموا أن هذا بُخلٌ مني. فقال شعراً ودفعه إلى الجرادتين تُغنيانهم به وهو:

ألا يا قَيْلُ وِيْحك قُمْ فَهَيْنِملَعَلَّ اللهَ يَبْعَثُها غَماما
لِتَسْقِى آلَ عَادٍ إِنَّ عَاداًقد أمْسَوا لا يُبينُونَ الكَلامَا
من العَطَشِ الشَّدِيدِ وليس نَرْجولها الشَّيْخَ الكَبِير ولا الغُلاَما
وقد كانت نساؤُهم بخَيْرٍفقد أَمْسَت نساؤُهم عَيامَى
وإنَّ الوَحْشَ تأتِيهم نَهاراًولا تَخْشَى لراميهم سَهاما
وأنتم ها هُنا فيما اشْتَهَيْتُمنَهَاركم ولَيْلكم التِماما
فقُبِّحَ وَفْدُكم من وَفْدِ قَوْمٍولا لُقُّوا التَّحِيَّةَ والسَّلامَا

فلما غنّتهم بهذا الجرادتان قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوَّثون بكم فقاموا ليدعوا، وتخلّف لقمان لأنهم لم يُرَئِّسوه ورأَّسوا قيْلاً فدعوا الله جل وعز

لقومهم. وكانوا إذا دعوا أجابهم نداءٌ من السماء أن سلوا فيُعطوْن ما سألوا. فدعوا ربهم واستسقوا لقومهم، فأنشأ الله لهم ثلاث سحابات: بيضاء، وحمراء، وسوداء، ثم نادى منادٍ من السماء: يا قَيْلُ اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب، فقال: أما البيضاء فجفْل، وأما الحمراء فعارِض، وأما السوداء فَهطِلة، ويقال فمُطِلة وهي أكثرها ماء فأختارها. فناداه منادٍ قد اخترت لقومك رماداً رِمْدِدا، لا تُبقي من عادٍ أحدا، لا والداً ولا ولدا. وسيّر الله السحابة السوداء التي اختارها قيْل إلى عاد. ونودي لقمان سلْ. فسأل عُمَر ثلاثة أنسُرٍ. فأعطى ذلك. فكان يأخذ فرخ النسر من وكره فلا يزال عنده حتى يموت. وكان آخرها لُبَدٌ. وهو الذي يُضرب به المثل فُيقال: أكبر من لبد، وعُمِّر لُبد. وفيه يقول النابغة:

أَضْحَت خَلاءً وأضْحى أهْلُها احتَمَلُواأَخَْنَى عليها الَّذِي أَخنَى على لُبدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يَا دَارَ مَيَّةَ (المعلقات)»

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاخر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.