من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)
فصول من البلاغة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
قدم قُتيبة بن مُسلم خُراسانَ والياً عليها فقال: مَن كان في يده شيء من مال عبد الله بن خازم فَلْيَنْبِذْه وإن كان في فيه فَليَلْفِظه وإن كان في صَدْره فَلْيَنْفُثْه.
فَعَجب الناس من حُسن ما فصّل.
وقيل لأبي السَّمًال الأسديّ أيامَ مُعاوية: كيف تركتَ الناس قال: تركتُهم بين مظلوم لا يَنْتَصف وظالم لا يَنتهي.
وقيل لشَبيب بن شَيْبة عند باب الرَّشيد: كيف رأيتَ الناس قال: رأيت الداخلَ راجياً والخارج راضياً.
وقال حسّان بن ثابت في عبد الله بن عبّاس: إذا قال لم يَتْرك مَقالا لقائلٍ بمْلْتَقطات لا نَرَى بينها فَضْلا كَفي وَشَفي ما في النُّفوس ولم يَدَعْ لذي إِرْبة في القَوْل جِدّاً ولا هَزْلا ولَقي الحُسين بن عليّ رضوان الله عليهما الفرزدقَ في مَسيره إلى العراق فسأله عن الناس فقال: القُلوب معك والسُّيوِف عليك والنَّصر في السماء.
وقيل لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: كم بين المَشرق والمَغرب فقال: مَسيرة يوم للشمس قيل له: فكم بين السماء والأرض قال: مَسيرة ساعة لدَعْوة مُستجابة.
وقيل لأعْرابي: كم بين مَوْضع كذا وموضع كذا قال: بَياضُ يوم وسَواد ليلة.
وشكا قوم إلى المَسيح عليه السلام ذنوبهم فقال: اتركوها تُغفَر لكم.
وقال عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: قِيمة كلِّ إنسان ما يحسن.
وقيل لخالد بن يَزيد بن مُعاوية: ما أقربُ شيء قال: الأجل قيل له: فما أبعدُ شيء قال: الأمل قيل له: فما أوْحش شيء قال: الميّت قيل له: فما آنس شيء قال: الصاحب المُواتي.
مَرّ عمرو بن عُبيد بسارق يُقْطع فقال: سارق السَّريرة يَقطع سارق العلانية.
وقيل للخليل بن أحمد: مالك تَرْوي الشِّعر ولا تَقُوله قال: لأني كالمِسَنّ أشْحذ ولا أقْطع.
وقيل لعَقِيل بن عًلَّفةَ: ما لَك لا تًطيل الهجاء قال: يَكْفيك من القِلادة ما أَحاط بالعُنق.
ومَرِّ خالد بن صَفْوان برجل صَلَبه الخَلِيفة فقال: أَنْبتته الطاعة وحَصَدته المَعْصية.
ومرَّ أَعرابيّ برجل صَلبه السلطان فقال: مَن طَلّق الدنيا فالآخرة صاحبتُه ومن فارق الحق ومن النطق بالدِّلالة ما حدّث به العبَّاس بن الفرج الرِّياشي قال: نزل النعمان بن المنذر ومعه عديّ بن زيد العِبَاديّ في ظل شَجرة مُورقة ليلهوَ النعمان هناك فقال له عَدِيّ: أبيتَ اللعنَ أتدري ما تقول هذه الشجرة قال: ما تقول قال تقول: رب شَرْبٍ قد أناخُوا حولَنا يَمْزُجون الخمرَ بالماء الزُّلالْ ثم أضحَوْا عَصَف الدهرُ بهم وكذاك الدهرُ حال بعد حال فتَنغّص على النعمان ما هو فيه.
«وقال ابن الأعرابي: قلت للفضل: ما الإيجاز عندك قال: حذف الفضول وتقريب البعيد».
وقال رجلٌ لخالد بن صَفْوان: إنك لتًكْثر قال: أكثر لضَرْبين أحدهما فيما لا تُغني فيه القِلْة والآخر لتمرين اللّسان فإنَّ حَبْسه يُورِث العُقلة.
وكان خالدُ بن صَفْوان يقول: لا تكونُ بليغاً حتى تُكلِّم أمَتك السَّوداء في اللّيلة الظَّلماء في الحاجة المُهِمَة بما تَتكلَّم به في نادي قَومك.
وإنما اللّسان عُضو إذا مَرّنته مَرَن وإذا تَركته لَكِنَ كاليد تُخَشِّنها بِالمُمَارسة والبَدنِ الذي تُقوِّيه برَفّع الحجر وما أشبهه والرِّجْل إذا عُوِّدت المشي مشت.
وكان نوفلُ بن مُساحق إذا دخل على امرأته صَمت فإذا خرج عنها تكلّم فقالت له: إذا كنتَ وذكر شَبِيبُ بن شيبة خالدَ بن صَفْوان فقال: ليس له صَدِيق في السِّر ولا عدوٌّ في العَلاَنية.
وهذا كلام لا يَعرف قَدْره إلا أهلُ صناعته.
" وَوَصف رجلٌ آخرَ فقال: أتَيناه فأخرج لسانَه كأنّه مِخْراق لاعب.
ودَخل مَعن بن زائدة على المَنْصُور يُقارب خَطْوه فقال المنصور: لقد كَبرتْ سنّك قال: في طاعتك قال: وإنك لَجلْد قال: على أعدائك قال: أرى فيك بقية قال: هي لك.
وكان عبد الله بن عبَّاس بليغاً فقال فيه مُعاوية: إذا قال لم يَتْرك مقالاً ولم يَقِفْ لعِيّ وِلم يَثْنِ اللسانَ على هُجْر يُصَرِّفُ بالقول اللسانَ إذا انتحَى ويَنظُر في أعْطافه نَظَر الصَّقر وتكلّم صَعْصَعَةُ بن صُوحان عند مُعاوية فَعَرِق فقال له مُعاوية: بَهرك القولُ قال: الجياد نَضَّاحة بالعَرَق.
وكتب ابن سَيَابة إلى عمرو بن بانة: إنَّ الدهر قد كَلَحَ فَجَرح وطَمحَ فجَمح وأفسد ما صَلَح فإن لم تُعِنْ عليه فَضَح.
ومَدح رجل من طَيئ كلامَ رجل فقال: هذا الكلامُ يُكْتَفي بأُولاه ويُشْتَفي بأًخْراه.
ووَصف أعرابيّ رجلاً فقال: إنَّ رِفْدَك لَنجيح وإن خيرك لصَرِيح وإن مَنْعك لمُرِيح.
ودخل إياسُ بنُ معاويةَ الشامَ وهو غلام فقدِّم خصماً له إلى قاضٍ لعبد الملك «وكان خَصْمه شيخاً كبيراً».
فقال له القاضي: أتقدِّم شيخاً كبيرأً فقَال له إياس: الحقُّ أكبرُ منه قال له: اسكت قال.
فمن يَنْطق بحُجَّتي قال: ما أظنّك تقُول حقّاً حتى تقُوم قال: أشهد أن لا إله إلا الله.
فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأَخبره بالخبر فقال: اقض حاجتَه الساعة وأَخْرجه من الشام لا يُفْسِد عليّ الناسَ.
ومن الأسْجاع قولُ ابن القِرِّيّة وقد دُعي لكلام فاحتبَسٍ القولُ عليه فقال: قد طال السَّمر وسَقَط القَمر واشتَدّ المَطر فما أنتظر.
فأجابه فتى من عبد القيس: قد طال الأَرَق وسقَط الشَفق فَلْينطق من نَطَق.
قال أحمد بنُ يوسف الكاتب: دخلتُ على المأمون وبيده كتابٌ لعمرو بن مَسْعدة وهو يُصَعِّد في ذُراه ويقوم مَرَّة ويَقْعد أخرى ففعل ذلك مراراً ثم التفت إليَّ فقال: أَحْسَبك مُفكِّراً فيما رأيتَ قلتُ: نعمٍ وَقَى الله عزّ وجلّ أميرَ المؤمنين المَكاره فقال: ليس بَمكْروه ولكن قرأتُ كلاما نَظِير خَبرٍ خَبّرني به الرشيدُ سمعتُه يقول: إنَّ البَلاغة لتَقاربٌ من المَعنى البَعيد وتَباعدٌ من حَشْو الكلام ودَلالة بالقَلِيل على الكثير.
فلم أتوَهّمٍ أنّ هذا الكلامَ يَسْتَتِبّ على هذه الصِّفة حتى قرأتُ هذا الكتابَ فكان استعطافاً على الجُنْد وهو: كتابي إلى أمير المؤمنين أَيَّدَه الله ومَن قِبَلي من أجناده وقُوّاده في الطاعة والانقياد على أفضل ما تكون عليه طاعةُ جًنْد تأخّرت أرزاقُهم واختّلت أحوالُهم.
فأَمر بإعطائهم ثمانيةَ أشهر.
ووَقع جَعْفر البرمكيّ إلى كُتَّابه: إن اْستطعتُم أن تكون كُتًبكم تَوْقيعات فافعلوا.
وأمره هارون الرشيد أن يَعْزل أخاه الفضلَ عن الخاتَم ويأخذَه إليه عَزْلاً لَطيفاً.
فكتب إليه: قد رَأَى أميرُ المؤمنين أن يَنْقُل خاتَم خِلافته من يمينك إلى شِمالك فكَتب إليه الفضلُ: ما انتقلتْ عني نِعمة صارت إليك ولا خَصَّتك دوني.
ووَقع جعفرٌ في رُقْعة رجل تنَصل إليه من ذَنب: تقدمت لك طاعة وظَهرت منك نَصيحة كانت بينهما نَبْوة ولن تَغْلِب سيَئة حسَنَتين.
قال الفضْل بن يحيى لأبيه: ما لنا نُسْدِي إلى الناس المَعروف فلا نرى من السُّرور في وُجوههم عند انصرافهم ببِرنا ما نراه في وُجوههم عند آنصرافِهم ببِرَ غيرنا فقال له يَحيى: إن آمال الناس فينا أطولُ منها في غيرنا وإنما يُسَر الإنسانُ بما بَلِّغه أملَه.
قيل ليحيى: ما الكرمُ قال: مَلِك في زِيّ مِسكين قيل: فما الفَرْعنة قال: مِسكين في بَطْش عِفريت قيل: فما الجودُ قال: عَفْو بعد قُدرة.
أُتي المأمونُ برجل قد وَجَب عليه الحدُّ فقال وهو يُضرب: قَتَلتني يا أميرَ المؤمنين قال: الحقَّ قَتَلك قال: ارحَمني قال: لستُ أرْحمَ بك ممن أوجبَ عليك الحدَ.
وسأل المأمون عبد الله بن طاهر في شيء فأسرع يفي ذلك فقال له المأمون: فإنّ الله عزّ وجلّ قد قَطع عُذْر العَجول بما مكَّنه من التثبُّت وأَوْجب الْحُجَّة على القَلِق بما بَصَّره من فضْل الأناة.
قال: أتأذن لي يا أميرَ المؤمنين أن أكتُبه قال: نعم فكَتبه.
قال إبراهيمُ بن المهديّ قال لي المأمونُ: أنت الخليفة الأسْود قلت: يا أميرَ المؤمنين أنت مَنَنت عليّ بالعَفو وقد قال عبدُ بني الْحَسْحاس: أشعارُ عَبْد بنيِ الْحَسْحاس قُمْنَ له عند الفَخار مَقامَ الأصل والوَرقِ إن كنتُ عبداَ فنَفْسي حُرِّة كَرَماً أَو أَسْودَ الْجلْد إني أَبْيضُ الخُلُقِ فقال المأمون: يا عمُّ خرّجك الهَزْل إلى الجد ثم أنشأ يقول: ليس يُزْرِي السواد بالرَّجلِ الشَّهم ولا بَالفتى الأديب الأريبِ إن يكُن للسّواد مِنك نصِيبٌ فبَيَاض الأخلاق منك نَصيبي قال المأمون: أسْتحسن من قول الحُكماء: الجودُ بَذْل المَوْجود والبُخل بَطَر بالمَعْبود عزّ وجلّ.
قالت أُمُّ جعفر زُبيدة بنت جعفر للمأمون حين دَخلت عليه بعد قتْل ابنها: الحمد لله الذي ادّخرك لي لمَّا أثكَلني وَلَدي ما ثكِلت ولداً كنتَ لي عوضاً منه.
فلما خرجَت قال المأمون لأحمد بن أبي خالد: ما ظننتُ أن نِساءَ جُبلن على مِثل هذا الصَّبر".
وقال أبو جَعفر لعمرو بن عُبيد: أعنِّي بأصحابك يا أبا عُثمان قال: ارفع عَلَم الحقّ يَتْبعك أهلُه.
النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع