من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)
باب المتعصبين للعرب
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
قال أصحابُ العصبيَّة من العَرب: لو لم يكن منّا على الموْلَى عَتاقة ولا إحسان إلا استنقاذنا له من الكُفر وإخراجنا له من دار الشّرك إلى دار الإيمان كما في الأثر: إنَّ قَوْماً يُقادون إلى حُظوظهم بالسَّوَاجير.
وكما قالوا: عَجِب ربُّنا مِن قَوم يقادون إلى الجنَة في السلاسل.
يريد إخراجهم من أرض الشرك إلى أرض الإسلام لَكَفي.
على أنَّا تَعَرَّضنا للقَتْل فيهم.
فمن أعْظَم عليك نعمةً مِمَّن قَتل نفسَه لحياتك فالله أمرنا بقتالكم وفرض علينا جِهادَكم ورَغَّبنا في مُكاتبتكم.
وقدَّم نافعُ بن جُبير بن مطْعِم رجلاً من أهل الموالي يُصلِّي به فقالوا له في ذلك فقال: إنَّما أردتُ أن أتواضع لله بالصَّلاة خلفَه.
وكان نافعُ بن جُبير هذا إذا مَرَّت به جِنازة قال: من هذا فإِذا قالوا: قُرشي قال: واقَوْماه! وإذا قالوا: عربيّ قال: وابلدَتاه! وإذا قالوا: مَوْلى قال: هو مالُ الله يَأخذ ما شاء ويَدَع ما شاء.
قال: وكانوا يَقُولون: لا يَقْطع الصلاةَ إلا ثلاثة: حِمار أو كَلب أو مَوْلى.
وكانوا لا يَكْنُونهم بالكُنَى ولا يَدْعُونهم إلا بالأسماء والألْقاب ولا يَمْشون في الصَّف معهم ولا يُقَدِّمونهم في المَوْكب وإن حَضَروا طَعاماً قاموا على رؤوسهم وإن أطْعموا المولَى لسنّه وفَضله وعِلْمه أَجْلسوه في طَرف الخِوَان لئلا يَخفي على الناظر أنه ليس من العَرب ولا يدعونهم يُصلّون على الجَنائز إذا حَضر أحد من العرب وإن كان الذي يَحُضر غَرِيراً.
وكان الخاطب لا يَخطب المرأَةَ منهم إلى أَبيها ولا إلى أخيها وإنما يَخْطُبها إلى مَواليها فإن رَضيَ زُوِّج وإلا رُدَّ فإنْ زَوّج الأب والأخ بغير رَأي مَواليه فُسخ النِّكاح وإن كان قد دَخل بها وكان سِفاحاً غيرَ نِكاح.
وقال زِياد: دعا مُعاوِية الأحْنف بن قَيْس وسَمُرة بن جُنْدب فقال: إنِّي رأيتُ هذه الحَمْراء قد كَثُرت وأَراها قد طعنت على السَّلف وكأني أنظر إلى وَثْبة منهم على العَرب والسُّلطان فقد رأيتُ أن أقتل شَطْراً وأدع شَطْراً لإقامة السُّوق وعِمَارة الطريق فما تَرَوْن فقال الأحنف: أَرى أنَّ نَفْسي لا تَطِيب يُقْتل أخِي لأمي وخالي وَمَوْلاي! وقد شارَكْناهم وشاركونا في النّسب فظننتُ أنِّي قد قُتلتُ عنهم وأطرق.
فقال سَمُرة بن جُنْدب: أجعلها إلي أيها الأمير فأنا أتولّى ذلك منهم وأبْلُغ إلى ما تريد منه.
فقال: قوموا حتى أنْظر في هذا الأمر.
قال الأحْنف: فَقُمْنا عنه وأنا خائفٌ وأتيت أهْلي حَزِيناً.
فلما كان بالغَداة أرسل إليَّ فعلمتُ أنه أخذ برَأيي وتَركَ رَأي سَمُرة.
ورُوي أنَّ عامرَ بن عبد القَيْس في نُسْكه وزُهده وتَقشُّفه وإخباته وعبادته كَلَّمه حُمْران مولى عثمان بن عَفّان عند عبد الله بن عامر صاحب العِراق في تَشْنِيع عامر على عثمان وطَعْنه عليه فأَنكر ذلك فقال له حُمْران: لا كَثَّر الله فينا مِثلَك فقال له عامر: بل كَثَّر الله فينا مثلك فَقِيل له أَيدعو عليك وتَدعو له قال: نعم يَكْسَحون طُرَقنا ويَخْرِزون خِفافنا ويَحُوكون ثِيابنا.
فاستوى ابن عامر جالساً وكان مُتّكئاً فقال: ما كنتُ أظنُّك تَعْرِف هذا البابَ لِفَضْلك وزَهادَتك فقال: ليس كلُّ ما ظننتَ أنّي لا أعرفُه لا أَعرفه.
وقالوا: إنّ خالد بن عبد الله بن خالد بن أَسِيد لما وجّه أخاه عبدَ العزيز إلى قتال الأزارقة هَزموه وقَتلوا صاحَبه مُقاتِلَ بنَ مِسْمعٍ وسَبَوُا امرأته أُمِ حَفْص بنت المنذر بن الجارود العَبْدي فأقاموها في السّوق حاسرَةً بادية المحاسن غَالَوْا فيها وكانت من أَكمَل الناس كمالاً وَحُسْناً فتَزَايدت فيها العَرب والمَوالى وكانت العَرب تَزيد فيها على العَصبيَّة والموالى تزيد فيها على الوَلاء حتى بَلّغتها العربُ عِشرين ألفاً ثم تزايدوا فيها حتى بَلَّغوها تسعين ألفاً فأقبل رجلٌ من الخوارج من عبد القَيْس من خَلْفها بالسيفِ فضرَب عُنقها فأخذوه ورَفَعوه إلى قَطريّ بن الفُجاءة فقالوا: يا أمير المُؤمنين إن هذا استهلك تَسْعين ألفاً من بَيْت المال وقَتل أَمَة من إماء المؤمنين فقال له: ما تقول قال: يا أمير المؤمنين إني رأيتُ هؤلاء الإسماعيلية والإسحاقية.
قد تنازعوا عليها حتى ارتفعت الأصوات وِاحمرّت الحَدق فلم يَبْق إلاّ الخَبْط بالسّيوف فرأيتُ أَنَّ تسعينَ أَلفاً في جَنب ما خشِيت من الفِتنة بين المسلمين هَيّنة.
فقال قطريّ: خَلُّوا عنه عَينْ من عُيون الله أصابتها.
قالوا: فأَقِدْ منه قال: لا أُقيد من وَزَعَة الله ثم قَدِم هذا العَبْديّ بعد ذلك البَصرةَ وأتى المُنذَر بن الجارود قال أبو عُبيدة: مَرّ عبد الله بن الأهتم بقوم من الموالي وهم يتذاكرون النَّحو فقال: لئن أصلحتموه إنَّكم لأولُ مَنْ أفسده.
قال أبو عُبيدة: ليته سَمِع لحن صَفْوان وحاقان ومُؤمّل بن خاقان.
الأصمعيّ قال: قَدِمَ أبو مَهْدِيَّة الأعرابي من البادية فقال له رجل: أبا مَهْدِية أتَتَوضأون بالبادية قال: والله يا بن أخي لقد كُنّا نتوضأ فيكفينا التَّوضُّؤ الواحد الثلاثة الأيام والأربعة حتى دخلت علينا هذه الحمراء يعني المَوَالي فَجَعَلت تًلِيق أَستاهها بالماء كما تُلاق الدَّوَاة.
ونظرَ رجلٌ من الأعراب إلى رجل من الموالي يَسْتَنْجي بماء كثير فقال له: إلى كَم تَغْسِلها ويلك! أَتُريد أن تَشْرَب بها سَوِيقاً وكان عَقِيل بن عُلَّفة المريَّ أشدَّ الناس حَمِيَّة في العرب وكان ساكناً في البادية وكان يصْهِر إليه الخلفاء.
وقال لعبد الملك بن مَرْوَان إذ خطب إليه ابنته الجَرْباء: جَنِّبْني هُجْناء وَلدك.
وهو القائل: كُنَّا بني غَيْظٍ رجالاً فأَصْبَحت بنو مالك غَيْظاً وصِرْنا لمالك لحَى اللَهُ دهراً ذَعْذَعَ المال كُلَّه وسوَّدَ أَشْباه الإماء العَوَارك وقال ابن أبي لَيلى: قال لي عيسى بنُ موسى وكان جائراً شديد العَصَبيّة.
مَن كان فَقيه البَصْرة قلتُ: الحسنُ بن أبي الحسن قال: ثمّ مَن قلت: محمد بن سيرين قال: فما هما قلت: مَوْليان قال: فمَن كان فقيه مكة قلت: عَطاء بن أبي رَباح ومُجاهد بن جَبْر وسَعِيد بن جُبير وسُليمان بن يسار قال: فما هؤلاء قلتُ: موإلى قال: فمن فقهاء المدينة قلت: زَيْد بن أَسْلم ومحمد ابن المُنكدر ونافع بن أبي نَجيح قال: فما هؤلاء قلت: مَوالى.
فتغيّر لونه ثم قال: فمن أفقه أهل قُباء قلتُ: رَبيعة الرأي وابن الزّناد قال: فما كانا قلت: من الموالي.
فاربدّ وجهه ثم قال: فمَن كان فقيه اليمن قلت: طاووس وابنه وهَمّام بن مُنبّه قال: فما هؤلاء قلت: من الموالي.
فانتفخت أوداجُه وانتصب قاعداً ثم قال: فمن كان فقيه خُراسان قلت: عطاء بن عبد الله الخُرِاساني قال: فما كان عطاء هذا قلت: مَولى.
فازداد وجهُه تربّداً واسودّ اسوداداً حتى خِفْته ثم قال: فمَن كان فقيه الشام قلت: مَكْحول قال: فما كان مكحول هذا قلت: مولى.
فازداد تغيظاً وحَنقاً ثم قال: فمَن كان فقيه الجزيرة قلت: ميمون بن مِهْران قال فما كان قلت: مولى.
قال: فتنفَّس الصُّعداء ثم قال: فمَن كان فقيه الكوفة قال: فوالله لولا خوفه لقلت: الحَكم بن عُيَينة وَعمَّار بن أبي سليمان ولكن رأيتُ فيه الشرَّ فقلت: إبراهيم والشَّعبي قال: فما كانا قلتُ عَربيَّان قال: الله أكبر وسكَن جأشه.
وذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب المَوالي والعرب: أن الحجَّاج لما خرج عليه ابن الأشعث وعبدُ الله بن الجارود ولَقي ما لقي من قُرَى أهل العراق وكان أكثر مَن قاتله وخَلعه وخرج عليه الفُقهاء والمُقاتلة والمَوالى من أهل البصرة فلمّا عَلِم أنهم الجمهور الأكبر والسَّواد الأعْظم أَحَبَّ أَنْ يُسْقِط ديوانَهم ويفرَّق جماعتهم حتى لا يتألَّفوا ولا يَتعاقدوا فأقبل على الموالي وقال أنتم عُلوج وعَجم وقُراكم أَوْلى بكم ففرَّقهم وفَضَّ جَمْعهم كيف أَحَبَّ وسَيَّرهم كيف شاء ونَقش على يد كلِّ رجل منهم اسمَ البَلْدة التي وَجَّهه إليها وكانَ الذي تولًى ذلك منهم رجلٌ من بني سَعْد بن عِجْل بن لُجَيم يقال له خِرَاش بن جابر.
وقال شاعرهمِ: وأَنْت مَنْ نَقَش العِجْليُّ رَاحتَه فَرَّ شيخًك حتى عاد بالحَكَم يُريد الحَكم بن أيوب الثَّقَفي عامل الحجَّاج على البَصرة.
وقال آخر وهو يعني أهل الكوفة وقد كان قاضيَهم رجلٌ من الموالي يقال له نوح بن دَرَّاج: إنّ القيامة فيما أَحسب اقتربتْ إذ كان قاضِيَكُمْ نوحُ بن دَرَّاج لو كان حيّا له الحجّاج مابَقِيَتْ صحيحةً كفُّه من نَقْش حَجَّاج وقال آخر: جاريةٌ لم تَدْرِ ما سَوْقُ الإبل أخْرَجَها الحجَّاجُ من كِنّ وظلّ لو كان شاهداً حذَيف وَحَمَل ما نُقِشَتْ كَفّاك من غير جَدَلْ ويرْوَى أنِّ أعرابياً من بني العَنْبر دخل علىِ سَوَّار القاضيِ فقال: إنّ أبي مات وتركني وأخاً لي وخَطَّ خَطَّيْن ثم قال: وهَجِيناً ثم خط خَطّاً ناحية فكيف يُقَسم المال فقال له سوَّار: ها هنا وارثٌ غيركم قال: لا قال: فالمالُ أثلاثاً قال: ما أَحْسَبُك فهمت عنّي إنه تَرَكني وأخي وَهجيناً فكيْف يأخذ الهجينُ كما آخذ أنا وكما يأخذ أخي قال: أجَل فغضب الإعرابيِّ ثم أقبل على سَوّار فقال: والله لقد علمت أنك قليل الخالات بالدّهناء قال سَوّار: لا يَضرّني ذلك عند الله شيئاً.
النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع