تجاوز إلى المحتوى

من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)

خطبة للحجاج

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

ذكروا أن الحجّاج مَرض ففرح أهلُ العراق وقالوا: مات الحجاج.

فلما بلغه تحاملَ حتى صَعِد المنبر فقال: يأهل الشِّقاق والنَفاق نَفخ إبليسُ في مَناخِركم فقُلتم: مات الحجَّاج مات الحجاج.

فَمَهْ والله ما أحب ألاّ أموت وما أرْجو الخَيْر كُلّه إلاّ بعد الموت وما رأيتُ الله عزّ وجل كتب الخلود لأحدٍ من خَلقه إلا لأهونهم عليه إبليس.

ولقد رأيتُ العَبْد الصالح سأل ربه وقال: ربِّ أغْفِر لي وَهَبْ لي مُلكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدِ مِن بَعْدِي إنّك أنتَ الوَهاب.

فَفَعل ثم اضمحل كأنْ لم يكن.

وخطبة للحجاج خطب فقال في خُطبته: سَوْطى سَيْفيِ ونجاده في عُنقي وقائمُه في يَدي وذُبابه قِلادة لمن اغترِّ بي.

فقال الحسن: بُؤساَ لهذا ما أغَرِّه بالله! وحلف رجل بالطلاق: إن الحجّاج في النار ثم أتي زوجتَه فمنعتهُ نفسها فأتى ابن شُبرمة يَستفتيه فقال: يا بن أخي امض فكُن مع أهلك فإنّ الحجاج إن لم يكن من أهل النار فلا يَضرُك أن تَزْني.

هذا ما ذكرنا في كِتابنا من الخًطب للحجّاج وما بقي منها فهي مستقصاة في كتاب اليتيمة الثانية حيث ذكرت أخبارَ زياد والحجَّاج وإنما مَذْهبنا في كِتابنا هذا أنْ نأخذ من كل شىِء أحْسَنه ونَحْذف الكثيرَ الذي يُجتزأ منه بالقليل.

خطبة لطاهر بن الحسين لمّا افتتح مدينة السًلام صَعِد المْنبر وأُحضر جماعةُ من بني هاشم والقُواد وغيرهم فقال: الحمدُ لله مالكِ الملك يُؤْتي المُلْك مَن يشاء وَينزع المُلك ممن يشاء ويُعز من يشاء ويُذل مَن يشاء ولا يُصلحِ عَمل المُفسدين ولا يَهْدي كَيْدَ الخائنين.

إنً ظُهور غَلَبتنا لم يكن عن أيْدنا ولا كيدنا بل اختار الله لخِلافته إذ جعلها عَموداً لدينه وقَواما لِعباده من يستقل بأعبائها ويَضطلع بحمْلها.

خطبة لعبد الله بن طاهر خطب الناسَ وقد تَيسر لقتال الخوارج فقال: إنكم فئةُ الله المُجاهدون عن حقّه الذابّون عن ديِنه الذائدون عن مَحارمه الدّاعون إلى ما أمر به من الاعتصام بَحبْله والطاعةِ لوُلاة أمْره الذيغي جَعلهم رعاة الذين ونظامَ المُسلمين فاستنجِزُوا مَوْعود الله ونَصره بِمُجاهدة عدوَه وأهْل مَعْصيته الذين أشِروا وتَمَرِّدوا وشَقُّوا العصا وفارقوا الجماعة ومَرَقوا من الدين وسَعَوْا في الأرض فساداً فإنه يقول تبارك وتعالى: «إنْ تَنْصرُوا الله يَنْصُرْكم ويُثَبت أقدامَكم» عفلْيكن الصَبرُ معقِلَكم الذي إليه تَلْجئون وعُدَتكم التي بها تَسْتظهرون فإنه الوزر المَنيع الذي دَلَّكم الله عليه والجُنة الحَصِينة التي أمرِكم الله بلباسها.

غُضُّوا أبصاركم واخفتوا أصواتَكم في مَصافكم وامضُوا قُدُماً على بصائركمٍ فارِغين إلى ذِكْر الله والاستعانة به كما أمركم الله فإنه يقوك: " إذا لَقِيتُم فئةً فاثبتُوا وأذكروا الله كَثِيراً لعلّكم تُفْلحون.

أيْدكم الله بعزّ الصَّبر وَوَليكم بالحِياطة والنّصر.

خطبة لقتيبة بن مسلم قام بِخُراسان حين خلع سليمان بن عبد الملك فَصَعِد المنبر فَحَمد اللهّ وأثنى عليه ثم قال: أتَدْرون مَن تُبايعون إنما تُبايعون يزيدَ بن مَرْوان - يعني هَبنقّة القَيْسي - كأني بكم وحَكَم جائر قد أتاكم يَحْكُم في أموالكم ودِمَائكم وفُروجكم وأبْشاركم.

ثم قال: الأعْراب! وما الأعراب! لعن الله الأعْراب! جَمعتُهم كما يُجمع فَرْخ الخَرْبَق من مَنابت الشِّيح والقَيْصوم والفلفل يَرْكبون البَقَر ويَأكلون الهَبِيد.

فحملتُهم على الخيل وألبستهمٍ السّلاخ حتى مَنع الله بهم البلاد وجُبي بهيم الفيء.

قالُوا: مُرنا بأمرك.

قال: غُرّوا غيري.

خطبة لقتيبة بن مسلم يأهل العِراق ألستُ أعْلمَ الناس بكم.

أمّا هذا الحيّ من أهل العالية فَنَعمُ الصًدقة وأمّا هذا الحيُّ من بكر بنِ وائِل فعِلَجة بَظراء لا تَمنع رِجْلَيها وأما هذا الحيّ من عبد القَبس فما ضرَب العَيْر بذَنبه وأما هذا الحيّ من الأزْد فعُلُوج خَلْق اللهّ وأنْباطه.

وايم الله لو ملكتُ أمر الناس لنَقَشْتُ أيدِيهَم وأمّا هذا الحيّ من تميم فإنهم كانوا يُسمّون الغَدْرَ في الجاهليِّة كَيْسان.

وقال الشاعر: إذا كنتَ من سَعْد وخالُك منهمُ بعيداً فلا يَغْرُرْك خالُك من سَعْدِ إذا ما دَعَوْا كَيْسان كانت كُهولُهمْ إلى الغَدر أدنى من شَبابهم المُرْد وخطبة لقتيبة بن مسلم يأهل خُراسان قد جَربكم الوُلاة قبلي أتاكم أُميّة فكان كاَسمه أُميّةَ الرأي وأُميّة الدين فكتب إلى خَليفته: إنّ خراج خُراسان لو كان في مَطْبخه لم يَكْفه.

ثم أتاكم بعده أبو سعيد ثلاثاً لا تدرون أفي طاعة اللهّ أنتم أم في مَعْصيته! ثم لم يجْب فيئا ولم يَبْل عَدوًّا ثم أتاكم بنوه بعده مثلَ أطْباء الكَلْبة منهم ابن دَحْمة حِصان يَضرب في عانة لقد كان أبوه يخافه على أُمّهات أولاده.

ثم أصْبحتم وقد فَتح الله عليكم البلاد حتى إنَ الظَّعينة لتخرج من مَرْو إلى سَمَرْقند في غير جوار.

قوله: أبو سعيد يريد المُهلّب بن أبي صُفْرة وقوله: ابن دَحْمة يريد يزيد بن المُهلب.

خطبة ليزيد بن المهلب حمد الله وأثْنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس إني أسْمع قول الرًعاع: قد جاء العَبّاس قد جاء مَسْلمة قد جاء أهلُ الشام.

وما أهل الشام إلاّ تِسْعة أسْيَاف منها سَبْعة مَعِي واثنان عَليّ وما مَسْلمة إلا جرادة صَفْراء وأما العبَّاس فبسطوس بن بسطوس أتاكم في بَرابرة وصَقالبة وجَرَامقة وأقْباط وأنباط وأخلاط أقبل إليكم الفَلاّحون والأوباش كأشلاء اللحم واللهّ ما لَقُوا قطُّ حدًّا كحدّكم ولا حديداً كحَديدكم.

أعيرُوني سواعَدكم ساعةَ من نهار تصفقون بها خراطيمَهم فإنما هي غَدْوة أو رَوْحة حتى يحكم اللهّ بيننا وهو خيرُ الحاكمين.

خطبة لقس بن ساعدة الأيادي ابن عبّاس قال: قَدِيم وَفْد إياد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم يعرف قُسي بن ساعدة الإياديّ قالوا: كُلنا يعرفه.

قال: فما فَعل قالوا: هَلَك.

قال: ما أنْساه بسُوق عُكاظ في الشهر الحَرام على جَمَل له أحْمر وهو يَخْطُب الناس ويقول اسمعوا وعُوا مَن عاش مات ومَن مات فات وكلّ ما هو آت آت إنّ في السماء لخبراً وإنّ في الأرْض لَعِبَرا سَحَائِبُ تَمُور ونُجُوم تَغُور لا فلك يَدور ويُقْسم قُسقٌ قَسَماً إن لله لدينا هو أرضى من دِينكم هذا.

ثم قال: مالي أرى الناس يَذْهبون ولا يَرْجِعون أَرَضُوا بالإقامة فأقاموا أم تُركوا فناموا أيُّكم يَرْوي من شِعره فأنشد بعضهم: في الذَّاهبين الأوَّلي ن مِنَ القُرون لنا بَصَائرْ لما رأيتُ موارداً للمَوْتِ ليس لها مَصادر ورأيتُ قَوْمي نَحْوَها يَمْضي الأكابر والأصَاغر لا يَرْجِع الماضي ولا يَبقى من الباقِين غابِر أيقنتُ أنِّي لا مَحا لةَ حيثُ صار القومُ صائر خطبة لعائشة أم المؤمنين رحمها الله يوم الجمل: قالت: أيها الناس صَهْ صَه إنّ لي عليكم حُرْمَة الأمومة وحق المَوْعظة لا يتّهمني إلا مَنْ عَمى ربّه مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سَحْري ونَحْري فأنا إحدَى نسائه في الجَنّة له ادّخَرَني ربِّي وخلصني من كل بُضْع وبي مَيّز مُؤمنكم من مُنافقكم وبي أرْخَصِ الله لكم في صَعِيد الأبْوَاء ثم أبِي ثاني اثنين اللهّ ثالثهما وأوَّل من سُمِّي صِدِّيقاً.

مَضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم راضياً عنه وطَوَقه أعباء الإمامة ثم اضطرب حَبْل الدِّين بعده فَمَسَك أبي بطَرَفَيه وَرتَقَ لكم فَتْق النِّفاق وأغاض نَبْع الرِّدّة وأطفأ ما حَشِّت يهود وأنتم يومئذ جُحْظ العيون تَنْظرون العَدْوة وتَسْمعون الصَّيْحة فرأب الثّأْي وأوَدَ من الغِلْظَة واِمتاح من الهُوّة حتى اجْتَحى دفينَ الداء وحتى أَعْطن الوارد وأوْرد الصادر وعَلّ الناهل فقبضه اللهّ إليه واطئاً على هامات النّفاق مُذْكِيَاً نار الحَرْب علىِ المشركين فانتظمت طاعتُكم بحَبْلهِ فَوَلّى أمركم رجلاً مُرْعِيَاً إذ رًكِنَ إليه بعيداً ما بين الَّلابتين إذا ضُلّ عُرَكَة للأذاة بجَنبه صَفُوحاً عن أذى الجاهلين يقظان الليل في نُصْرَة الإسلام فسلك مَسْلك السابقيه ففرّق شَمْل الفِتْنَة وجَمَع أعضاد ما جَمَّع القرآن وأنا نُصْب المسألة عنِ مَسِيري هذا لم ألتمس إثماً ولم أُؤَرِّث فتنة أُوطئكموها.

أقول قولي هذا صِدْقاَ وعَدْلاً وإعذاراً وإنذاراً وأسأل اللهّ أن يصلّي على محمد وأن يُخَلِّفه فيكم بأفضل خِلافة المُرسلين.

خطبة لعبد الله بن مسعود أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العُرى كلمة التقوى أكرم الملل مِلَّة إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

خَيْر السُّنن سنةُ محمد صلى الله عليه وسلم شَرُّ الُأمور مُحْدَثاتُها وخيرُ الأمور أوْساطًها.

ما قلَّ وكَفى خَيْرٌ مما كَثُرَ وألهى.

لَنفس تُحييها خير من إمارة لا تُحْصيها.

خيْرُ الغِنى غنى النَّفس.

خيْرُ ما أُلْقِيَ في القلْب اليَقين.

الخمرُ جماع الآثام.

النساء حبائلُ الشيطان.

الشِّباب شُعبة من الجنون.

حُبًّ الكِفاية مِفْتاح الَمَعْجزة.

شرّ الناس مَن لا يأتي الجماعة إلا دُبْراً ولا يذكر اللهّ إلا هُجْراً سِباب المؤمن فُسُوق وقِتاله كُفر وأكل لَحْمه معصية.

من يَتأالِّ على الله يُكْذِبه ومَن يغفر يغفرْ له.

مَكتوب في ديوان المُحْسنين: مَن عفا عُفِيَ عنه.

الشقيَ شَقِىّ في بَطْن أُمِّه.

السَّعيد مَن وُعظ بغيره.

الُأمور بعواقبها.

مِلَاك الأمْر خواتُمه.

أحسنُ الهُدى هُدى الأنبياء.

أقبح الضَّلالة الضلالة بعد الهُدَى.

أشرَفُ الموْت الشَّهادة.

مَن يَعرف البلاء ويَصْبر خطبة لعتبة بن غزوان بعد فتح الأبلة حِمدَ الله وأثنى عليه ثم صلّى على النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: إنّ الدنيا قد تولَّت وقد أذنَت أهلَها منها بصرم وإنما بَقي منها صُبَابة كصُبابة الإناء يَصْطَبُها صاحبُها.

ألَا وإنكم مُفارقوها لا محالةَ فارقوها بأحسن ما يَحْضُركم.

أَلا وإن من العجب أَني سمعت رسولَ اللهّ صلى الله عليه وسلم يقول: إنّ الحَجَر الضَّخْم يُرمى به في شَفِير جهنَّم فَيَهْوي قي النار سبعين خريفاً ولجهنم سبعة أبواب بين كل بابين منها مَسِيرةُ خَمْسُمائة عام وليأتينّ عليها ساعة ولها كَظيظ بالزحام.

ولقد كنتُ مع رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم سابعَ سبعة ما لنا طَعام إلّا وَرق البَشام حتى قرِحت أَشداقُنا فوجدتُ أنا وسعد بن مالك تمرة فشققتًها بيني وبينه نِصْفين وما منّا أحد اليوم إلّا وهو أمير على مِصْر.

انه لم تكن نَبْوة قط إلّا تناسخت وأنا أَعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وفي أعين الناس صغيراً.

خطبة لعمرو بن سعيد الأشرق لمّا عقد مُعاويةُ ليزيد البَيعة قام الناس يَخْطُبون فقال لعمرو بن سَعيد: قُم يا أبا أُمية.

فقام فَحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنّ يزيدَ بنَ مُعاوية أَملٌ تأملونه وأجل تأمنونه إن استَضَفْتم إلى حِلمه وسَعكم وإن احتجتم إلى رأيه أَرْشدكم وإن افتقرتم إلى ذات يده أَغناكم جَذَع قارِح سُوبق فَسَبق ومُوجد فَمَجُد وقورع فَقَرع فهو خَلف أمير المؤمنين ولا خَلَف منه.

فقال له له معاوية: أَوْسعتَ أبا أُمية فاجلس.

خطبة لعمرو بن سعيد بالمدينة قال أبو الفَضل العبّاس بن الفَرج الرِّياشي: حَدّثنا ابن عائشة قال: قدِم عمرو بن سعيد بن العاص الَأشدق المدينة أميراً فخرجِ إلى مِنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَعد عليه وغَمَّضَ عينيه وعليه جُبَّة خَزّ قِرْمِز ومُطْرَف خزّ قِرْمِز وعِمامة خَزّ قِرْمِز.

فجعل أهلُ المدينة يَنْظرون إلى ثيابه إعجاباً بها.

ففتح عَينيه فإذا الناسُ يَنْظرون إليه فقال: ما بالُكُها بأهل المدينة تَرفَعون إليّ أبصارَكم كأنكم تُريدون أن تَضْربونا بسيُوفكم! أغركم أنكمِ فَعلتم ما فَعلتم فَعَفَونا عنكم! أما إنّه لو أُثبتمِ بالأولى ما كانت الثانية.

أَغرّكم أنكم قتلتم عثمان فوافقتم ثائرَنا منّا رفيقاً قد فني غضَبهُ وبَقي حِلْمُه! اغتنموأ أنفسَكم فقد والله مَلكناكم بالشَباب المُقْتَبل البعيد الَأمل الطويل الأجل حين فَرغ من الصِّغر ودَخل في الكبر حليم حديد ليّن شديد رقيق كثيف رفيقِ عنيف حين اشتدّ عَطمه واعتدل جِسْمه ورمى الدّهرَ ببمره واستقبله بأَشره فهو إن عَضّ نَهس وإن سَطا فَرس لا يُقَلْقل له الحَصى ولا تقرع له العَصا رلا يَمْشي السُمَّهى.

قال: فما بَقِي بعد ذلك إلّا ثلاثَ سنين وثمانيةَ أشهر حتى قَصَمه اللهّ.

خطبة لعمرو بمكة العُتبيّ قال استَعمل سعيدُ بن العاص وهو والٍ على المدينة ابنه عمرِو بن سَعيد والياً على مكة فلمّا قَدِم لم يَلْقه قُرشيّ ولا أُمويّ إلاّ أن يكون الحارث بن نَوْفل فلمّا لَقيه قال له: يا حار ما الذي مَنع قومَك أن يَلقَوْني كما لقَيتَني قال: ما مَنعهم من ذلك إلّا ما استقبلتنى به واللهّ ما كَنَّيتني ولا أئمَمْتَ اسمي وإنما أَنْهاك عن التّكبر على أَكْفائك فإنَ ذلك لا يَرْفعك عليهم ولا يَضَعهم لك.

قال والله ما أَسأتَ المَوْعظة ولا أَتهمكُ على النَّصيحة وإنّ الذي رأيتَ منِّي لَخُلُق.

فلمّا دَخل مكةَ قام على المِنْبر فَحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد مَعْشَر أهل مكة فإنّا سكنَاها حِقْبة وخَرجنا عنها رَغبة وكذاسك كُنَّا إذا رُفعت لنا لُهْوة بعد لُهوة أَخَذْنا أَسْناها ونَزَلِنا أعلاها ثمٍ شَدَخِ أَمْر أمرين فَقَتلنا وقُتلدنا فوالله ما نَزعْنا ولا نُزع عَنَّا حتى شرب الدَّم دماً وأكل اللحم لحماً وقَرع العَظْم عَظْماً فَوَلي رسولُ اللهّ صلى الله عليه وسلم برسالة الله إيّاه واختياره له ثم وَلِي أبو بكر لسابقتِه وفَضْله ثم ولَي عُمر ثم أُجيلت قِداح نُزعن من شُعب حول نبعة ففاز بحَظها أَصْلَبُها وأَعْتقها فكُنّا بعضَ قداحها ثم شَدَخ أَمر بين أمرين فقتَلنا وقُتلنا فوالله ما نَزعنا ولا نُزع عنا حتى شرَب الدم دماً وأكل اللحم لحماً وقَرعٍ العظم عظماً وعاد الْحَرامُ حلالاً وُأسْكت كلُّ ذِي حِسّ عنِ ضرْب مُهنَّد عَرْكا عَرْكاً وعَسْفاً عَسْفاً ووَخْزاً ونَهْساً حتى طابوا عن حَقّنا نَفْساً.

والله ما أَعْطَوْه عن هَوادة ولا رَضُوا فيه بالقضاء أُصْبحوا يقولون: حَقُّنا غُلبنا عليه فَجَزينا هذا بهذا وهذا في هذا.

يأهلِ مكة أنفسَكم أنفسكم وسُفهاءكم سُفهاءكم فإن معي سوطاً نكالاً وسَيفاً وَبالاً وكل مصبوب على أهله ثم نزل.

خطبة للأحنف بن قيس قال بعد حَمْد الله والثَّناء عليه: يا مَعْشر الأزْد ورَبيعة أنتم! إخوانُنا في الدِّين وشُركاؤنا في الصِّهْر وأَشقّاؤنا في النَّسب وجيرانُنا في الدار ويَدُنا على العدوّ.

والله لأزْد البَصْرة أَحَبّ إلينا من تميم الكوفة ولأزْد الكوفة أحبًّ إلينا من تميم الشام فإن استشرى شنانكم وأَبَى حَسَد صُدوركم ففي أحلامنا وأَمْوالنا سَعة لنا ولكم.

خطبة ليوسف بن عمر قام خطيباً فقال: اْتقوا اللهّ عباد الله فكم مُؤمِّل أملاً لا يَبْلغه وجامع مالاً لا يأكله ومانع عمّا سوف يَتركه ولعلّه من باطل جمعه ومن حق مَنَعه.

أصابه حرِاماً وأَوْرثهً عدوِّاً حلالاً بم فاحتمل إصرَه وباء بوِزْره ووردَ على ربِّه أسفاً لَهِفاً خَسِرَ الدُّنيا والآخرة ذلك هو الخُسران المُبين.

خطبة لشداد بن أوس الطائي حَمد الله وأثنى عليه وقال: ألَا إنّ الدُّنيا عَرَض حاضر يأكل منها البَرّ والفاجِر.

ألَا إن الآخِرَة وَعْد صادق يحكم فيها مَلك قادر.

ألَا إنّ الخَيْر كُلَّه بحذافيره في الجنّة ألا إن الشر كُلَّه بحذافيره في النار.

فاعْملوا ما عَمِلتم وأنتم في يقين من الله واعلموا أنكم مَعْروضة أعمالكمِ على اللهّ فمَن يَعْمل مِثْقالَ ذَرَّة خيراً يَرَه ومَن يَعْمَل مِثْقال ذرّة شرّاً يَرَه وغفَر الله لنا ولكم.

خطبة لخالد بن عبد الله القسريّ صَعِد المِنْبر يوم جُمعة وهو والي مكّة فذكر الحجّاج فأحمد طاعته وأثنى عليه خيراً.

فلمّا كان في الجمعة الثانية وَرد عليه كتابُ سُليمان بن عبد الملك يأمره فيه بشَتْم الحجّاج وذِكْر عيوبه وإظهار البَراءة منه.

فَصعد المِنْبر فَحَمد الله وأثنى عليه ثمِ قال إن إبليس كان مَلَكاً من الملائكة وكان يُظهر من طاعةِ الله ما كانت الملائكة ترى له به فَضْلاً وكان اللهّ قد عَلِم من غِشّه وخًبثه ما خَفِي على ملائكته فلمّا أَراد الله فضيحته ابتلاه بالسًّجود لآدم فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم فَلعنوه وإنّ الحجّاج كان يُظهر من طاعة أمير المًؤمنينِ ما كُنا نرى له به فَضْلاً وكان الله قد أَطْلع أميرَ المُؤمنين من غِشّه وخُبثه على مَا خفِي عنَا فلمّا أراد فَضيحته أَجرى ذلك على يد أَمير المُؤمنين فالعنوه لَعنه الله.

خطبة لمصعب بن الزبير قَدِم العِراق فَصَعد المِنْبر ثم قال: بِسم الله الرحمن الرحيم: طَسِم تِلْكَ آياتُ الكِتاب المُبين نَتلو عليكَ مِن نَبَأ مُوسى وفِرْعَوْنَ بالحقِّ لِقَوْم يُؤمِنُون.

إنّ فِرْعوِن عَلاَ في الأرضْ وجَعَل أَهْلَها شِيَعاً يستضعف طائفةً منهم يُذبحُ أَبناءَهم ويَسْتحْي نِسَاءَهم إنه كان من المُفْسِدين - وأشار بيده نحو الشام ونُرِيد أَنْ نَمُنَّ على الذين اسْتُضْعِفُوا في الأرض ونَجْعَلَهم أَئَمةً ونَجْعَلَهم الوارثين - وأشار بيده نحو الحجاز - ونُمَكِّن لهم في الأرض ونُرِيَ فِرْعون وهامانَ وجنُودهما منهم ما كانوا يَحْذَرون - وأشار بيده نحو العراق.

خطبة للنعمان بن بشير بالكوفة قال: إنّي واللهّ ما وجدتُ مَثَلي ومَثَلَكم إلّا الضّبُعِ والثّعلب أتيا الضّبّ في حُجْره فقالا: أبا حِسْل قال أَجَبتكما قالا: جئْناك نخْتصم قال: في بيته يُؤتىَ الحَكَم قالت الضبعُ: فتحتُ عيْني قال: فِعْل النًساء فَعَلْت قالت: فلقطتُ تَمْرة قال: حُلْواً اجتنيتِ قالت: فاختطَفها ثُعالةَ قال: لنفسه بَغى الخَيْر قالت: فلطمتُه لَطْمة قال: حقَّاً قَضَيْتِ قالت: فَلَطَمني أخرى قال: كان حُرِّاً فانتصر قالت: فاقض الآن بيننا قالت: حَدِّث امرأة حَدِيثين فإن أَبت فاربعْ خطبة شبيب بن شيبة قيل لبعض الخُلفاء إن شَبيب بن شيبة يَستعمل الكلام ويَسْتعدّ له فإنْ أمرتَه أن يَصْعد المِنبر لرجوتَ أن يَفْتضِح.

قال: فأمر رسولَاً فأخذ بيده إلى المَسجد فلم يُفارقه حتى صَعد المنبر فحَمَد لله وأَثنىِ عليه وصلّى على النبيّ صلى الله عليه وسلم حقّ الصلاة عليه ثم قال: ألا إن لأميرِ المُؤمنين أشباهاَ أَرْبعة: الأسَد الخادِر والبَحْر الزاخر والقَمر الباهر والرَّبيع الناضر.

فأمّا الأسد الخادر فأَشبهَ منه صَوْلَتَه ومَضاءه وأمِّا البحر الزاخر فأشبهَ منه جُودَه وعطاءه وأمّا القَمِر الباهر فأشبَه منه نُورَه وضِياءه وأمّا الرَّبيع الناضر فأشبَه منه حُسْنه وبهاءه ثم نزل عن المنبر وأنشأ يقول: ومَوْقف مثل حَدّ السَّيف قمت به أُحْمِي الذِّمَار وتَرْمِيني به الحَدَقُ فما زَلِقْتُ وما ألقيتُ كاذبةً إذا الرجالُ على أَمْثاله زَلِقوا خطبة لعتبة بن أبي سفيان بلغه عن أهل مِصْر شيءٌ فأَغضبه فقام فيهم فقال بعد أنْ حَمِد الله وأثنى عليه: يأهل مصر إيّاكم أن تَكُونوا للسيف حَصِيداً فإنّ الله فيكم ذَبِيحاً بِعُثمان أرجو أن يُولِّيني الله نُسكه.

إنّ اللهّ جَمعكم بأمير المُؤمنين بعد الفرقة فأعْطى كُل ذي حَقّ حقَّه وكانَ والله أَذْكَرَكم إذا ذُكِّر بخُطة وأَصْفَحكِم بعد المَقْدرة عن حقّه نعمةً من الله فيكم ومِنّة منه عليكم.

وقد بَلغنا عنكم نجْمُ قَوْل أَظْهره تَقدّمُ عَفْو مِنَا فلا تَصِيروا إلى وَحْشة الباطل بعد أُنْس الحق بإحياء الفتن وإماتة السُّنَن فَأَطَأَكم والله وَطْأَةً لا رَمَق معها حتى تُنْكروا منّي ما كنتم تَعْرفون وتَسْتخشنوا ما كُنتم تَسْتلينون وأَنا أُشهد عليكم الذي يعلم خائنةَ الأعْين وما تُخفي الصُدور.

خطبة لعتبة بن أبي سفيان يا حامِلي الأم أُنوف رُكّبت بين أعين إنّما قَلَمت أَظْفاري عنكم لِيلينَ مَسيِّ إياكم وسألتُكم صلاحَكم إذ كان فَسادُك! راجعاً عليكم فأمّا إذ أبيتُم إلّا الطّعنَ على الوُلاة والتّنقّص للسَّلف فواللهّ لاقطعن على ظُهوركم بُطون السياط فإن حَسمتْ داءكم وإلّا فالسيفُ من ورائكم.

ولستُ أَبخل عليكم بالعقُوبة إذا جُدْتم لنا بالمَعْصية ولا أُؤْيسكم من مُراجعة الحُسنى إن صِرْتم إلى التي هي أبرُّ وأَتْقى.

خطبة لعتبة بن أبي سفيان لمّا اشْتكى شَكاتَه التِي مات فيها تَحامل إلى المِنْبَر فقال: يأهل مِصرْ لا غِنَى عن الربّ ولا مَهْرَب من ذنْب! إنِّه قد تَقَدَّمت منّي إليكم عُقوبات كُنْت أَرْجو يومئذ الأجرَ فيها وأنا أخافُ اليوم الوِزْر منها فليتَني لا أكونُ اخترتُ دُنياي على مَعادي فأَصْلحتكم بِفَسادي.

وأنا أستغفرالله منكم وأتوب إليه فيكمِ فقد خِفْتُ ما كنتُ أرجو نفعاً عليه ورجوتُ ما كنتُ أخاف اغتيالاً به وقد شقي مَن هلك بين رحمة الله وعقوبته والسلامُ عليكم سلامَ مَن لا تَرَوْنه عائداً إليكم.

قال: فلم يَعُد.

وخطبة لعتبة العُتبيّ: قال سعد القَصر: احتبستْ عنَا كُتبُ معاوية بن أبي سُفْيان حتى أرجف أهلُ مِصْر بموتِه ثم قَدِم علينا كتابُه بسلامته فَصَعِد عُتبةُ المِنْبر والكتابُ في يده فَحَمِد الله وأَثنى عليه ثم قال: يأهل مصرْ قد طالت مُعاتبتنا إيّاكم بأطْراف الرِّماح وظُبات السُيوف حتى صِرْنا شَجىً في لَهَوَاتكم ما تُسيغه حُلوقُكم وأقْذَاءً في أعينكم ما تَطْرِف عليها جُفونُكم.

أفحِين اشتدَت عُرَى الحقّ عليكم عَقْداً واسترخت عُقَد الباطِل عنكم حَلّا أرجفتم بالخَلِيفة وأردْتم تَهْوين الخِلافة وخُضْتم الحقَّ إلى الباطل وأقْدَمُ عَهْدكم به حديث فارْبحوا أَنْفُسَكم إذ خَسِرْتمِ دِينَكم فهذا كتابُ أمير المؤمنين بالخَبر السارّ عنه والعَهْد القَريب منه واعلموا أن سُلطاننا على أَبْدَانكم دون قلوبكم فأَصْلحوا لنا ما ظَهر ونَكِلُكم إلى الله فيما بَطَن واظهروا خَيْراً وإن أضمَرتم شَرّاً فإنكم حاصدُون ما أنتم زارعُون وعلى الله أَتوكّل وبه أستعين.

ثم نزل.

خطبة لعتبة في الموسم سعد القَصر مولى عُتبة بن أبي سُفيان قالت: دَفع عُتبة بن أبي سُفيان بالمَوْسم سنة إحدى وأربعين والناسُ حديثٌ عهدُهم بالفِتْنة فقال بعد أن حَمد الله وأثنى عليه: إنّا قد وَلينا هذا المَقامِ الذي يضاعف الله فِيه للمُحسنين الأجر وللمُسيئين الوِزْر ونحن على طريق ما قصدْنا له فلاَ تَمُدُّوا الأعناق إلى غيرنا فإنها تَنْقطع مِن دُوننا ورُبّ مُتَمنِّ حَتْفُه في أمْنِيّته.

اقبلونا ما قَبِلْنا العافيةَ فيكم وقَبِلْناها منكم وإياكم ولَوْ فإن لو قد أتعبت مَن قَبلكم ولم تُرح مَن بعدكم فأسأل الله أن يُعين كلاً على كل.

فناداه أعرابيّ من ناحية المسجد: أيها الخليفة قال: لستُ به ولم تُبْعِد فقال: يا أخاه فقال: سمعتُ فقُل فقال: والله لأن تُحسنوا وقد أسأنا خيرٌ لكم من أن تُسيئوا وقد أحسنا فإن كان الإحسان لكم فما أحقَّكم بإستتمامه وإن كان لنا فما أحقَّكم بمًكافأتنا رجل من بنىِ عامر بن صَعْصة يتلقَّاكم بالعُمومة ويَخْتص إليكم بالخُؤولة وقد كَثًر عياله ووَطئه زمانُه وبه فَقْر وفيه أجر وعنده شكر.

فقال عتبة: أستغفر الله منكم وأسأله العون عليكم ولد أمرت لك بغِناك فليتَ إسراعَنا إليك يقوم بإبطائنا عنك.

وخطبة لعتبة بن أبي سفيان سعد القَصر قال: وَجّه عُتبة بن أبي سُفيان ابن أخي أبي الأعور السُلميّ إلى مصر فمنعوه الخراج فَقدم عليه عُتبة فقام خطيباً فقال: يأهل مصْر قد كنتم تَعْتذرون لبعض المنع منكم ببَعْض الجَوْر عليكم فقد وَليكم مَن يقول ويَفعل ويَفْعل ويقول فإن رَدَدْتم رَدّكم بيده وإن استصعبتم رَدّكم بسَيفه ثم رجا في الأخِر ما أمل في الأوَّل.

إن البَيْعة مُشَايعة فلنا عليكم السَّمْع والطاعةُ ولكم علينا العَدْل فأينا غَدر فلا ذِمّة له عند صاحبه والله ما انطلقتْ بها ألسنُتنا حتى عقدت عليها قلوبنُا ولا طَلبناها منكم حتى بذَلناها لكمِ ناجزاً بناجز ومن حَذر كمن بَشّر.

قال: فَنادوه: سَمْعاً وطاعة فناداهم.

عَدْلاً عَدْلاً.

خطبة لعتبة قَدِم كتابُ معاوية إلى عُتبة بمصر: إنّ قِبَلك قوماً يَطْعنون على الوُلاة ويَعِيبون السَّلف.

فَخَطبهم فقال: يأهل مصر خَفّ علِى ألسنتكم مَدْحُ الحقّ ولا تَفْعلونه وذَمّ الباطل وأنتم تَأْتونه كالحِمار يَحْمل أسفاراً وأثْقلَه حَمْلُها ولم يَنْفعه عِلْمُها وايم الله لا أداويكم بالسيّف ما صَلَحتم على السَّوط ولا أبلغ بالسوط ما كَفَتْني الدِّرة ولا أبطى عن الأولى ما لم تُسْرعوا إلى الأخرى فالزموا ما أمركم الله به تَسْتَوجِبوا ما فَرض الله لكم علينا وإيّاكم وقال ويقول قبل أن يُقال فَعل ويَفْعل وكونوا خَيْر قَوْس سَهْماً فهذا اليوم الذي ليس قَبله عِقاب ولا بعده عِتاب.

خطب الخوارج خطبة قطري بن الفجاءة في ذم الدنيا صَعِد قطريّ بن الفُجَاءة مِنْبر الأزارقة وهم أحد بني مازن بن عمرو بنِ تميم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أحَذِّركم الدُّنيا فإنها حُلوة خضِرة حُفت بالشَّهوات وراقت بالقليل وتحبّبت بالعاجلة وغُمِرت بالآمال وتَحَلت بالأماني وأزّيّنت بالغُرور لا تَدُوم خضرتها ولا تُؤْمَن فَجْعَتها غَدَّارة ضَرَّارة وحائلة زائلة ونافدة بائدة لا تَعْدو إذا هي تَنَاهت إلى أمنية أهل الرغْبة فيها والرِّضا عنها أن تكون كما قال الله عز وجلَّ: «كماءٍ أنْزَلناه من السَّماء فاخْتَلط به نبات الأرْض فأصْبَحَ هَشِيماً تَذْروه الرِّياح وكانَ الله عَلَى كلِّ شيءٍ مُقْتَدرأ» مع أنَّ أمرأً لم يكن منها في حَبْرة إلا أعْقبته بعدها عَبْرة ولم يَلْق من سَرِّائها بَطْناً إلا مَنَحته من ضَرَائها ظَهْراً ولم تَطُلّه منها دِيمة رَخاء إلا هَطلت عليه مُزْنة بَلاء وحَرِيّ إذا أصبحتْ له مُنتصرة أنْ تُمْسي له خاذلة مُتَنَكِّرة وإنْ جانبٌ منها اعذوذب واحلولى أمرّ عليه منها جانب فأوْبى وإن لَبِس امرؤ من غَضَارتها ورفاهِيتها نِعماً أرْهَقَتْه من نوائبها غمّاً ولم يُمْس امرؤ منها في جَناح أمْن إلا أصْبح منها على قوادم خَوْف.

غرارة عُرُور ما فيها فانية فانٍ ما عليها لا خيْرَ في شيء من زادها إلاّ التّقوى مَن أقل منها اسَتكثر مما يؤمّنه ومن استكثر منها استكثر مما يُوبقه.

كم واثق بها قد فَجَعَته وذي طُمائينة إليها قد صَرَعَته وكم من ذي اختيال فيها قد خَدَعَته وكم من ذي أبهه فيها قد صيَرَّته حَقيراً وذي نخْوَة فيها قد ردَّته ذليلاً وذي تاجٍ قد كَبَّتْه لليدين والفم.

سُلطانها دُوَل وعيشها رَنْق وعذْبُها أجَاج وحُلْوًها مُرّ وغِذاؤها سِمَام وأسبابها رِمَام وقِطَافها سَلَع.

حَيُّها بعَرَض مَوْت وصَحيحها بعَرَض سُقْم ومَنيعها بعَرَض اهتضام.

مَلِيكها مَسْلوب وعزيزها مَغْلوب وصحيحها وسَليمها مَنْكوب وحائزها وجامعُها مَحْروب مع أنَ مِن وَرَاء ذلك سَكراتِ الموت وزَفَرَاته وهَوْل المُطّلع والوُقوف بين يَدَي الحَكَم العَدْل ليَجْزِيَ الذين أساءوا بما عملوا ويجْزيَ الذين أحسنوا بالحُسنى.

ألستُم في مساكن منْ كان منكم أطولَ أعماراً وأوْضَح آثاراً وأعدَ عديداً وأكْثَفَ جُنُوداً وأعمَد عَتَاداً وأصول عِمَاداً! تُعَبِّدُوا للدُّنيا أيِّ تَعَبُّد وأثروها أفيَ إيثار وظَعنوا عنها بالكُرْه والصَغار! فهل بَلَغكم أنَّ الدُّنيا سَمَحَتْ لهم نَفْساً بِفِدْية وأغنَتْ عنهم فيما قد أملتهم به بخَطْب! بل أثقلتهم بالفَوَادح وضعْضَعتهم بالنوائب وعَفرتهم للمناخر وأعانَت عليهم رَيْبَ المَنون وأرهَقَتهم بالمصائب.

وقد رأيتم تنكُّرها لمن دانَ لها وأثرها وأَخْلَد إليها حتى ظَعَنوا عنها لِفِراق الأبد إلى آخِر الأمَد.

هل زؤَدَتهم إلا الشقاء وأَحَفَتهم إلا الضَّنْك أو نوَّرَت لهم إلا بالظلمة وأعْقَبتهم إلا النَّدامة! أفهذه تؤْثِرون أو على هذه تَحْرصون أو إليها تَطْمَئِنّون! يقوله الله تبارك وتعالى: " مَنْ كان يُرِيد الحياة الدُّنيا وزينَتها نُوَفِّ إليهم أعمالَهم فيها وهُم فيها لا يُبْخَسُون.

أولئك الذين ليس لهم في الآخرًة إلا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعوا فيها وباطلٌ ما كانوا يَعْمَلون " فبئست الدَّار لمن لم يتَهمْها ولم يكن فيها على وَجَل منها.

اعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بُدَّ فإنما هي كما نَعَتَ الله عزِّ وجلَّ: «لعب ولَهْوٌ وزينةٌ وتَفَاخُرٌ بينكم وتَكاثُرٌ في الأمْوَال والأولَاد» فاتَّعِظُوا فيها بالذين قال الله تعالى فيهم: أتْبنون بكل رِيعٍ آيةً تَعبثُون.

وتَتَّخِذون مَصانع لَعلَّكم تَخْلُدُون وبالذين قالوا: مَنْ أشَدُّ مِناقوة.

واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حُمِلُوا إلى قُبورهم فلا يُدْعون رُكْباناً وانْزلوا الأجداث فلا يُدْعون ضِيفاناً وجُعِل لهم من الضريح أكنان ومن التراب أكفان ومن الرًّفات جِيران فهم جيرة لا يُجيبون داعِياً ولا يمنعون ضَيماً.

إن أخصَبوا لم يَفْرحوا وإن قَحِطوا لم يَقْنَطوا جَمْعٌ وهُمْ آحاد جيرَة وهم أبعاد مُتَناءون يُزارون ولا يزورون حُلماء قد ذَهَبت أضغانهم وجهلاء قد ماتت أحقادُهم لا يُخْشى فَجْعهم ولا يُرْجي دَفْعهم وهم! كمن لم يكن.

قال الله تعالى: «فَتِلْك مَسَاكنُهم لم تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهم إلّاَ قَليلاً وكُنا نَحْنُ الوارثين» استبدلوا بظَهْر الأرْض بَطْناً وبالسَّعة ضيقاً وبالآل غُرْبة وبالنُّور ظُلْمة فجاءوها حُفاةً عُراةً فرَادى غير أنْ ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة إلى خُلُود الأبد.

يقول الله تبارك وتعالى: كما بَدَأْنَا أوِّلَ خَلْق نعِيدُه وَعْداً عَلَيْنا إنّا كًنّا فاعِلين.

فاحذروا ما حَذّرَكم الله وانتفعوا بمواعظه واعتصموا بِحَبْلِهِ عَصَمنا الله وإياكم بطاعته ورَزَقنا وإياكم أداء حقه ثم نزل.

خطبة لأبي حمزة بمكة خطبهم أبو حمزة الشَّارِي بمكة.

فَصعِدَ المِنْبَر مًتَوكِّئاً على قوس عربية فَخَطب خُطْبة طويلة ثم قال: يأهل مكة تُعيِّرُونني بأصحابي تَزْعمون أنهم شَبَاب وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ شبَاباً! نعم الشباب مُكْتَهلين عَمِيَة عن الشرّ أعيُنهم بَطِيئة عن الباطل أرجُلُهم.

قد نظر الله إليهم في آناء الليل مُنْثنِيَة أصلابهم بمثَاني القرآن إذا مرّ أحدُهم بآية فيها ذِكر الجنّة بكي شوقاً إليها وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شَهَق شهقة كأن زَفير جهنَّم في أُذُنيه.

قد وَصَلُوا كَلالَ ليلهم بكلال نهارهم أنْضَاء عِبادة قد أكلَت الأرضُ جباهَهم وأيديَهم ورُكَبهم.

مُصْفَرّة ألوَانُهم ناحلة أجسامهم من كثرة الصِّيام وطُول القِيَام مُسْتَقِلّون لذلك فٍي جَنْبِ الله مُوفون بعهد الله مستنجزون لوعد اللهّ.

إذا رأوا سِهام العدوّ قد فوِّقَت ورِمَاحه قد أُشْرِعَت وسُيُوفه قد انتضيَت وبَرَقَت الكتيبة ورَعدت بصواعق الموت استهانوا بوَعيد الكَتِيبة لوعد الله فَمضي الشاب منهم قُدماً حتى تَخْتَلِف رجلاًه على عُنق فرسه قد رُمِّلت محاسنُ وجهه بالدِّماء وعُفِّر جَبِينُه بالثرى وأسَرع إليه سِبَاعُ الأرْض وانْحَطت عليه طَيْرُ السّماء فكم من مُقْلة في مِنْقار طائر طالما بَكى صاحبُها من خَشْيَة الله وكم من كَفٍّ بانت عن مِعْصَمها طالما اعتمد عليها صاحبُها في سُجوده وكم من خَدّ عَتيق وَجبين رَقيق قد فُلِق بعَمَد الحديد.

رحمة الله على تلك الأبدان وأدْخل أرْواحها في الجنان.

ثم قال: الناس منّا ونحن منهم إلاّ عابدَ وَثَن أو كفرة أهْل الكتاب أو إماماً جائراً أو شادًّا على عَضُده.

خطبة لأبي حمزة بالمدينة قال مالك بن أنس رحمه الله: خَطبنا أبو حمزة خطبة شكّك فيها المُستبصر وردَت المًرتاب قال: أُوصيكم بتَقْوى الله وطاعته والعَمل بكتابه وسُنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم وصِلة الرَّحم وتَعْظيم ما صَغّرت الجبابرة من حق الله وتَصْغير ما عَظَّمت من الباطل وإماتة ما أحيوا من الجَوْر وإحياء ما أماتوا من الحُقوق وأَنْ يُطاع اللهّ ويُعمى العبادُ في طاعته فالطاعةُ لله ولأهل طاعة اللهّ ولا طاعةَ لمخلوق في مَعْصية الخالق.

نَدْعوكم إلى كتاب الله وسُنة نبيّه والقَسْم بالسويّة والعَدْل في الرَّعية ووَضْع الأخماس في مواضعها التي أمر الله بها.

وإنا والله ما خرجنا أَشَراً ولا بَطراً ولا لَهْواً ولا لَعِباً ولا لدُولة مُلْك نريد أن نَخُوض فيه ولا لثأرٍ قد نِيل منَّا ولكن لما رأينا الأرض قد أظلمت ومعالم الجَوْر قد ظهرت وكثر الادعاء في الدِّين وعُمل بالهوى وعُطِّلت الأحكام وقتل القائم بالقِسط وعُنَف القائل بالحق وسمعنا مُنادياً ينادي إلى الحق وإلى طِريق مُستقيم فأَجَبْنا داعيَ الله فأَقْبلنا من قبائل شَتَّى قليلين مُسْتضعفين في الأرْض فآوانا الله وأيَّدَنا بنَصْره فأصبحنا بنعمته إخواناً وعلى الدِّين أعواناً.

يأهْل المدينة أوَّلُكم خير أوَّل وأخركم شرّ آخر إنكم أطعتم قًرَّاءكم وفُقهاءكم فاختانوكم عن كِتاب غير ذي عِوَج بتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين فأصبحتم عن الحق ناكبين أمواتاً غيرَ أحياء وما تَشْعرون.

يأهل المدينة يا أَبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ما أصح أَصْلَكم وأسْقم فَرْعَكم! كان آباؤكم أهلَ اليَقين وأهل المَعرفة بالدين والبصائر النافذة والقُلوب الواعية وأنتم أهلً الضلالة والجهالة استعبدتكم الدُّنيا فأذَلّتكمِ والأَماني فأَضَفَتكم فتح الله لكم بابَ الدين فأفْسَدتموه وأغلَق عنكم باب الدُّنيا ففَتَحتموه سِرَاع إلى الفِتْنةِ بِطَاء عن السُّنّة عُمْيٌ عن البرهان صُم عن العِرْفان عَبيد الطَّمع حُلفاء الجَزَع.

نِعْم ما ورثكم آباؤكم لو حَفِظتموه وبئس ما تُوَرِّثون أبناءَكم إنْ تَمَسَّكوا به.

نصرَ الله آباءكم على الحق وخَذَلكم على الباطِل.

كان عدد آبائكم قليلاً طَيباً وعددكم كثيرٌ خبيث.

اتبعتمُ الهوَى فأرْدَاكم والَّلهْو فأسْهاكم ومواعظُ القرآن تزجركم فلا تزْدجرون وتُعبِّركم فلا تَعتَبرون.

سألناكم عن وُلاتكم هؤلاء فقلتم: والله ما فيهم الذي يَعْدل أخذوا المال من غير حلقه فوضعوه في غير حَقه وجازوا في الحكم فحَكموا بغير ما أنْزَلَ اللهّ واستأثروا بفَيئنا فجَعَلوه دولةً بين الأغنياء منهم وجعلوا مَقَاسِمَنا وحقوقنا في مُهُور النساء وفروج الإماء.

وقلنا لكم تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظَلموكم وجاروا في الحُكم فَحَكموا بغير ما أنزل اللهّ فقلتم لا نقْوَى على ذلك وَوَدِدْنا أنّا أصَبنا مَن يكفينا فقُلنا: نحنُ نَكفيكم ثم الله راع علينا وعليكم إِن ظَفِرْنا لنُعطين كلَّ ذي حقَّه.

فَجئْنا فاتقينا الرِّمَاح بصُدورنا والسًّيوف بوُجوهنا فعرَضتم لنا دونهم فقاتلتمونا فأبعدكم الله! فوالله لو قلتم لا نَعرف الذي تقول ولا نَعلْمه لكان أعذرَ مع أنه لا عُذْرَ للجاهل ولكنْ أبى الله إلّا أن يَنطق بالحق علىِ ألْسِنتكم وَيأخُذَكم به في الآخرِة.

ثم قال: النّاس منّا ونحن منهم إلا ثلاثة: حاكماً جاء بغير ما أنْزَل الله أو مُتّبعاً له أو راضياً بعمله.

أسقطنا من هذه الخطبة ما كان من طَعْنه على الخلفاء فإنه طعن فيها على عثمان وعليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهما وعمر بن عبد العزيز.

ولم يترك من جميع الخلفاء إلا أبا بكر وعمر وكفَّر مَنْ بعدهما فلعنةُ الله عليه.

إلا أنه ذكر من الخُلفاء رجلاً أصغى إلى المَلاهي والمعازف وأضاع أمر الرعيَّة فقال: كان فلان بن فلان من عدد الخُلفاء عندكم وهو مُضَيِّع للدين والدنيا.

اشترى له بُرْدَين بألف دينار اتزَزَ بأحدهما والتحف بالآخر وأقعَدَ حَبابة عن يمينه وسَلاّمة عن يساره! فقال: يا حَبَابة غَنّيني ويا سلامة اسقيني فإذا امتلأ سُكراً أو ازدهى طَرباً شَقّ ثوْبيه وقال: ألا أطير فطُيّر إلى النار وبئس المَصير.

فهذه صفة خلفاء الله تعالى! وخطبة لأبي حمزة أما بعد فإنك في ناشيء فِتنة وقائم ضلالة قد طال جُثومها واشتدت عليك هُمومها وتلوَّت مصايد عدوّ الله منها وما نَصَبَ من الشِّرَك لأهل الغَفْلة عمّا في عواقبها.

يَهُدّ عمودَها ولن يَنزع أوتادها إلا الذي بيده مُلْك الأشياء وهو الرّحمن الرحيم.

ألا وإن للهّ بقايا من عباده لم يتَحَيّروا في ظلَمها ولم يُشايعُوا أهلها على شبهها مصابيحُ النّور في أفواهِهم تزهو وألسنتُهم بحُجَج الكتاب تَنْطق رَكِبوا مَنهج السّبيل وقاموا على العلَم الأعظم.

هم خصما الشيطان الرّجيم بهم يًصْلح اللهّ البلاد ويَدْفع عن العباد.

طُوبى لهم وللمستصبحين بنورهم وأسأل الله أن يجعلنا منهم.

من أرتج عليه في خطبته أَول خُطبة خطبها عثمان بن عفان أُرتج عليه فقال: أيها الناس إنّ أوّلَ كُلِّ مَرْكب صعب وإنْ أعشْ تأتكم الخًطب على وَجهها وسَيَجْعَلُ الله بعد عُسْرً يسراً إن شاء اللهّ.

ولما قَدِم يزيد بن أبي سفيان الشام والياً عليها لأبي بكر خَطب الناس فأُرتج عليه فعاد إلى حمد للهّ ثمِ أُرتج عليه فعاد إلى الحمد ثم ارتج عليه فقال: يأهل الشام عسى الله أن يجعل بعد عسر يُسْراً وبعد عِيٍّ بياناً وأنتم إلى إمام فاعل أحْوَجُ منكم إلى إمام قائل ثم نزل.

فبلغ ذلك عمرَو بن العاص فاستحسنه.

صعد ثابت قُطْنة مِنْبَر سجِسْتان فقال: الحمد لله ثم أُرتج عليه فنزل وهو يقول: فإن لا أكنْ فيهم خَطِيباً فإنني بسَيفي إذَا جدّ الوَغى لَخَطيبُ فقيل له: لو قُلتَها فوق المِنْبر لكنتَ أخطبَ الناس.

وخطب معاوية بن أبيِ سفيان لما وَليَ فَحَصِر فقال: أيها الناس إنّي كنتُ أعْددتُ مقالاً أقوم به فيكم فحُجبت عنه فإن الله يحول بين المرء وقَلْبه كما قال في كتابه وأنتم إلى إمام عَدْل أحوجُ منكم إلى إمام خَطيب وإني أمركم بما أمر الله به ورسولُه أنهاكم عما نهاكم الله ورسوله وأستغفر الله لي ولكم.

وصعدَ خالد بن عبد الله القَسَري المِنْبَر: فأُرتج عليه فمكثَ مليّاً لا يتكلًم ثم تهَيّأ له الكلام فتكلم فقال: أما بعد فإن هذا الكلام يجيء أحياناً ويَعْزُب أحياناً فيسيح عند مجيئه سَيْبُه ويعز عند عزُوبه طَلبه ولربما كوبر فأبي وعُولج فَنَأى فالتأنَي لمجيئه خير من التعاطي لأبيه وترْكهُ عند تنكره أفضلُ من طَلبه عند تعذره وقد يرْتَج على البليغ لسانُه ويَخْتَلج من الجَريء جَنانُه وسأعود فأقول إنْ شاء الله.

صَعِدَ أبو العَنْبَس مِنْبَراً من مَنابراً الطائف فَحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فاُرتج عليه فقال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم قالوا: لا قال: فما يَنْفعكم ما أريد أن أقول لكم ثم نزل.

فلما كان في الجُمعة الثانية صَعِد المنبر وقال: أما بعد فأُرتج عليه فقال: أتدرون ما أُريد أن أقول لكم قالوا: نعم قال: فما حاجتُكم إلى أن أقول لكم ما عَلِمتم ثم نزل.

فلما كانت الجُمعة الثالثة قال: أما بعد فأُرتج عليه قال: أتدرون ما أُريد أن أقول لكم قالوا: بعضُنا يدري وبعضنا لا يدري قال: فَليُخبر الذي يدري منكم الذي لا يدري ثم نزل.

وأتى رجلٌ من بني هاشم اليمامةَ فلما صَعِد المِنْبر أُرتج عليه فقال: حيّا الله هذه الوُجوهَ وجَعلني فِدَاها قد أمرتُ طائفي بالليل أن لا يرى أحداً إلا أتاني به وإن كنتُ أنا هو ثم نزل.

وكان خالدُ بن عبد اللهّ إذا تكلّم يَظُنّ الناس أنه يَصْنع الكلام لعُذوبة لفظه وبلاغة مَنْطقه فبينا هو يخطُب يوماً إذ وَقعت جرادة على ثوبه فقال: سُبحان مَن الجرادُ مِن خلقه أدمج قوائمها وطَرْفها وجَنَاحيها وسَلطها على مَن هو أعظم منها.

خَطبَ عبد الله بن عامر بالبَصرة في يوم أضحى فأُرتج عليه فمكث ساعة ثم قال: واللهّ لا أجمع عليكم عِيًّا ولُؤْما من أخذ شاةً من السوق فهي له وثمنها عليِّ.

قيل لعبد الملك بن مَروان: عَجّل عليك المَشيب يا أميرَ المؤمنين.

فقال: كيف لا يُعَجل وأنا أعْرِض عقلي على الناس في كل جُمعة مرةً أو مرتين.

النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «العقد الفريد»