تجاوز إلى المحتوى

من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)

خلافة معاوية بن يزيد بن معاوية

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

واستُخلف معاويةُ بن يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وهو ابنُ إحدى وعشرين سنة ومات بعد أبيه بأربعين يوماً ولم يزل مريضاً طولَ ولايته لا يَخرج من بيته فلما حضرتْه الوفاةُ قيل له: لو عهدتْ إلى رجل من أهل بيتك واستَخلفت خليفةً قال: لم أنتفع بها حيا فلا أقلدها ميتا لا يذهب بنو أمية بحلاوتها وأتجرّع مرارتها ولكن إذا مِت فَلْيصل عليّ الوليدُ بن عُقبة وليصلِّ بالناس الضحاك بن قيس حتى يختار الناس لأنفسهم.

فلما مات صلّى عليه الوليد بن عقبة وصلّى بالناس الضَحاك بن قيس بدمشق حيث قامت دولة بني مروان.

فتنة ابن الزبير قال عليّ بن عبد العزيز: حدّثنا أبو عُبيد عن حجَّاج عن أبي معشر قال: لما مات مُسلم بن عُقبة سار حُصين بن نُمير حتى أتى مكة وابنُ الزبير بها فدعاهم إلى الطاعة فلم يُجيبوه فقاتلهم وقاتله ابن الزبير.

فقُتل المُنذرُ بن الزُبير يومئذ ورجلاًن من إخوته ومُصعب بن عبد الرحمن بن عوف والمسور بن مخرمة.

وكان حُصين بن نُمير قد نَصب المجانيق على أبي قُبيس وعلى قُعيْقعان فلم يكن أحدٌ يقدر أن يطوف بالبيت.

فأسند ابنُ الزبير ألواحاً من ساجٍ على البيت وألقى عليها الفُرشَ والقطائف فكان إذا وَقع عليها الحجر نبا عن البيت.

فكانوا يطوفون تحت الألواح فإذا سمعوا صوتَ الحَجر حين يقع على الفرش والقطائف كَبَروا وكان ابن الزبير قد ضَرب فُسطاطا في ناحية فكلما جُرح رجل من أصحابه أدخله ذلك الفسطاط فجاء رجل من أهل الشام بنار في طرف سنانه فأشعلها في الفُسطاط وكان يوماً شديد الحر فتمزّق الفُسطاط فوقعت النار على الكَعبة فاحترق الخشب والسقف وانصدعِ الرُّكن واحترقت الأستار وتساقطت إلى الأرض.

قال: ثم اقتتلوا مع أهل الشام أياماً بعد حريق الكعبة.

قال أبو عبيد: احترقت الكعبة يوم السبت لست خَلون من ربيع الأول سنة أربع وستين فجلس أهلُ مكة في جانب الحِجْر ومعهم ابنُ الزبير وأهل الشام يَرمونهم بالنَّبل والحجارة فوقعت نَبلة بين يدي ابن الزبير فقال: في هذه خبر.

فأخذها فوجد فيها مكتوباً: مات يزيدُ بن معاوية يوم الخميس لأربعَ عشرةَ خلت من ربيع الأول.

فلما قرأ ذلك قال: يا أهل الشام يا أعداء الله ومُحرِّقي بيت الله علامَ تُقاتلون وقد مات طاغيتُكم! فقالت حُصين بن نمير: موعدُك البطحاء الليلة أبا بكر.

فلما كان الليل خَرج ابنُ الزًّبير بأصحابه وخَرج حُصين بأصحابه إلى البطحاء.

ثم ترك كُلّ واحد منهما أصحابه وانفردا فنزلا.

فقال حُصين: يا أبا بكر أنا سيّد أهل الشام لا أدافَع وأرى أهلَ الحجاز قد رَضُوا بك فتعالَ أُبايعْك الساعةَ ويهدر كل شيء أصبناه يومَ الحَرّة وتَخرج معي إلى الشام فإني لا أحب أن يكون المُلك بالحجاز.

فقال: لا والله لا أفعل ولا أمنُ مَن أخافَ الناسَ وأحرق بيتَ الله وانتهك حُرمته.

قال: بل فافعل على أن لا يَختلف عليك اثنان.

فأبي ابنُ الزبير.

فقال له حُصين: لَعنك الله ولَعن مَن زعم أنك سيّد! واللهّ لا تُفلح أبداً!

اركبوا يا أهل الشام.

فركبوا واْنصرفوا.

أبو عُبيد عن الحجّاج عن أبي مَعشر قال: حَدّثنا بعضُ المَشيخة الذين حَضروا قِتَالَ ابن الزبير قال: غَلب حُصين بن نُمير على مكّة كُلها إلا الحِجْر.

قال: فوالله إني لجالس عنده معه نفر من القُرشيين: عبدُ الله بن مطيع والمختار بن أبي عُبيد والمِسْور بن مَخْرمة والمُنذر بن الزُبير: إذ هَبّت رُويحة فقال المختار: والله إني لأرى في هذه الرُّويحة النَّصر فاحملوا عليهم.

فحملوا عليهم حتى أَخرجوهم من مكة وقَتل المختارُ رجلاً وقَتل ابنُ مطيع رجلاً ثم جاءنا على إثر ذلك موتُ يزيدَ بعد حريق الكعبة بإحدى عشرةَ ليلة وانصرف حُصين بن نُمير وأصحابه إلى الشام فوجدوا مُعاويةَ بن يزيد قد مات ولم يَستخلف وقال: لا أتحمّلها حيّا وميتا.

فلما مات معاوية بن يزيد بايع أهلَ الشام كلّهم ابنَ الزبير إلا أهلَ الأرْدُنّ وبايع أهلُ مصر أيضاً ابنَ الزبير.

واستخلف ابنُ الزبير الضحّاكَ بن قيس الفِهريِّ على أهل الشام.

فلما رأى ذلك رجالُ بني أمية وناسٌ من أشراف أهل الشام ووجوههم منهم رَوحُ بن زِنْباع وغيره قال بعضهم لبعض: إنّ المُلك كان فينا أهلَ الشام فانتقل عنّا إلى الحجاز لا نرضى بذلك هل لكم أنْ تأخذوا رجلاً منّا فينظرَ في هذا الأمر فقال: استخيروا الله.

قال:

فرأى القومُ أنه غلامٌ حَدث السن فخرجوا من عنده وقالوا: هذا حَدث.

فأتوا عمرَو بنَ سعيد بن العاص فقالوا له: ارفع رأسك لهذا الأمر فرأوه حَدثاً فجاءوا إلى خالد بن يزيد بن معاوية فقالوا له: ارفع رأسَك لهذا الأمر فرأوه حَدثا حريصاً على هذا الأمر.

فلما خرجوا من عنده قالوا: هذا حدث.

فأتوا مروانَ ابن الحكم فإذا عنده مصباح وإذا هم يَسمعون صوته بالقُرآن فاستأذنوا ودخلوا عليه قالوا: يا أبا عبد اْلملك ارفع رأسَك لهذا الأمر.

فقال: استخيروا اللهّ واسألوا أن يختار لأمة محمد صلى الله عليه وسلم خيرها وأعدلها.

فقال له روحُ ابن زِنباع: إنّ معي أربعَمائة من جُذام فأنا أمرهم أن يتقدّموا في المسجد غداً ومُر أنت ابنك عبدَ العزيز أن يخطب الناسَ ويَدْعوهم إليه فإذا فعل ذلك تنادَوْا من جانب المسجد: صدقتَ صدقتَ فيظنّ الناسُ أن أمرَهم واحد.

فلما اجتمع الناسُ قام عبدُ العزيز فحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال:

ما أحدٌ أولى بهذا الأمر من مَروان كبير قُريش وسيّدها والذي نفسي بيده لقد شابت ذراعاه من الكِبَر.

فقال الجُذاميون: صدقتَ صدقتَ.

فقال خالدُ بن يزيد: أمر دبِّر بليل.

فبايعوا مروانَ بن الحكم.

ثم كان من أمره مع الضّحاك بن قيس بمَرْج راهط ما سيأتي ذكرُه بعد هذا في دولة بني مروان.

أبو الحسن قال: لما مات معاوية بن يزيد اختلف الناسُ بالشام فكان أوّلَ من خالف من أمراء الأجناد النعمانُ بن بَشير الأنصاري وكان على حِمْص فدعا لابن الزُبير فبلغ خبرُه زفرَ بن الحارث الكِلابيّ وهو بقِنَسْرين فدعا إلى ابن الزبير أيضاًً بدمشق سراً ولم يُظهر ذلك لمن بها من بني أمية وكلب.

وبلغ ذلك حسان بن مالك بن بَحْدل الكَلْبي وهو بفِلسطين فقال لرَوْح بن زنباع: إني أرى أمراء الأجناد يبايعون لْابن الزبير وأبناء قيس بالأردن كثير وهم قومي فأنا خارج إليها وأقم أنت بفلسطين فإنّ جُل أهلها قومك من لَخْم وجُذام فإن خالفك أحدٌ فقاتلْه بهم.

فأقام رَوْحٌ بفلسطين وخرج حسان إلى الأردُن.

فقام ناتل بن قيس الْجُذاميّ فدعا إلى ابن الزُبير وأخرج روحَ بن زِنْباع من فلسطين ولحق بحسّان بالأردن.

فقال حسانُ: يأهل الأردن قد علمتم أن ابن الزبير في شِقاق ونفاق وعصيان لخلفاء الله ومفارقةٍ لجماعة المسلمين فانظُروا رجلاً من بني حَرب فبايعوه.

فقالوِا: اختر لنا من شئتَ من بني حَرب وجَنِّبنا هذين الرجلين الغلامين: عبدَ الله وخالداً ابني يزيد بن معاوية فإنّا نكره أن يدعوَ الناسُ إلى شيخ ونحن ندعو إلى صبيِّ.

وكان هَوَى حسّانَ في خالد بن يزيد وكان ابنَ أخته.

فلما رَموه بهذا الكلام أمسك وكتب إلى الضحاك بن قيس كتاباً يُعظّم فيه بني أمية وبلاءهم عنده ويذُم ابن الزبير ويذكر خِلافَه للجماعة وقال لرسوله: اقرأ الكتاب على الضحّاك بمَحضر بني أمية وجماعة الناس.

فلما قرأ كتابَ حسان تكلّم الناسُ فصاروا فِرْقتين فصارت اليمانية مع بني أمية والقَيْسيةُ زُبيريّةً ثم اجتلدوا بالنّعال ومَشى بعضًهم إلى بعض بالسيوف حتى حَجز بينهم خالدُ بن يزيد ودخل الضحاك دارَ الإمارة فلم يخرُج ثلاثةَ أيام.

وقدِم عُبيدُ الله بن زياد فكان مع بني أمية بدمشق.

فخرج الضحاكُ بن قيس إلى المَرْج - مرج راهط - فعسكر فيه وأرسل إلى أمراء الأجناد فأتوه إلّا ما كان من كَلْب.

ودعا مروانُ إلى نفسه فبايعته بنو أمية وكَلب وغسان والسكاسك وطَيىء فعسكر في خَمسة آلاف.

وأقبل عَبَّاد بن يزيد من حُوران في ألفين من مواليه وغيرهم من بني كلب فلحق بمروان.

وغلب يزيدُ بن أبي أنيس على دمشق فأخرج منها عاملَ الضحاك وأمد مروان برجاليٍ وسلاح كثير.

وكتب الضحاك إلىِ أمراء الأجناد فقدم عليه زفر بن الحارث من قِنَسرين وأمده النُّعمان بن بشير بشرَحبْيل بن ذي الكَلاع في أهل حِمْص فتوافَوا عند الضحًاك بمرْج راهط فكان الضحاك في ستين ألفاً ومروان في ثلاثةَ عشر ألفاً أكثرهم رجّالة وأكثرُ أصحاب الضحاك رُكبان.

فاقتتلوا بالمَرْج عشرين يوماً وصَبر الفريقان.

وكان على مَيمنة الضحاك زيادُ بن عمرو بن معاوية العُقيلي وعلى مسيرته بَكْر بن أبي بشير الهلالي.

فقال عُبيد الله بن زياد لمروان: إنك على حق وابن الزبير ومن دعا إليه على الباطل وهم أكثر منا عَدداً وعُدداً ومع الضحاك فُرسان قيس واعلم أنك لا تنال منهم ما تريد إلا بمكيدة وإنما الحرب خدعة فادعهم إلى الموادعة فإذا أمنوا وكَفَوا عن القتال فكُرّ عليهم.

فأرسل مروانُ السُّفَراء إلى الضحَاك يدعوه إلى الموادعة ووَضْع الحرب حتى يَنْظر.

فأصبح الضحَاك والقَيسية قد أمسكوا عن القتال وهم يطمعون أن يُبايع مروان لابن الزّبير وقد أعد مروانُ أصحابَه فلم يشعر الضحاك وأصحابُه إلا والخيل قد شدَّت عليهم ففزع الناس إلى راياتهم من غير استعداد وقد غشيتهم الخيلُ فنادى الناسُ: أبا أنيس أعَجْز بعد كَيْس - وكُنية الضحاك: أبو أنيس - فاقتتل الناسُ ولزم الناسُ راياتهم فترجل مروان وقال: قَبّح الله من ولأهم اليومَ ظهرَه حتى يكون الأمر لإحدى الطائفتين.

فقُتل الضحاكً بن قيس وصَبرت قيسُ عند راياتِها يقاتلون فنظر رجل من بني عُقيل إلى ما تَلْقى قيس عند راياتها من القَتل فقال:

اللهم العنها من رايات! واعترضَها بسيفه فجعل يَقْطعها فإذا سقطت الرايةً تفرق أهلها.

ثم انهزم الناس فنادى مُنادِي مروان: لا تَتبعوا من ولّاكم اليوم ظهره.

فزعموا أن رجالاً من ليس لم يَضحكوا بعد يوم المَرج حتى ماتوا جَزعا على من أصيب من فُرسان قيس يومئذ.

فقتل مِن قَيس يومئذ ممن كان يأخذ شَرف العطاء ثمانون رجلاً وقُتل من بني سليم سِتّمائة وقُتل لمروان ابنٌ يقال له عبدُ العزيز.

وشَهد مع الضحَّاك يوم مَرْج راهط عبدُ اللهّ بن معاوية بن أبي سُفيان.

فلما انهزم الناسُ قال له عُبيد الله بن زياد: ارتدف خَلْفي فارتدف فأراد عمرو بن سَعيد أن يقتلَه.

فقال له عبيدُ الله بن زياد: ألا تكُفّ يا لَطِيمَ الشيطان! وقال زفر بن الحارث وقد قُتل ابناه يوم المَرْج:

لَعمري لقد أبقتْ وقيعة راهطٍ بمَروان صَدْعاً بيّنا مًتنائيا فلم يُزَ مِنّي زَلةٌ قبلَ هذه فِراري وتَركي صاحبي ورائيا أيذهبُ يومٌ واحدٌ إن أسأتُه بصالح أيامي وحُسْن بلائيا أنترك كلْباً لم تَنَلها رماحُنا وتَذهب قَتْلى راهطٍ وهي ما هيا وقد تَنْبُت الخَضراء في دِمَن الثرى وتَبقى حَزازاتُ النفوس كما هيا فلا صُلْع حتى نَدْعس الخَيلَ بالقَنا وتثأر من أبناء كَلْب نسائيا فلما قتل الضحاك وانهزم الناس نادى مروانُ أن لا يُتبع أًحد.

ثم أقبل إلى دمشق فدخلها ونَزل دارَ مُعاوية بن أبي سفيان دارَ الِإمارة ثم جاءته بَيعة الأجناد فقال له أصحابه: إنا لا نتخوّف عليك إلا خالدَ بن يزيد فتزوّجْ أمه فإنك تَكْسره بذلك وأمه ابنة أبي هاشم بن عُتبة بن ربيعة.

فتزوّجها مروان فلما أراد الخروجَ إلى مصر قال لخالد: أعرْني سلاحاً إن كان عندك فأعاره سلاحاً وخَرج إلى مصر فقاتل أهلَها وسَبى بها ناساً كثيراً فافتدوا منه.

ثم قَدم الشام فقال له خالدُ.

بن يزيد: رُدّ عليّ سلاحي.

فأبى عليه.

فألحّ عليه خالد.

فقال له مَروان وكان فَحّاشا: يا بن رَطْبة الإست.

قال: فدخل إلى أمه فبكى عندها وشكا إليها ما قاله مروانُ على رؤوس أهل الشام.

فقالت له: لا عليك فإنه لا يعود إليك بمثلها.

فلبث مروان بعد ما قال لخالد ما قال أياماً ثم جاء إلى أم خالد فرقد عندها فأمرت جواريها فطَرحْن عليه الوسائد ثم غَطّته حتى قتلته ثم خَرجن فصِحْن وشَقَقنَ ثيابهن: يا أمير المؤمنين! يا أمير المؤمنين! ثم قام عبدُ الملك بالأمر بعده فقال لفاخر أم خالد: والله لولا أن يقول الناس إني قتلتُ بأبي امرأةً لقتلتُكِ بأمير المؤمنين.

ووُلد مروانُ بن الحكم بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بمكة.

ومات بالشام لثلاث خلون من رَمضان سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وصلى عليه ابنُه عبد الملك بن مروان.

وكانت ولايته تسعة أشهر وثمانية عشر يوماً.

وكان على شرُطته يحيى بن قيس الشّيباني.

وكاتبه سَرجون بن منصور الرُّومي.

وحاجبه أبو سَهل الأسود مولاه.

النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «العقد الفريد»