تجاوز إلى المحتوى

من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)

أخبار معاوية

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

قدم معاويةُ المدينةَ بعد عام الجماعة فدخل دارَ عثمان بن عفّان فصاحت عائشة بنت عثمان وبكت ونادت أباها.

فقال معاوية: يا ابنة أخي إنّ الناس أعْطَوْنا طاعةً وأعطيناهم أماناً وأظهرنا لهِم حِلْماً تحته غَضب وأظهروا لنا ذُلّاً تحته حِقْد ومع كل إنسان سيفُه ويرى موضع أصحابه فإن نكثناهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أمْ لنا.

لأن تكوني ابنةَ عمِّ أمير المؤمنين خيرٌ من أن تكوني امرأة من عُرض الناس.

القَحْذَميّ قال: لما قَدم معاويةُ المدينة قال: أيها الناس إنّ أبا بكر رضي الله عنه لم يُرد الدنيا ولم تُرده وأما عمر فأرادتْه ولم يُردها وأما عثمان فنال منها ونالتْ منه وأما أنا فمالتْ بي وملتُ بها وأنا ابنُها فهي أُمي وأنا ابنُها فإن لم تَجدوني خيركم فأنا خيرٌ لكم.

ثم نزل.

قال جُويرية بن أسماء.

نال بُسْرُ بن أرطأة مِن عليّ بن أبي طالب عند معاوية وزيدُ بن عمر بن الخطاب جالس فعلا بُسْراً ضرباً حتى شَجّه.

فقال معاويةُ: يا زيد عمدتَ إلى شيخ قُريش وسيّد أهل الشام فضربتَه! وأقبل على بُسْر وقال: تَشتم عليا وهو جدُه وأبوه الفاروق على رؤوس الناس! أفكنتَ تراه يَصبر على شَتْم عليّ! وكانت أمَ زيد أمُ كُلثوم بنت علي بن أبي طالب.

ولما قدم معاويةُ مكةَ وكان عمر قد استعمله عليها دخل على أُمه هِنْد فقالت له: يا بني.

إنه قلما وَلدت حُرة مثلَك وقد استعملك هذا الرجل فاعمل بما وافقه أحببت ذلك أم كرهتَه.

ثم دخل على أبيه أبي سفيان فقال له: يا بني.

إن هؤلاء الرهط من المُهاجرين سَبقونا وتأخرنا فرفعهم سبقُهم وقصر بنا تأخيرُنا فصرْنا أتباعاً وصاروا قادةً وقد قلّدوك جَسيماً من أمرهم فلا تُخالفن رأيَهم فإنك تَجري إلى أمد لم تَبلغه ولو قد بلغتَه لتنفست فيه.

قال معاوية: فعجبت من اتفاقهما في المعنى على اختلافهما في اللفظ.

العتبي عن أبيه: أن عمر بن الخطاب قَدِمِ الشام على حِمار ومعه عبدُ الرحمن بن عوف على حِمار فتلقاهما معاويةُ في موكب نبيل فجاوز عمرَ حتى أُخبر فرجع إليه فلما قَرُب منه نزل فأعرض عنه عمر فجعل يمشي إلى جنبه راجلاً.

فقال له عبدُ الرحمن بن عوف: أتعبتَ الرجل.

فأقبل عليه عمر فقال: يا معاوية أنت صاحبُ الموكب آنفاً مع ما بلغني من وقُوف ذوي الحاجات ببابك قال: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: ولم ذلك قال: لأنا في بلاد لا يُمتنع فيها من جواسيس العدوِّ فلا بُدّ لهم مما يُرهبهم من هيبة السلطان فإن أمرتَني بذلك أقمتُ عليه وإن نهيتني عنه انتهيت.

قال: لئن كان الذي قلتَ حقاً فإنه رأيُ أريب ولئن كان باطلًا فإنها خُدعة أحب ولا أمرك به ولا أنهاك عنه.

فقال عبدُ الرحمن بن عوف: لحسن ما صدر من هذا الفتى عما أوردتَه فيه.

قال: لحسن مَصادرهِ وموارده جشّمناه ما جشمناه.

وقال معاوية لابن الكَوّاء: يا بن الكواء أنشدك الله ما عِلْمُك فيًّ قال: أنشدَتَني الله! ما أعلَمُكَ إلا واسع الدُّنيا ضيق الآخرة.

ولما مات الحسنُ بن عليّ حَجّ معاوية فدخل المدينة وأراد أن يَلْعن عليَّا على مِنبر رسول الله صلى عليه وسلم.

فقيل له: إن هاهنا سعدَ بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا فابعث إليه وخُذ رأيه.

فأرسل إليه وذكر له ذلك.

فقال: إن فعلت لأخرُجن من المسجد ثم لا أعود إليه.

فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد.

فلما مات لَعنه عَلَى المنبر وكتب إلى عماله أن يَلعنوه على المنابر ففعلوا.

فكتبتْ أم سَلمة زوج النبيّ صلى عليه وسلم إلى معاوية: إنكم تلعن الله ورسولَه على منابركم وذلك أنكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه وأنا أشهد أن الله أحبَّه ورسولَه فلم يلتفت إلى كلامها.

وقالت بعضُ العلماء لولده: يا بني إن الدنيا لم تَبْن شيئاً إلا هَدمه الدِّين وإنّ الدين لم يبْن شيئاً فهدمتْه الدنيا ألا ترى أنّ قوماً لعنوا عليّا ليخْفِضوا منه فكأنما أخذوا بناصيته جرّاً إلى السماء.

ودخل صعصعة بن صُوحان على مُعاوية ومعه عمرو بن العاص جالسٌ على سريره فقال: وَسِّع له على تُرابيّة فيه.

فقال صعصعةُ: إني والله لتُرابيّ منه خُلقت وإليه أعود ومنه أبعث وإنك لمارج من مارج من نار.

العُتبي عن أبيه قال قال معاويةُ لعمرو بن العاص: ما أعجبُ الأشياء قال غَلبة مَن لا حقَّ له ذا الحقّ على حقه.

قال معاوية:

أعجبُ من ذلك أن يُعطى من لا حق له ما ليس له بحق من غير غَلبة.

وقال معاويةُ: أُعنت على عليّ بأربعة كنت أكتم سري وكان رجلاً يُظهِره وكنتُ في أصلح جند وأطوعه وكان في أخْبَث جُند وأعْصاه وتركتُه وأصحابَ الجمل وقلتُ: إن ظَفروا به كانوا أهونَ علي منه وإن ظَفِر بهم اغتر بها في دِينه وكنتُ أحب إلى قُريش منه.

فيالك مِن جامع إلي ومُفرق عنه!

العتبي قال: أراد معاوية أن يقدم ابنه يزيد على الصائفة فكره ذلك يزيد فأبى معاوية إلى أن يفعل فكتب إليه يزيد يقول:

نجيٌّ لا يزال يعد ذنباً لتقطع وصل حبلك من حبالي فيوشك أن يريحك من أذاتي نزولي في المهالك وارتحالي وتجهز للخروج فلم يتخلف عنه أحد حتى كان فيمن خرج أبو أيوب الأنصاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال العتبي: وحدثني أبو إسحاق إبراهيم قال: أرسل معاوية إلى ابن عباس قال: يا أبا العباس إن أحببت خرجت مع ابن أخيك فيأنس بك ويقربك وتشير عليه برأيك.

ولا يدخل الناس بينك وبينه فيشغلوا كل واحد منكما عن صاحبه.

وأقل من ذكر حقك فإنه إن كان لك فقد تركته لمن هو أبعد منا حبّاً وإن لم يكن لك فلا حاجة بك إلى ذكره مع أنه صائر إليك وكل آت قريب ولتجدن إذا كان ذلك خيراً لكم منا.

فقال ابن العباس: والله لئن عظمت عليك النعمة في نفسك لقد عظمت عليك في يزيد وأما ما سألتني من الكف عن ذكر حقي فإني لم أغمد سيفي وأنا أريد أن أنتصر بلساني.

ولئن صار هذا الأمر إلينا ثم وليكم من قومي مثلي كما ولينا من قومك مثلك لا يرى أهلك إلا ما يحبون.

قال: فخرج يزيد فلما صار على الخليج ثقل أبو أيوب الأنصاري فأتاه يزيد عائداً فقال: ما حاجتك أبا أيوب فقال: أما دنياكم فلا حاجة لي فيها ولكن قدمني ما استطعت في بلاد العدو فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يدفن عند سور القسطنطينية رجلٌ صالح أرجو أن أكون هو.

فلما مات أمر يزيد بتكفينه وحمل على سريره ثم أخرج الكتائب.

فجعل قيصر يرى سريراً يحمل والناس يقتتلون.

فأرسل إلى يزيد: ما هذا الذي أرى قال:

صاحب نبينا وقد سألنا أن تقدمه في بلادك ونحن منفذون وصيته أو تلحق أرواحنا بالله.

فأرسل إليه: العجب كل العجب: كيف يدهى الناس أباك وهو يرسلك فتعمد إلى صاحب نبيك فتدفنه في بلادنا فإذا وليت أخرجناه إلى الكلاب! فقال يزيد: إني والله ما أردت أن أودعه بلادكم حتى أودع كلامي آذانكم فإنك كافر بالذي أكرمت هذا له لئن بلغني أنه نبش من قبره أو مثل به لا تركت بأرض العرب نصرانياً إلا قتلته ولا كنيسة إلا هدمتها.

فبعث إليه قيصر: أبوك كان أعلم بك فوحق المسيح لأحفظته بيدي سنةً.

فلقد بلغني أنه بني على قبره قبة يسرج فيها إلى اليوم.

طلب معاوية البيعة ليزيد أبو الحسن المدائني قال: لما مات زياد وذلك سنة ثلاث وخمسين أظهر معاوية عهداً مفتعلاً فقرأه على الناس فيه عقد الولاية ليزيد بعده وإنما أراد أن يسهل بذلك بيعة يزيد.

فلم يزل يروض الناس لبيعته سبع سنين ويشاور ويعطى الأقارب ويداني الأباعد حتى استوثق له من أكثر الناس.

فقال لعبد الله بن الزبير: ما ترى في بيعة يزيد قال: يا أمير المؤمنين إني أناديك ولا أناجيك إن أخاك من صدقك فانظر قبل أن تتقدم.

وتفكر قبل أن تندم فإن النظر قبل التقدم والتفكر قبل التندم.

فضحك معاوية وقال: ثعلب رواغ تعلمت السجع عند الكبر في دون ما سجعت به على ابن أخيك ما يكفيك.

ثم التفت إلى الأحنف فقال: ما ترى في بيعة فلما كانت سنة خمس وخمسين كتب معاوية إلى سائر الأمصار أن يفدوا عليه.

فوفد عليه من كل مصر قومُ.

وكان فيمن وفد عليه من المدينة محمد بن عمرو بن حزم فخلا به معاوية وقال له: ما ترى في بيعة يزيد فقال: يا أمير المؤمنين ما أصبح اليوم على الأرض أحدٌ هو أحب إلي رشداً من نفسك سوى نفسي وإن يزيد أصبح غنياً في المال وسيطاً في الحسب وإن الله سائل كل راع عن رعيته فاتق الله وانظر مَن تولى أمرَ أمة محمد.

فأخذ معاويةَ بَهْر حتى تنفّس الصُعداء وذلك في يوم شات ثم قال: يا محمد إنك امرؤ ناصحٌ قلت برأيك ولم يكن عليك إلا ذاك.

ثم قال معاوية: إنه لم يَبق إلا ابني وأبناؤهم فابني أحبّ إليّ من أبنائهم اخرُج عني.

ثم جلس معاويةُ في أصحابه وأذن للوفود فدخلوا عليه وقد تقدَّم إلى أصحابه أن يقولوا في يَزيد فكان أوَّلَ من تكلَّم الضحاكُ بن قيس فقال: يا أميرَ المؤمنين إنه لا بُد للناس مِن والٍ بعدك والأنفس يُغْدَى عليها ويًراح.

وإن الله قال: كُلّ يومٍ هو في شَان.

ولا ندري ما يختلف به العصرْان ويزيدُ ابن أمير المؤمنين في حُسن مَعْدِنه وقَصْد سيرته من أفضلنا حِلما وأحكمنا عِلماً فولّه عهدك واجعله لنا عَلماً بعدك.

وإنّا قد بَلَونا الجماعةَ والُألفة فوجدناه أحقن للدماء وآمَن للسُّبل وخيراً في العاجلة والآجلة.

ثم تكلَّم عمرو بن سَعيد فقال: أيها الناس إن يزيدَ أملٌ تأمُلونه وأجل تأمنونه طويل الباع رَحْب الذراع إذا صِرْتم إلى عَدله وَسِعكم وإِن طلبتم رِفْده أغناكم جَذَع قارح سُوبق فسَبق ومُوجِد فمَجَد وقُورعِ فقَرع خلف من أمير المؤمنين ولا خَلف منه.

فقال: اجلس أبا أمية فلقد أوسعت وأحسنت.

ثم قام يزيد بن المُقفّع فقال:

أمير المؤمنين هذا وأشار إلى معاوية فإن هلك فهذا وأشار إلى يزيد فمن أي فهذا وأشار إلى سيفه.

فقال معاوية: اجلس فإنك سيّد الخطباء.

ثم تكلم الأحنف بن قيس فقال: يا أميرَ المؤمنين أنت أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسره وعَلانيته ومَدخله ومَخرجه فإن كنت تَعلمه لله رضا ولهذه الأمة فلا تُشاور الناسَ فيه وإن كنت تعلم منه غيرَ ذلك فلا تُزوّده الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة.

قال: فتفرّق الناس ولم يذكروا إلا كلامَ الأحنف.

قال: ثم بايع الناسُ ليزيد بن معاوية فقال رجل وقد دُعي إلى البيعة: اللهم إني أعوذ بك من شر معاوية.

فقال له معاوية:

تَعوذ من شر نفسك فإنه أشدّ عليك وبايعْ.

قال: إني أبايع وأنا كاره للبَيعة.

قال له معاوية:

بايع أيها الرجل فإن الله يقول: «فعَسى أن تَكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً».

ثم كتب إلى مروان بن الحكم عامِله على المدينة: أن ادْعُ أهلَ المدينة إلى بيَعة يزيد فإن أهل الشام والعِراق قد بايعوا.

فخطبهم مروان فحضّهم على الطاعة وحَذّرهم الفِتنة ودعاهم إلى بيَعة يزيد وقال:

سُنه أبي بكر الهادية المهْديَة.

فقال له عبدُ الرحمن بن أبي بكر: كذبْتَ! إن أبا بكر ترك الأهل والعشيرة وبايع لرجل من بني عَدي رضي دينَه وأمانته واختاره لُأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

فقال مروان: أيها الناس إن هذا المُتكلم هو الذي أنزل الله فيه: «والذي قالَ لوالدَيْه أُفٍّ لكما أتعِدَانني أن أُخْرَج وقد خَلَت القُرونُ من قَبلي».

فقال له عبدُ الرحمن: يا بن الزرقاء أفينا تتأوَل القرآن! وتكلّم الحُسين بن علي وعبدُ الله بن الزبير وعبدُ الله بن عمرَ وأنكروا بيعةَ يزيد وتفرّق الناس.

فكتب مروان إلى معاوية بذلك.

فخرج معاويةُ إلى المدينة في ألف فلما قَرُب منها تلقَاه الناس فلما نظر إلى الحُسين قال: مرحباً بسيّد شباب المسلمين قرّبوا دابّةً لأبي عبد اللهّ.

وقال لعبد الرحمن بن أبي بكر: مرحبَاَ بشيخ قريش وسيّدها وابن الصدّيق.

وقال لابن عمر: مرحباً بصاحب رسول الله وابن الفاروق.

وقال لابن الزُبير: مرِحباً بابن حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته ودعا لهم بدواب فَحملهم عليها.

وخرج حتى أتى مكة فقضى حَجَّه ولما أراد الشُّخوص أمر بأثقاله فقدِّمت وأمر بالمِنبر فقرب من الكعبة وأرسل إلى الحُسين وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن الزُبير فاجتمعوا.

وقالوا لابن الزبير: اكفنا كلامه فقال: علَى أن لا تُخالفوني.

قالوا: لك ذلك ثم أتوا معاويةَ فرحّب بهم وقال لهم: قد علمتم نَظري لكم وتَعطُّفي عليكم وصِلتي أرحامَكم ويزيدُ أخوكم وابنُ عَمكم وإنما أردتُ أن أُقدمه باسم الخلافة وتكونوا أنتم تأمرِون وتَنْهون.

فسكتوا وتكلّم ابنُ الزبير فقال: نخيرك بينِ إحدى ثلاث أيّها أخذت فهي لك رغبة وفيها خِيار: فإن شئت فاصنع فينا ما صنع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَبضه الله ولم يَسْتخلف فدع هذا الأمرَ حتى يختارَ الناسُ لأنفسهم وإن شئت فما صنع أبو بكر عَهد إلى رجل من قاصية قُريش وتَرك مِن ولده ومن رهطه الأدْنين مَن كان لها أهلاً وإن شئت فما صَنع عمر صيرها إلى ستة نفر من قُريش يختارون رجلاً منهم وترك ولده وأهلَ بيته وفيهم من لو وَليها لكان لها أهلَاَ.

قال معاوية: هل غيرُ هذا قال: لا.

ثم قال للآخرين: ما عندكم قالوا: نحن على ما قال ابنُ الزبير.

فقال معاوية: إني أتقدّم إليكم وقد أعذر من أنذر إني قائل مقالة فأُقسم باللهّ لئن رَدّ عليً رجلٌ منكم كلمة في مَقامي هذا لا تَرْجع إليه كَلِمته حتى يُضرب رأسُه فلا ينظر امرؤ منكم إلا إلى نفسه ولا يُبقى إلا عليها.

وأمر أن يقوم على رأس كُلِّ رجل منهم رجلاًن بسَيفيْهما فإن تكّلَم بكلمة يَرُدّ بها عليه قولَه قتلاه.

وخرج وأخرجهم معه حتى رَقي المِنبر وحَفّ به أهل الشام واجتمع الناسُ فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إنا وجدنا أحاديث الناس ذاتَ عَوار قالوا: إن حًسيناً وابن أبي بكر وابن عمرِ وابن الزّبير لم يُبايعوا ليزيد وهؤلاء الرهط سادةُ المسلمين وخيارُهم لا نبرم أمراً دونهم ولا نقضي أمراً إلا عن مشورتهم وإني دعوتُهم فوجدتهم سامعين مُطيعين فبايعوا وسَلّموا وأطاعوا.

فقال أهلُ الشام: وما يَعْظُم من أمر هؤلاء ائذن لنا فنضربَ أعناقهم لا نرضى حتى يُبايعوا علانيةً! فقال معاوية: سبحان اللهّ! ما أسرعَ الناسَ إلى قُريش بالشرّ وأحلى دماءَهم عندهم! أنصتوا فلا أسمع هذه المقالة من أحد.

ودعا الناسَ إلى البيعة فبايعوا.

ثم قربت رواحله فركب ومضى.

فقال الناس للحُسين وأصحابه: قلتم: لا نُبايع فلما دُعيتم وأُرضيتم بايعتم! قالوا لم نَفعل.

قالوا: بلى قد فعلتم وبايعتم أفلا أنكرتم! قالوا: خِفنا القتل وكادكم بنا وكادنا بكم.

النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «العقد الفريد»